شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

ساهم/ ي في صياغة المستقبل!
قُصّر تونس يهجرون البلاد وأسرهم في مرمى الاتهام

قُصّر تونس يهجرون البلاد وأسرهم في مرمى الاتهام

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

حياة

السبت 20 مايو 202303:10 م

بعد قضائه إحدى عشرة ساعة في مركب هجرة غير نظامية يحمل على متنه 35 شخصاً أغلبهم قُصّر انطلق من سواحل جزيرة قرقنة التونسية، وصل الطفل القاصر سامي (اسم مستعار) في يوليو/تموز 2021 إلى سواحل مدينة سيسيليا الإيطالية دون مرافق وكان يبلغ حينها 16 سنة.

قبل مغادرته محافظة سوسة الساحلية، كان سامي قد انقطع عن الدراسة مبكرا بقرار من والدته "نظرا لمستواه المتدني ونتائجه الضعيفة" فأدخلته في مركز تكوين مهني لتعلم تخصّص الحجامة، تروي كريمة (اسم مستعار) عمة سامي لرصيف22.

لم تدم فترة تكوينه طويلا بقرار من والديْه اللذين اتفقا على ترحيله خارج تونس "قبل بلوغه سن الثامنة عشرة لضمان مستقبله في بلد الاستقبال خاصة وأن حالة الأسرة الاجتماعية والاقتصادية صعبة".

دور الأم في الهجرة

حصلت والدة سامي على مبلغ 5 آلاف دينار (1600 دولار) تكلفة هجرة طفلها من أمّها وتولت بمفردها البحث عن منظّمي عملية "الحرقة" (الهجرة غير النظامية) والاتصال بهم والاتفاق معهم ومرافقة ابنها إلى مكان الانطلاق ولم تعد أدراجها إلّا بعد دخول المركب مياه البحر، تؤكد العمةّ.

بمجرد وصول المركب إلى سواحل سيسيليا، تولت "سكادرة" (وحدة عسكرية) إيطالية حكومية وضع كافة الأطفال القصر دون سن 16 عاما في مبيت حكومي في المنطقة ووفّرت لهم الأكل واللباس وتواصل منحهم مصروفهم أسبوعياً وأدخلتهم التكوين المهني في تخصصات عديدة من بينها صناعة الحلويات التي يتعلمها سامي الآن مقابل أجر رمزي.

حصلت والدة سامي على مبلغ 1600 دولار، تكلفة هجرة طفلها من أمّها وتولت بمفردها البحث عن منظّمي عملية "الحرقة" (الهجرة غير النظامية) والاتصال بهم والاتفاق معهم ومرافقة ابنها إلى مكان الانطلاق

وفق تصريح العمة، فإن والدة سامي حرصت على ترحيله وهو مازال قاصراً بعد بحثها وتأكدها من أن السلطات الإيطالية تتكفّل بالأطفال القُصّر من جميع النواحي حتى بلوغهم السن القانوني 18 عاماً وتمنحهم حينها وثائق الإقامة الرسمية "وتكون بذلك ضمنت مستقبل ابنها".

في الرحلة ذاتها وعلى متن القارب ذاته، هاجر بلقاسم (اسم مستعار) مرافقاً بطفله القاصر (4 سنوات) ذي الإعاقة الكاملة وغير قادر على الحركة والنمو ولا الأكل والشرب إلا عبر حقن، جرّاء خطأ طبي في تونس، توضح حليمة (اسم مستعار) إحدى قريبات الأب لرصيف22.

هجرة للعلاج

كانت أوضاع بلقاسم المالية في تونس "مستقرة نوعا ما" وهاجر أساسا لعلاج طفله وحمل معه ملفه الطبي كاملا وترك خلفه زوجته وطفليْه الآخريْن (7 و9 سنوات)، تضيف حليمة.

فور وصول المركب إلى الميناء، اتصل مسؤولو "السكادرة" بسيارة إسعاف التي حضرت ونقلت مباشرة الطفل القاصر إلى أحد المستشفيات القريبة وتولت السلطات الإيطالية كراء بيت صغير لوالده بجانب المستشفى ومنحته يوميا 150 يورو ثم وفرت له بعد ذلك عملا لإعالة نفسه وطفله.

بحسب حليمة، فإن الفريق الطبي الإيطالي اكتشف الخطأ الطبي في فتحة معدة الصغير الذي تسبب في إعاقته وأجروا له عملية جراحية وهو الآن يعالج مجانا.

وأما عن زوجة بلقاسم، فقد باعت كل ما يملكانه ولحقت به هي وطفلاها الآخران عن طريق الهجرة غير نظامية بدورهم ووصلوا بسلام.

وفق آخر تحيين نشره المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية لشهر أبريل/نيسان 2023، فقد بلغ عدد القُصّر التونسيين الواصلين إلى السواحل الإيطالية بمرافقة أو دون مرافقة 834 قاصرا/ة وهو رقم شهد ارتفاعا ملحوظا مقارنة بالسنوات الماضية، حسب المصدر نفسه.

وعلى سبيل الذكر لا الحصر، وصل 205 قاصرا خلال الفترة ذاتها (نيسان) عام 2022 بينما وصل 258 آخرون سنة 2021.

طفولة "حزينة" في تونس

وقوفا على وضعية الطفولة في تونس، أعلنت وزيرة المرأة أمال بلحاج موسى تسجيل 102 محاولة انتحار في صفوف الأطفال بمعدل 26 في المئة من الحالات شهريا، 80 في المئة منها من الإناث خلال الفترة الممتدة من يناير/كانون الثاني إلى أبريل/نيسان 2023.

كما سجلت 8 حالات انتحار بمعدل حالتيْن شهريا "ما استدعى ضرورة الانطلاق في دراسة حول هذه الظاهرة لفهم أسبابها وسبل القضاء عليها والحد منها، وفق تصريح صحفي لبلحاج موسى يوم 12 مايو/أيار 2023.

أما معدل فقر الأطفال في تونس، فارتفع إلى 29 في المئة عام 2020 بعد بلوغه 19 في المئة في السنوات الماضية ما يعني بلوغهم مليون قاصر، وفق ما أعلنته منظمة اليونيسيف والبنك الدولي في أكتوبر/تشرين الأول 2022 خلال إمضاء اتفاقية بين وزارة الشؤون الاجتماعية التونسية و يونيسيف والولايات المتحدة الأمريكية لإطلاق شراكة منظومة الأمان الاجتماعي التونسية لفائدة الأطفال والعائلات محدودة الدخل.

بلغ عدد القُصّر التونسيين الواصلين إلى السواحل الإيطالية في نيسان 2023 بمرافقة أو دون مرافقة 834 قاصرا/ة وهو رقم شهد ارتفاعا ملحوظا مقارنة بالسنوات الماضية

وأعلن الوزير مالك الزاهي حينها أن 305 آلاف طفل تتراوح أعمارهم بين 6 و 18 سنة سينتفعون بمنحة شهرية مدة 11 شهرا وتمتع 421 ألف طفل آخرين بمنحة مالية تكميلية للعودة المدرسية وتلقى 25 ألف طفل وعائلة الدعم من خلال خدمات حماية الطفولة.

"مصير مجهول"

بشأن علاقة الطفل التونسي بالدراسة، كشف وزير التربية السابق فتحي السلاوتي في سبتمبر/أيلول 2022 عن انقطاع 300 تلميذ يوميا عن الدراسة.

وبين أن 70 في المئة منهم يلتحقون فيما بعد إما بالتعليم الخاص أو بمنظومة التكوين المهني بينما يظل مصير 30 في المئة المتبقين "مجهولا"، وأفاد بانقطاع 69 ألف تلميذ عن الدراسة خلال السنة الدراسية 2021 ليرتفع بذلك العدد إلى قرابة 109 آلاف واصفا هذه الأرقام "بالخطيرة التي تستوجب تضافر جهود عديد الأطراف لمجابهتها".   

وفي تعليقها على تنامي ظاهرة هجرة القُصر غير النظامية في تونس، توضح الباحثة في علم الاجتماع والمختصة في الهجرة نسرين بن بلقاسم "أن الظاهرة بصورة عامة "شهدت تحولات كبيرة حيث كانت تشمل فئة معينة من المجتمع من أشخاص دون مستوى تعليمي، أو عاطلين عن العمل وأصبحت اليوم أكثر تنظيما ومعلَنة وتمس جميع الفئات من أصحاب الشهادات العليا والنساء، وأطفالا قصّراً وهي مسألة جديدة في هذه الظاهرة".

تضيف لرصيف22 أن تكلفة "الحرقة" أصبحت اليوم "مرتفعة ومقسمة وفيها تمييز وتوجد حرقة باهظة السعر وتكون في يخت ومضمونة الوصول وأخرى جوا عبر خط صربيا".

وبرأيها، فلا علاقة للأسباب الاقتصادية بتنامي هجرة القُصّر لأن المسألة تتعلق "بقُصّر مازالوا يدرسون ويحلمون وليست لهم أي علاقة بالفقر أو العمل أو البطالة".

مسؤولية العائلة ونظام التعليم

تؤكد بن بلقاسم أن الأسباب الاجتماعية هي أساس المشكلة "إذ تساعد العائلات التونسية اليوم أطفالها في الهجرة بمرافقتهم أو دون ذلك ولا يمكن لقاصر بين 8 و11 سنة جمع المال والاتصال بشبكات التهريب فيتولى الأولياء الأمر".

وأصبحت الأسر بذلك "تستغل أطفالها لعلمها أن القوانين الأوروبية تعتني بالقصّر من كل الجوانب مثل الدراسة، والسكن في مراكز ملائمة، والمنح، وتوفير العمل ولا تعيدهم إلى بلدهم الأم".

كما أنه لديها "فكرة مغلوطة بشأن مستوى العيش هناك من حيث وفرة المال، وصارت الهجرة غير النظامية في تونس ثقافة مجتمعية كبيرة جدا".

تتابع الباحثة في علم الاجتماع، "بعد أن كانت العملية تُنظَّم في سرية تامة ومن المواضيع الممنوعة، أصبحت تُطرح اليوم للنقاش في الوسط العائلي والمدرسي وفي وسائل الإعلام وموسيقى الراب".

تساعد العائلات التونسية اليوم أطفالها في الهجرة بمرافقتهم أو دون ذلك ولا يمكن لقاصر بين 8 و11 سنة جمع المال والاتصال بشبكات التهريب فيتولى الأولياء الأمر

بعد العائلة، يأتي النظام التعليمي التونسي "الذي لا يضمن أي آفاق لمستقبل التلميذ ولا أي حلول بديلة فإما الدراسة أو لا يوجد مستقبل وتحتضنه شبكات الانحراف المختلفة في مقابل إحاطة اجتماعية ودراسة وتكوين مهني متعدد الاختصاصات توفره سلطات دول الاستقبال ومنظمات المجتمع المدني"، تضيف.

تستشهد بن بلقاسم بنسبة الانقطاع عن الدراسة والرسوب المرتفعة في صفوف القُصّر وبفقدان التعليم قيمته وبآفاق التشغيل المسدودة، "وخير دليل على ذلك نسبة العاطلين عن العمل من أصحاب الشهادات العليا المرتفعة (30.1 في المئة) فتفضل العائلة إرسال أطفالها في قوارب الموت متحدّية مخاطر الرحلة وعواقبها".

"مشروع عائلي"

يشاركها الرأي رئيس الجمعية التونسية للدفاع عن حقوق الطفل معز الشريف ويعتبر أن الهجرة غير النظامية في تونس أصبحت بمثابة "مشروع عائلي بعد تفطن الأهالي إلى أن القوانين الدولية تقدم حماية خاصة للأطفال القُصّر تختلف عن طريقة التعامل مع الكهول".

وتحولت بذلك "الحرقة" من "استدراج الأطفال في إطار الإتجار بالبشر بمساعدتهم على الهجرة ومن ثم استغلالهم عند الوصول في ظل افتقارهم لوثائق رسمية كبطاقات هوية وجواز سفر إلى استثمار عائلي للمسألة"، يقول لرصيف22.

ويؤكد أن العائلات تظن أنه بالتكفل بأطفالها في بلدان الهجرة ستتمكن من اللحاق بهم بطريقة أسهل "وهو أمر خاطئ وسبب أساسي في تنامي عدد القُصّر المهاجرين وخاصة غير المصحوبين بمرافقين".

بحسب رئيس الجمعية التونسية للدفاع عن حقوق الطفل فإن المشكل الاقتصادي والاجتماعي المتردي له دور في تنامي هذه الظاهرة إضافة إلى الانقطاع المبكر عن الدراسة في صفوف الأطفال "ما يجعلهم لا يملكون مشروعا في الحياة لعدم وجود آليات للتكفل بهم تمكنهم من تنمية قدراتهم للاندماج في المجتمع فأصبحوا يحلمون بكل ما هو خارج تونس".

كما أن الإحباط المنتشر في كامل البلاد واطّلاع الأطفال على نسبة البطالة المرتفعة الذي يعني انسداد أفق المستقبل، أمور ساهمت في انتشار الظاهرة، يضيف

ويلفت النظر إلى أن القُصّر هم "أول المستهلكين لوسائل التواصل الاجتماعي "التي كوّنت لديهم نظرة حول مفهوم النجاح ونمط العيش في البلدان الغربية المغري والقائم على الاستهلاك والأضواء وأجواء المدن والسيارات، مقارنة باليأس الذي يعيشونه في بلدهم وواقعهم الذي يعتبرونه جحيما ولا توجد إمكانيات إلا بمغادرته".

"تضييق على الحريات الفردية"

شدد معز الشريف على مساهمة مسألة الحريات الفردية في تنامي ظاهرة هجرة القصّر وقال إنها "تعرف تضييقا كبيرا في تونس خاصة بعد حدوث تطور كبير في نمط العيش، حيث تُعَدّ العائلة التونسية محافظة ومتشبثة بالعادات والتقاليد بينما يتوق شباب اليوم المطّلع على كل ما يجري في العالم لمزيد من الحريّات الفردية".

ويرى بأن الصعوبات التي يجدها الأطفال في ممارسة حريّاتهم تدفعهم للهجرة إلى الخارج بعد شعورهم بالضيق".

ويحمّل الشريف كافة المسؤولين السياسيين والدولة مسؤولية تنامي ظاهرة هجرة القُصّر "لأن الأزمات السياسية تفاقمت بعد الثورة ما نتج عنه أزمات اجتماعية واقتصادية، كما عمقت جائحة كورونا الظاهرة حيث سُلّطت عليهم عدة قرارات تسببت في تراجع كبير في أداء كل الخدمات العمومية الموجهة لهم تربوية أو صحية أو حماية".

وتحدث عن غياب رؤية واضحة لمستقبلهم "بسبب وجود فجوة كبيرة في تونس بين برنامجيْن اثنين، أول تقدمي منفتح على العالم كما هو أصل البلاد التونسية وثان محافظ باتجاه إيديولوجي مغاير سبّب هذه الذبذبة وغياب رؤية واضحة للخدمات التي يجب تقديمها للأطفال".

وبرأيه، فإن تونس بعد الاستقلال "كان لديها هدف واضح رغم الفقر المدقع والجهل المنتشريْن حينها إذ استثمرت الدولة في الصحة والتعليم وتحولت خلال 20 سنة إلى دولة تضم طبقة وسطى متكونة قدمت كمّا هائلا من الكفاءات الموجودة في البلاد".

يتابع، "أما بعد الثورة، فلا نملك مشروعا ورؤية واضحة لما ننتظره من أجيال المستقبل حتى ننطلق في فتح الطريق ولو تدريجيا ولكن في اتجاه صحيح وهناك تراجع في أداء كل المؤسسات وخيبة لدى الأطفال تجعلهم عرضة للاستقطاب من كل الأطراف".

بالنسبة للباحثة في علم الاجتماع، فإن العائلة التي فقدت دورها في التنشئة الاجتماعية والمجتمع والمحيط والمدرسة التي فقدت قيمتها التربوية والتعليمية مسؤولون عن تنامي الظاهرة.

كما للدولة وسياساتها ونظامها التعليمي دور "حيث لا يفتح هذا النظام أفاقا للأطفال والشباب الذين يعيشون تجارب أشقائهم وأقاربهم وأصدقائهم خريجي الجامعات العاطلين عن العمل فلا يريدون عيش المعاناة ذاتها"، تؤكد.

"ضرورة التغيير"

للحد من انتشار هذه الظاهرة، يرى الشريف أن من الضروري امتلاك الدولة رؤية وهدفا واضحيْن لما تريده في المستقبل المتوسط والبعيد المدى تلتف حولهما كل مؤسسات الدولة ومنظمات المجتمع المدني لتحسين الخدمات المقدمة للأطفال "لأن الترقيع المتعلق بالطفولة المبكرة أو المؤسسات التربوية لن يمكن من الوصول إلى الهدف المنشود".

أما نسرين بن بلقاسم، فتدعو إلى أهمية العمل على تغيير سياسات الدولة وأولها تغيير نظام التعليم وفتح آفاق العمل والإحاطة بالقُصّر وعائلاتهم الفقيرة خاصة في الأحياء الشعبية التي يتحمل أطفالها منذ صغرهم مسؤولية أسرهم فيعملون "ولا يجدون وقتا للدراسة وللحلم ويلجئون للحرقة".

كما تؤكد ضرورة تغيير العقلية القائمة على استغلال العائلة للأطفال "وهي حقيقة مؤلمة ولكنها واقع مُعاش للأسف للتمتع بفوائد حقوقهم في بلاد الاستقبال وكأن الأطفال يمثلون حماية وضمانا اجتماعيا لأسرهم هناك".

إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

Website by WhiteBeard