شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

ادعم/ ي الصحافة الحرّة!
هل سيدخل أبي الجنّة؟

هل سيدخل أبي الجنّة؟

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

مدونة نحن والخطاب الديني

الأحد 14 أبريل 202411:01 ص

في السجدة الثانية وأبي يؤمّنا، شردت أتساءل: "هل سيدخل الجنّة؟ هل ستشفع له صلاته تلك التي يؤديها على مضض في محاولة لإكمال صورة القدوة المثالية أمام أخوتي؟ هل ستشفع له عن كل الصلوات التي لم ولن يصليها؟ مرّ وقت طويل منذ آخر مرة فكرت أنني لن أرى أبي في الجنة، كنت حينها طفلاً ومسألة دخولي الجنة كانت محسومة أما هو…

أتذكر تلك المرة جيداً. بكيت بحرقة هلعاً: لن أرى أبي في الجنة، بل ولن أصلّي عليه حين يموت، و شرعاً لا يحلّ لأمي، ولا يجوز تقريباً أن يأكل معنا على نفس الطاولة ومن نفس الصحن، هكذا قال خطيب الجمعة، ومن المؤكد أنني حينها لم أفهم كلامه لكن خطابه المكرّر سمعته عدة مرات في سنين حياتي اللاحقة، ما سمح لي بإدراك ما قاله الخطيب حينها وقذف الرعب في قلبي.

حاولت أن أختبئ ببكائي المتشنج، لكن صوت نحيبي فضحني، فمرّ بي وقد انتشرت فيه كل علامات القلق. هرعت إلى حضنه وتوسلت إليه بكل الطرق أن يصلّي، حتى أراه في الجنة.

داعب السؤال المنسي فضولي، فلم أسأل نفسي من حينها هل سيدخل أبي الجنة أم لا، بل إنني لم أتساءل أبداً لماذا لا يصلي أبي من الأساس؟

تسللت إليه في زيارته الأسبوعية المعتادة، وانتهزت لحظة صفاء وسألته بدون مقدمات: "هو أنت ليه مش بتصلي؟ مش عايز تدخل الجنة؟"

 ربما كانت صدمة الطفولة بأنه لن يدخل الجنة، مع تلك الفجوة التي كانت تتسع بيننا مع الوقت، هي ما أغفلتني عن تلك التساؤلات، لكنني قرّرت إرضاء فضولي ومحاولة سؤاله، لا أعلم لماذا، فلم تكن من عادتي أن أتدخّل في حياة أحد الدينية، فلم تكن تعنيني، لكنه ليس أحداً. إنه أبي، وبصورة أو بأخرى يهمني أن يدخل الجنة، حتى وإن لم أكن أعترف بوجودها، لكنه هو -على الأقل- يفعل.

تسللت إليه في زيارته الأسبوعية المعتادة، وانتهزت لحظة صفاء وسألته بدون مقدمات: "هو أنت ليه مش بتصلي؟ مش عايز تدخل الجنة؟". توقعت أن تقتصر إجابته على الكسل والشيطان وأنه يحاول ونسأل الله الهداية والثبات، لكنني تفاجأت برد صادم محرج لم يكن من طرق أبي اللينة في الحديث، واجهني بـ كيف أجرؤ على سؤاله مثل هذا السؤال، كيف وأنا الذي أتغنى بأشعار الحرية المطلقة أن أتدخل في مثل شيء شخصي كهذا، أدركت حينها مدى فظاظة سؤالي وحاولت تلطيف الوضع  بشرح القصة من البداية وتذكيره بموقف الطفولة الذي لم يتذكره هو بدوره.

هدّأ شرحي وقصتي من روعه قليلاً، بل وأحسّ ما في نفسي من رغبة في إرضاء سؤال طُرح منذ طفولتي، و لأول مرة أسترجع ذكريات التي كان أبي فيها معلمي، فأخذ يسترسل تدريجياً في حديثه عن صلاته وعن علاقته بربنا، مخبراً إياي أنه لا ينكر وجوب الصلاة، لكنه لا يصدق ما يحوم حولها من تهويلات، وبرّر نسيانه لموقف هلعي من بعد الخطبة بأنه لم يعر كلام الخطيب هذا أي اهتمام، كيف لرب وضع احتمالية دخول الجنة لمن يشركوا به على لسان نبيه إبراهيم في قوله "ومن عصاني فإنك غفور رحيم"، قاصداً الآية 36 من سورة إبراهيم وقوله على لسان نبيه عيسى "وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم" مشيراً إلى الآية 118 من سورة المائدة.

أخبرني أن لا أحد يعلم شكل علاقته مع الله، ولكنه مدركها جيداً، وأن الله ليس أبيض أو أسود كما يصوره رجال الدين أو غيرهم من السلطويين الذين يخوّفون بالرب الجبار، ويطمئنون بالرب السلام، متبعين أهواءهم، إن الله ليس هذا أو ذاك إنما الله ما بينهما، ونحن عباده ولسنا عبادهم.

والله يعلم أنه يتقيه في كل فعل، فقد حاول جاهداً أن يعيش مسالماً، لا يظلم أحد، بالطبع ظلم هو لا ينكر خطاياه، لكنه حاول بكل الطرق أن يخرج من تلك الحياة محتفظاً بما يقوى عليه من براءة شوهتها الحياة، وهناك عبادات أهم من الصلاة، فعبادة الخير والاعتدال والصدق والأمانة أصعب في تنفيذهم من حركات ركوع وسجود يمارسها الكثير من الأفّاقين والغشاشين والنصابين و"ولاد الوسخة"، فليتهم يتركون عبادة الصلاة و يتمسكون بالعبادات الأخرى، لكنهم يصرّون على الإشهار بأن الصلاة أهم، صدقني لن تعنيني صلاتك وأنت تخدعني بل إنها حقاً تزيدني غيظاً.

وقد سبقني هو بالحديث والذي لا أعلم كيف أدرك أنني كنت سأتجه إليه، فأخذ يخبرني أن هؤلاء الذين يقولون إن الصلاة هي مناجاة بين العبد وربه، وأنها وسيلة هروب من صخب الحياة الدنيا، لم يكذبوا، ومن لنا غيره لنلجأ إليه، ولكن هل ستفرق مع الله كيف نناجيه؟ المسيحي يناجيه مشبكاً يديه ثم راسماً الصليب، واليهودي لا أعلم كيف لكن بالتأكيد له طريقته، حتى غير المؤمنين بالله، يناجون آلهتهم الأخرى بطرق مختلفة، وكل منا في النهاية يصل إلى نفس الحالة من السكينة، إذا يمكن اعتبار أن لي صلاة مختلفة عن صلاة البقية، لي طريقتي في الكلام مع الله، وهذا ما يميز علاقتي به.

أبي  لا يقتنع بمسألة أن النساء أكثر أهل النار وكل المُعدمين و"اللي طالع ميتين أبوهم"، لهم الجنة، يكفيهم الجحيم الذي يعيشون فيه الآن، لا يدخل اللهُ الناس الجحيم مرتين

أما بخصوص مسألة رغبته في دخوله الجنة، فأخبرني أنه سيدخل الجنة بل وأغلبنا سيدخلها وبالأخص كل المصريين، وأولنا المصريات، فهو لا يقتنع بمسألة أنهن أكثر أهل النار، وكل المُعدمين و"اللي طالع ميتين أبوهم"، لهم الجنة، يكفيهم الجحيم الذي يعيشون فيه الآن، لا يدخل اللهُ الناس الجحيم مرتين.

وقفت منبهراً مصدوماً من كلامه... لم أر هذا الجانب من أبي أبداً، لكن أفاقني سؤاله الذي نزل علي كالصاعقة: "وأنت مبتصليش ليه بقا؟"، توترت من سؤاله وأخذ عقلي يهلع مفتشاً عن إجابة وبعد ابتسامة بلهاء ارتسمت على وجهي عقبها بعد التهتهة، سارع إلى إنقاذي وهو يعلمني أنه غير مهتم، فحياة الناس الدينية لا تعنيه رغم أنه لا يتغنى بالحرية المطلقة، وتمنى لي  فقط أن يكون عندي إجابة لنفسي.

خجلت من نفسي وأنا لا أملك أي إجابة، فأنا حقاً لا أعلم لماذا لا أصلي، فعلاقتي مع الله متوترة قليلاً.

لا أنكر أنني حسدت أبي لأنه يعلم لماذا لا يصلي، ودعوت أما أن أصلي أو أعلم لماذا لا أصلي، فكل ما أريده أن اجتمع بأبي في الجنة، ولكن هل سأدخلها أنا؟

إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.



* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

بالوصول إلى الذين لا يتفقون/ ن معنا، تكمن قوّتنا الفعليّة

مبدأ التحرر من الأفكار التقليدية، يرتكز على إشراك الجميع في عملية صنع التغيير. وما من طريقةٍ أفضل لنشر هذه القيم غير أن نُظهر للناس كيف بإمكان الاحترام والتسامح والحرية والانفتاح، تحسين حياتهم/ نّ.

من هنا ينبثق رصيف22، من منبع المهمّات الصعبة وعدم المساومة على قيمنا.

Website by WhiteBeard