شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

انضمّ/ ي إلى ناسك!
ماذا لو... كان

ماذا لو... كان "المسحراتي" مسيحياً؟

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

حياة نحن والتنوّع

الاثنين 25 مارس 202403:20 م

"في أرض الله مشيت في أيامه الكريمة، رمضان حكاية حب بلياليه الرحيمة، شباب معلق فوانيس بكراريسه القديمة، وعيال جدعان على السكك تبل ريق صايم، ولا تعرف ده محمد ولا تعرف ده مينا"، هكذا يملأ صوت المسحراتي نمير عدلي الآفاق بكلمات من تأليفه، ليهرع كل من يسمعه إلى سحوره، استعداداً لليوم الآخر، يُستثنى فيه صاحب هذا الصوت الشجي من مشاركة من يوقظهم في الصيام لأنه مسيحي. مزيج من التعايش وانصهار المكونات على أرض المحروسة طالما تباهى به أهلها.

والسؤال الذي يطرح نفسه هنا: ما الذي يدفع مسيحياً إلى أن يجوب الطرق ليلاً مع "طبلة"، ينادي في المسلمين ويحثهم على السحور استعداداً لفرضهم الديني؟ وهو ما نحاول الإجابة عنه في هذه المادة.

أندرو مسحراتي يصنع الفوانيس

أكثر من 13 عاماً مرت على تولّي أندرو إبراهيم،  مهمة "أصغر وأول مسحراتية مصر الأقباط"، بعد أن بدأ ينادي على جيرانه المسلمين ليتناولوا السحور وهو بعمر السابعة تقريباً، وتدرجت معه هذه العادة في مختلف مراحل حياته إلى أن صار شاباً. علاوة على ذلك، يتقمص شخصية "بابا نويل"، ويمر على جيرانه يقدم لهم الفوانيس التي يصنعها وأسرته بمواد إعادة التدوير. 

في البداية، كانت جدته تشارك في صناعة زينة رمضان، ووالده في إعداد حقائب رمضان، ليفكر الطفل أندرو في طريقة جديدة للمشاركة في فعاليات شهر الصوم، موظفاً موهبته الفنية في التمثيل وتجسيد الشخصيات وابتكار الأشياء. 

"التعاليم المسيحية كانت المدخل الحقيقي الذي دفعني للقيام بشخصية المسحراتي. أقوم بهذا من باب الخدمة التي يحث عليها الدين المسيحي، ويعظ بها الآباء في الكنيسة، والتي تشمل الناس كلهم مسلمين أو مسيحيين، للتقرب إلى الله بإدخال السرور والبهجة"... أن يكون المسحراتي "مسيحياً" في مصر

يوضح أندرو لرصيف22 أنه بدأ بصناعة الفوانيس اليدوية وتوزيعها، ثم تطورت الفكرة ليقوم بتوزيع تلك الهدايا بشخصية المسحراتي، مشيراً إلى أن "التعاليم المسيحية كانت المدخل الحقيقي الذي دفعني للقيام بشخصية المسحراتي. أقوم بهذا من باب الخدمة التي يحث عليها الدين المسيحي، ويعظ بها الآباء في الكنيسة، والتي تشمل الناس كلها سواء مسلمين أو مسيحيين، للتقرب إلى الله بإدخال السرور والبهجة".

مع بداية شهر شعبان، يعكف أندرو على تجهيز هدايا رمضان، وخاصة الفوانيس والسبحات وعربات الفول الصغيرة، في عملية إعادة تدوير صديقة للبيئة، باستخدام زجاجات المياه وصناديق الرنجة والكراتين. ويحرص على التغيير والتطوير في أشكال الهدايا التي يقدمها للأطفال في كل سنة. هذا العام، قام أندرو بصناعة الفوانيس من بقايا الجلد والقطيفة وقماش الخيامية، قبل أن يكتب عليها رسائل "خاصة" لكل شخص تصله هدية، مثلاً: "جدو محمود"، "عمو مصطفى".

تتنوع أنشطة أندرو طوال شهر رمضان، منها تنظيم إفطار جماعي على سطح العمارة، وتعليق زينة رمضان في المنطقة، وتوزيع فوانيس داخل جامعته. فكل يوم في رمضان له أحداث. وهو يصطحب طبلته ويرتدي جلبابه يوم واحد في رمضان ويتجول في شوارع سيدي بشر بالاسكندرية لتوزيع الهدايا. كما يطوع بإيصال اثنين من المكفوفين لصلاة التراويح وانتظارهم لمساعدتهم في رحلة العودة للمنزل.

عادةً، ينزل أندرو بعد صلاة التراويح مترقباً خروج المصلين من المسجد لتوزيع الهدايا على أكبر عدد منهم، منادياً "إصحى يا نايم"، متبوعة بأسماء الأفراد واحداً تلو الأخر. 

يصف أندرو رد فعل الأهالي بأنهم يحبون ما يقدمه ويكونوا سعداء، والدليل على ذلك أنه عندما غاب في سنة كورونا تضايق الناس وطرقوا بابه وسألوه عن سبب عدم نزوله، مؤكدين له "مش حاسّين برمضان بدونك". وعلى الجانب المسيحي، تم كريم أندرو أثناء الإفطار الجماعي الذي تقيمه مدرسة نوتردام ولقّبه الكهنة والشيوخ بـ"المسحراتي أندرو". بل وداخل جدران الكنيسة، كان الأب الكاهن يلاطفه ويناديه "يا مسحراتي". مع ذلك، يتلقى أندرو بعض الانتقادات والسخرية عبر الإنترنت، رغم أن وسائل الإعلام عرفت أندرو منذ 4 سنوات فقط. 

نمير على خطى سيد مكاوي

"بسم الهادي أنده وأنادي  على أهلي وناسي، وأقول بصوتي يا فرحة فوتي على كل طفل نايم جعان"، بهذه الكلمات يشق نمير عدلي (56 عاماً) هدوء ليل شوارع مدينة المحلة الكبرى بمحافظة الغربية (شمال مصر) مرتدياً جلباباً وعِمّة، وممسكاً بطبلة. عدلي هو أيضاً تاجر وصاحب محل، ومخرج مسرحي، يدرب فريق من ذوي الهمم.

لا يكتفون بإيقاظ المسلمين للسحور، ويوزّعون عليهم التمور والفوانيس أحياناً، ويقود أحدهم مكفوفين لصلاة التراويح… تعرفوا على قصص أندرو ونمير وكاتي والعم ويليام، مسحراتية مصر المسيحيين

يروي نمير، لرصيف22، أن طفولته شكلتها أجواء شهر رمضان بما في ذلك طقس تحويل الكراريس القديمة إلى زينة للشوارع والمنازل، وانتظار أذان الفجر ليلعب الكرة مع أصدقائه بعد صلاته أمام المسجد. كما لا ينسى "العم قدارة"، المسحراتي ذا الصوت الأجش، والست أنصاف التي كانت تملأ أصوات طبلتها - وهي عبارة عن صفيحة وجلده - الشوارع ليلاً، بينما يسير خلفهما هو وأقرانه.

يوضح نمير أن قيامه بدور المسحراتي يهدف إلى "إزالة التراب الموجود على الجوهرة… مصالحة المجتمع بعضه مع بعض ومواجهة التشدد الوافد من الخارج حيث أصبحت فكرة: 'هذا مسيحي، لا تصاحبه' موجودة في بعض الأماكن"، ما يعتبره "أمور دخيلة على مجتمعنا، وهجمة مرتدة من الوافدين من مجتمعات متشددة ومنغلقة".

كانت بداية تكوين شخصية المسحراتي لدى نمير مقاربة لعروض المولد النبوي، وإحياء ليالي رمضان، مع المزج بين الإنشادين المسيحي والإسلامي في قصر ثقافة المحلة. وانطلق في أداء عمل المسحراتي عندما اقترحت إحدى قريباته أن يوزّع الفوانيس داخل المدينة، وتقوم هي بتصويره. لاحقاً تكرر قيامه شخصية المسحراتي.

استلهم نمير زيّ المسحراتي الذي يرتديه - العمة والسبحتان - من المسرح، واشترى الطبلة التي تلازمه منذ 7 سنوات لهذا الغرض. يقول إن شعوره بالخجل دفعه إلى الابتعاد عن منطقة سكنه في البداية ليعود رويداً رويداً لتسحير جيرانه متقمصاً نمط الفنان الراحل سيد مكاوي في دور المسحراتي، فيردد: "المشي طاب لي والدق على طبلي، حبيت ودبيت كما العاشق ليالي طوال".

تطور الأمر إلى تأليفه أنشودة ينسج فيها الأسماء بصيغة قافية موزونة. ويستكمل مسيره ببعض الأغاني الرمضانية مثل: وحوي يا وحوي، ورمضان في مصر حاجة ثانية. يضيف نمير أنه حاول تغيير الصورة النمطية للمسحراتي، كشخص من فقير يسعى لما يجود به أهل الشارع نهاية الشهر.

يستدرك نمير بأنه كان يخشى رد فعل الناس. لكنه وجد الترحيب والسعادة بما يقوم به من المسلمين ومن أسرته وأصدقاءه المسيحيين. مع ذلك، ينزعج التعليقات السلبية على السوشيال ميديا، على غرار: "ده هيلف آخر الشهر ياخد كحك هو كمان" و"واحد جديد من المختلين".

كاتي تستبدل بدلة الغطس بجلباب أبيض

"إصحى يا نايم وحد الدايم"، كلمات ينتظرها سكان مدينة دهب الساحلية بصوت أنثوي عذب، ينطلق من حنجرة مدربة غطس شابة مسيحية تسمى كاتي حلمي، ليوقظهم لوجبة السحور.

اقتحمت الغطاسة كاتي مغامرة القيام بدور المسحراتي، منذ ثلاثة سنوات، عندما قامت بذلك لتقديم التهنئة لأصدقائها بقدوم شهر رمضان بطريقتها الخاصة، وأعرب أصدقاؤها عن سعادتهم بذلك إذ تخلو المدينة السياحية من المسحراتي. 

تقول كاتي لرصيف22 إنها تتذكر جيداً اليوم الأول كمسحراتية حيث ارتدت الجلباب الأبيض وحملت في يدها الطبلة، ليصبح الزي المميز لها في ليالي رمضان، وقامت بالنداء على أصدقائها فرداً فرداً توقظهم وتقدم لهم الحلوى التي استبدلتها لاحقاً بالفوانيس الصغيرة التي توزعها على الأطفال. 

فوجئت كاتي برد فعل سكان المدينة المرحب بدورها، والذي أصبح يطالبها كل عام ألّا تنسى إيقاظه في ليالي رمضان، وتعدى التشجيع  الجانب المعنوي حيث بادر البعض بإهدائها بلح الشام والقطايف، وشجعتها أسرتها وأصدقائها المسيحيين على ما تقوم به. 

على الرغم من ردود الفعل الإيجابية وتشجيع الأهل والجيران، يتلقى مسحراتية مصر المسيحيون تعليقات سلبية عبر الإنترنت تشكك في نواياهم وفي عقيدتهم أحياناً. لماذا برأيكم/ن؟

ولا تخشى كاتي التجول وسط شوارع دهب وقت السحور، لأنها مدينة لا تنام. كما تتمتع بدرجة عالية من الأمان، وتكتفي في مهمتها كمسحراتية بالنداء: "إصحى يا نايم وحد الدايم"، مع ذكر أسماء من تعرفهم بالاسم. العام الماضي، بادرت كاتي بإقامة سحور جماعي في رمضان واستعارت "قدرة فول" لتزين المائدة.

هذا العام، حرصت كاتي على المزج بين الجنسين والدينين، فاستعانت بزميل مسلم هو أحمد العسكري، ليشكلا معاً فريقاً، مشيرةً إلى أن الفكرة جاءت بالصدفة عندما تحدثت مع أحمد عن رغبتها في توزيع التمر على الصائمين فطلب مشاركتها في عملها الرمضاني.

وتعدى التشجيع أهل المدينة إلى السائحين الذين يوقفونها لالتقاط الصور معها. علماً أن كاتي تفصل بين عملها الصباحي كغطاسة ومهمتها المسائية كمسحراتية إذ تمنع قواعد العمل في السياحة في مصر من التحدث مع السائحين عن السياسة أو الدين. مع ذلك، تصل كاتي تعليقات سلبية عبر حساباتها على مواقع التواصل الاجتماعي، من بينها: "ماشية بتوحدي الدائم وإنتي مش بتوحديه في دينك" و"مهما فعلت لن يتقبل الله منك".

ويليام مسحراتي الصعيد

خلال السنوات الثلاث الماضية، اشتُهرت قرية المدمر في محافظة سوهاج (جنوب مصر) بوجود مسحراتي قبطي يدعى "ويليام" الذي اختفى هذا العام وسط تساؤلات عن السبب.  يقول الصحافي مظهر السقطي، جار ويليام إن الرجل رغم حالته المادية الصعبة كان يرفض الحصول على أي مقابل مادي لعمله كمسحراتي.

يضيف مظهر لرصيف22 أن عم ويليام لم يكن يعتبر رمضان شهراً مخصصاً للمسلمين فقط وأن فرحته يجب أن يشارك فيها الجميع، مبيناً أن أجواء الصعيد وعاداته التي تقضي بتوزيع واقتسام الحلوى والقطايف ساهمت في ترسيخ هذه الفكرة لديه.

محاولة للاندماج؟

وبحسب أستاذ علم الاجتماع السياسي في الجامعة الأمريكية، محمد سعيد، فإن "ظاهرة المسحراتية المسيحيين وجه لسلوك الأقليات في أي دولة لأن أي أقلية ترغب في أن يتم إدماجها ولا يتم استبعادها، بل من أعضاء هذه الأقليات من ينضم لأحزاب الأغلبية حتى ولو كانت أحزاب دينية، على سبيل المثال يوجد مسيحيون انضموا لحزب الحرية والعدالة".

"رمضان في مصر هو حالة مصرية قلّما تجد مثيلها في دول الجوار رغم وجود قواسم مشتركة".

ويقول سعيد لرصيف22: "إن محاولات بعض المسيحيين الاندماج في المجتمع وصلت في بعض الأحيان، في الصعيد، إلى قيام بعضهم بتعليم الأطفال المسلمين القرآن"، مبرزاً أن هذا يحدث في كل دول العالم. ضرب مثالاً لذلك بالعراق حيث ينخرط مسلمون سنّة في إحياء ذكرى عاشوراء وإقامة الموائد للزوار.

يفسر أستاذ علم الاجتماع السياسي أن المسحراتية المسيحيين ربما يرغبون في أن يصبحوا جزءاً من المجتمع، ويستخدموا هذا الفعل كنوع من المجاملات، وكرد فعل على سلوك المتطرفين الذين يطالبون بعدم تهنئة المسيحيين في أعيادهم وغيرها من المواقف المتزمتة"، مشدداً "هذا الفعل يعمل على حماية وحدة النسيج المجتمعي، وكسر حدة العداء عند بعض المتطرفين" سيّما في "المدن المختلطة".

في الأثناء، يرى صموئيل العشاي، مؤسس مبادرة الدفاع عن الأزهر والكنيسة، أن ظهور مسحراتية مسيحيين هي عملية تضامن ومشاركة من هؤلاء الأشخاص مع إخوتهم المسلمين في أجواء رمضان، مبيناً أن "رمضان في مصر هو حالة مصرية قلّما تجد مثيلها في دول الجوار رغم وجود قواسم مشتركة".

ويؤكد صموئيل لرصيف22 أن رمضان يتمتع بالكثير من الخصوصية بدءاً من المشاركة في إعداد الزينة إلى المسحراتي والفوانيس والمدفع، وطبيعي أن يشارك المسيحيون في تلك البهجة التي يشعر بها كل المصريين على اختلاف دياناتهم ومذاهبهم.

إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

قد لا توافق على كل كلمة ننشرها…

لكن رصيف22، هو صوت الشعوب المضطهدة، وصوت الشجعان والمغامرين. لا نخاف من كشف الحقيقة، مهما كانت قبيحةً، أو قاسيةً، أو غير مريحة. ليست لدينا أي أجندات سياسية أو اقتصادية. نحن هنا لنكون صوتكم الحرّ.

قد لا توافق على كل كلمة ننشرها، ولكنك بضمّك صوتك إلينا، ستكون جزءاً من التغيير الذي ترغب في رؤيته في العالم.

في "ناس رصيف"، لن تستمتع بموقعنا من دون إعلانات فحسب، بل سيكون لصوتك ورأيك الأولوية في فعالياتنا، وفي ورش العمل التي ننظمها، وفي النقاشات مع فريق التحرير، وستتمكن من المساهمة في تشكيل رؤيتنا للتغيير ومهمتنا لتحدّي الوضع الحالي.

شاركنا رحلتنا من خلال انضمامك إلى "ناسنا"، لنواجه الرقابة والترهيب السياسي والديني والمجتمعي، ونخوض في القضايا التي لا يجرؤ أحد على الخوض فيها.

Website by WhiteBeard