شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

قدّم/ ي دعمك!
تقديم انتخابات الرئاسة الجزائرية… آخر أيام تبون في

تقديم انتخابات الرئاسة الجزائرية… آخر أيام تبون في "المرادية" أم عهدة ثانية؟

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

سياسة نحن والحريات العامة

الاثنين 25 مارس 202411:25 ص

فوجئ الشارع الجزائري من الخطوة التي قام بها الرئيس عبد المجيد تبون (78 عاماً) أخيراً بإعلانه إجراء انتخابات رئاسية مسبقة في السابع من أيلول/ سبتمبر 2024 مع استدعاء الهيئة الناخبة في الثامن من حزيران/ يونيو المقبل. أحدث القرار جدلاً حاداً وموجة من التكهنات بين الجزائريين، في ظل عدم إفصاح تبون عن أسباب التقديم وعن نيته الترشح من عدمه.
جاء الإعلان عقب اجتماع ترأسه تبون، الخميس 21 أذار/ مارس الجاري، بحضور كبار مسؤولي الدولة، يتقدمهم رئيس أركان الجيش ورئيسا غرفتي البرلمان ورئيس المحكمة الدستورية، إضافة إلى رئيس الوزراء، ورئيس السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات.
ويعتبر تقديم الانتخابات من صلاحيات الرئيس التي يمنحها له الدستور في مادته الـ91. لكن في الوقت نفسه، تقابله العديد من القوانين بما فيها قانون الانتخابات في المادة 245 التي تنص على أن "تُجرى الانتخابات الرئاسية في ظرف الثلاثين يوماً السابقة لانقضاء عهدة رئيس الجمهورية". كما تنص المادة 94 من الدستور على أن تقديم الانتخابات مرتبط بثلاثة أسباب هي: استقالة الرئيس، وجود مانع أو عجز صحي، إضافة إلى حالة وفاة للرئيس.
تضارب الأخبار وعدم وضوح الرؤية فتحا الباب أمام التأويلات والاحتمالات حول أسباب قرار التقديم الذي لم يكن في حسبان الجزائريين والجزائريات خاصة مع رواج تكهنات في تقارير صحافية الدولية أن الحدث المهم في البلاد سيتم تأجيله. وهو ما نفته وكالة الأنباء الجزائرية الرسمية نهاية الشهر الماضي، مشددةً "الانتخابات ستجري في موعدها المحدد دستورياً". 
والسؤال الملح هنا: ما الذي جعل تبون يقدم انتخابات بثلاثة أشهر عن موعدها المحدد ويقلص من عهدته الرئاسية؟ وهل يعتبر القرار تمهيداً لمغادرته المنصب؟ أم هي مجرد ترتيبات داخلية تهدف ربما لتجهيزه لعهدة ثانية وإرباك خصومه السياسيين؟ 

ما الذي جعل الرئيس عبد المجيد تبون يقدم انتخابات الرئاسة الجزائرية ثلاثة أشهر عن موعدها المحدد ويقلص من فترة حكمه؟ وهل يعتبر القرار تمهيداً لمغادرته المنصب أم هو مجرد ترتيبات داخلية تهدف ربما لتجهيزه لعهدة ثانية وإرباك خصومه السياسيين؟

هل يغادر تبون الحكم؟

أعاد ما قام به الرئيس تبون لأذهان الجزائريين قرار الرئيس اليمين زروال في 11 أيلول/ سبتمبر 1998 حين أعلن عن تقليص عهدته وعدم الترشح لعهدة جديدة في خطابه الشهير الذي قال فيه إنه لن يترشح من جديد بحجة "فسح المجال للتداول". لكن الفارق اليوم أن تبون لم يصرّح بعدم ترشحه لعهدة ثانية.
عدم إفصاح تبون عن موقفه من الانتخابات الوشيكة فتح الباب أمام إمكانية مغادرته الرئاسة خاصة أن الفترة الزمنية بين الموعد العادي للانتخابات والموعد المبكر ليست طويلة. ويرى مراقبون للوضع السياسي في البلاد أن تبون ربما لن يترشح بسبب مجموعة من العوامل منها تراجع دور الجزائر إقليمياً، خاصة بعد إنهاء مالي اتفاقية السلام مع الجزائر التي تم توقيعها سنة 2015. بالإضافة إلى توتر العلاقات الدبلوماسية في عهده مع دول عدة في مقدمتها فرنسا، وإسبانيا، والمغرب والإمارات لا يقل أهمية عن هذه العوامل وضع الرئيس الصحي والتبعات المستمرة لإصابته بفيروس كورونا عام 2020.
وعليه، يذهب البعض أبعد باعتبار قرار تقديم الانتخابات "غير المألوف" بمنزلة استقالة. من هؤلاء الصحافي حميد غمراسة الذي علّق على القرار بقوله: "تبون في حكم رئيس مستقيل من الناحية الدستورية لأنه أعلن عن تقليص عهدته".
مع ذلك، تبقى نية الترشح عند الرئيس تبون غير واضحة المعالم حيث سبق وأن صرّح في حوار مع جريدة لوبوان الفرنسية عام 2021 بأنه ليس بحاجة لعهدة ثانية، ليعود سنة 2023 - أثناء خطابه في البرلمان الجزائري خلال عرض بيان السياسة العامة للحكومة - للحديث عن إمكانية ترشحه قائلاً إن الشعب هو من يقرر، وإنه قد يترشح إذا سمحت له الصحة بذلك. 
وتساءل رواد مواقع التواصل الاجتماعي عن هذا الحدث الطارئ الذي دفع الرئيس لتقديم الانتخابات وعن مبررات القرار خاصة أن تقديم الانتخابات غالباً له دلالات تصب نحو التخلي عن السلطة. وهو ما يراه القاضي السابق والمحامي عبد الله هبول، وفق تصريحه لرصيف22، بأن قرار تقديم موعد الانتخابات الذي لا يشكّل مخالفة للدستور في ظاهره إلا أنه "بالنظر إلى غياب الأسباب والدوافع الحقيقية، فإن القرار محاولة للخروج من أزمة تعيشها السلطة حالياً برأيي".
أعاد ما قام به الرئيس تبون لأذهان الجزائريين قرار الرئيس اليمين زروال في 11 أيلول/ سبتمبر 1998 حين أعلن تقليص عهدته وعدم الترشح لعهدة جديدة في خطابه الشهير الذي قال فيه إنه لن يترشح لأجل "فسح المجال لتداول السلطة". لكن الفارق أن تبون لم يصرّح بعدم ترشحه لعهدة ثانية

تقليص العهدة الأولى ضرورة تكتيكية؟ 

في ظل الغموض الذي يكتنف القرار، خرجت وكالة الأنباء الجزائرية الرسمية تشرح أسباب التقديم قائلة إنها "ضرورة" لأجل "إرباك الخصوم"، مستدركةً "يبدو أن الإعلان عن تقديم تاريخ تنظيم الانتخابات الرئاسية إلى شهر سبتمبر 2024 قد فاجأ الكثيرين إذ أثار رئيس الجمهورية ضمن حرصه على الشفافية، ارتباك خصومه ونوعاً ما حلفائه بهذا الإعلان الذي يبدو حاداً في الشكل، ولكنه متماسك في المضمون، فمن يتحكم في التوقيت يتحكم في الوضع".
وأرجعت الوكالة أيضاً سبب التقديم إلى رغبة الرئاسة في العودة إلى "الوضع الطبيعي" وإلى الرزنامة الانتخابية الجزائرية التي غالباً ما تكون في شهر نيسان/ أبريل بعدما "غيرت أحداث 2019 والانتخابات الرئاسية المؤجلة من تموز/ يوليو 2019 إلى تلك المنظمة في عجالة في كانون الأول/ ديسمبر 2019، الرزنامة الانتخابية الجزائرية، وأحدثت اضطراباً في التقاليد المعمول بها بسبب الأحداث السياسية الاستثنائية من حيث خطورتها".
يتفق عدد من المراقبين للوضع في الجزائر مع ما جاءت به وكالة الأنباء. يقول الصحافي والكاتب عثمان لحياني لرصيف22: "تقديم موعد الانتخابات مرتبطة بشقين، الأول تقني من حيث الرغبة في العودة إلى الزمن الانتخابي المناسب، بسبب طبيعة شهر ديسمبر المناخية الباردة، وقصر أيامه وهي عوامل لا تساعد على توجه الناخبين إلى مراكز الاقتراع".
أما الشق الثاني، بحسب لحياني، فهو سياسي بالأساس، وهو رغبة السلطة في حسم الاستحقاق الانتخابي في وقت أبكر، بسبب متغيرات محتملة ومعقدة إقليمياً ودولياً. 
وعبر مواقع التواصل الاجتماعي، علّق كثيرون على القرار بالإشارة إلى بيان رئاسة الجمهورية الذي سبقه بأسبوع وأُعلن فيه عن زيارة الرئيس تبون إلى فرنسا نهاية شهر أيلول/ سبتمبر 2024، معتبرين ذلك "دليلاً على نية الرئيس في الترشح وأن اللعبة مغلقة".

المعارضة الجزائرية… كيف ترى القرار؟

بقدر ما فاجأ القرار المواطنين، وضع المعارضة السياسية في الجزائر في وضع حرج خاصة أن الوقت ليس لمصلحتها إذ لم يعلن أي حزب مرشّحه للرئاسة بعد سوى حزب الاتحاد من أجل التغيير والرقي. في حين أن السباق إلى قصر المرادية يتطلب برنامجاً انتخابياً معداً سلفاً وجمعاً للتوقيعات وحملة انتخابية قوية.
في هذا الصدد، يقول الناشط الحقوقي سعيد الزاهي، لرصيف22، إن المادة 91 من الدستور، فقرة 11، تسمح للرئيس بإجراء انتخابات مسبقة لكن هذا التطبيق يجب أن يكون مبرراً وأن يُعلِم الطبقة السياسية مسبقاً ويعطيها الوقت الكافي للتحضير للاستحقاق لأنه لا يمكن أن تضمن الانتخابات بهذه الطريقة تكافؤ الفرص بين المرشحين". 
بقدر ما فاجأ القرار المواطنين، وضع المعارضة السياسية في الجزائر في وضع حرج خاصة أن الوقت ليس لمصلحتها إذ لم يعلن أي حزب مرشّحه للرئاسة بعد سوى حزب الاتحاد من أجل التغيير والرقي في حين أن السباق إلى قصر المرادية يتطلب استعدادات كبيرة. وهذا ما دفع أحد الناشطين إلى وصف القرار بأنه "عمل غير أخلاقي وفيه استغلال لمنصب الرئيس وإقصاء لباقي المرشحين"

يعتبر الزاهي الإعلان بهذه الطريقة دون أي استشارة مسبقة و إعلام مسبق عملاً غير أخلاقي، تصبح معه الانتخابات الرئاسية المرتقبة "دون أي معنى" بل مجرد استحقاق شكلي. يضيف: "الإعلان بهذه الطريقة المباشرة للخصم السياسي هو عمل غير أخلاقي وفيه استغلال لمنصب الرئيس وإقصاء لباقي المرشحين. وهو ما ذهب إليه أيضاً بيان وكالة الأنباء الجزائرية بالإشارة إلى أن من يتحكم في الوقت يتحكم في الوضع".
من جهتها، تساءلت زبيدة عسول، أول شخصية سياسية في البلاد تعلن ترشحها للاستحقاق الرئاسي 2024: هل يستقيم سياسياً الحديث عن انتخابات مسبقة قبل 3 أشهر من الاقتراع؟ وأضافت رئيسة حزب الاتحاد من أجل التغيير والرقي، في منشور على صفحتها الرسمية في فيسبوك: "من حق الشعب معرفة الدوافع والمبررات الحقيقية لهذا القرار".
أما رئيس حزب جيل جديد، جيلالي سفيان، فقال في لقاء تلفزيوني إن عهدة الرئيس انتهت، وإنقاص 3 أشهر من 5 سنوات لن يضيف أو ينقص شيئاً، متابعاً "لم نفهم جدوى هذا القرار رغم أنه دستوري. من السابق لأوانه الحديث عن تداعيات هذا القرار، لنرى كيف سيتعامل الرئيس مع الظروف وهل سيترشح لعهدة ثانية أم لا".
وعلّق حزب التحالف الوطني الجمهوري على قرار التبكير بالانتخابات قائلاً إنه تجب "مرافقة هذا القرار بأقصى درجات الشفافية الممكنة من أجل شرح وتوضيح مبرّراته ودوافعه للرأي العام، وذلك تفادياً لتعريض المواطنين إلى التأويلات المغلوطة واستقصاء المعلومات من مصادر غير موثوقة أو مشبوهة لا سيما من خارج الوطن".
إعلان تقديم الانتخابات شهد نشاط بعض الأحزاب حركية إذ شرع حزب حركة البناء الوطني في التحضير للانتخابات في إشارة إلى قرب إعلان مرشحه في سباق الرئاسة.
وبينما تبقى الساحة الوطنية في حالة من الترقب والانتظار لنتائج هذا القرار، من المؤكد أن اقتراع أيلول/ سبتمبر 2024 سيكون هاماً باعتباره الأول منذ وصول الرئيس تبون إلى الحكم في 2019، بعد فوزه في انتخابات شهدت نسبة مشاركة ضعيفة عقب الحراك الشعبي الذي أدى إلى تنحي سلفه، الراحل عبد العزيز بوتفليقة.

إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

شكل حياتنا اليومية سيتغيّر، وتفاصيل ما نعيشه كل يوم ستختلف، لو كنّا لا نساوم على قضايا الحريات. "ثقافة المساومة" هذه هي ما يساعد الحكام على حرماننا من حريات وحقوق كثيرة، ولذلك نرفضها، ونكرّس يومياً جهوداً للتعبير عن رفضنا لها، والدعوة إلى التكاتف لانتزاع ما لنا من قبضة المتسلّطين. لا تكونوا مجرد زوّار عاديين، وانزلوا عن الرصيف معنا، بل قودوا مسيرتنا/ رحلتنا في إحداث الفرق. اكتبوا قصصكم. أخبرونا بالذي يفوتنا. غيّروا، ولا تتأقلموا.

Website by WhiteBeard