شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

ادعم/ ي الصحافة الحرّة!
الحرب على غزة... النقاش الأخلاقي في مواجهة النقاش السياسي

الحرب على غزة... النقاش الأخلاقي في مواجهة النقاش السياسي

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

رأي نحن والمشرّدون

الجمعة 15 مارس 202406:40 ص

دخلت الحرب الإسرائيلية على الشعب الفلسطيني في قطاع غزة شهرها السادس، وما زال النقاش حولها نقاشاً أخلاقياً لا سياسياً. في النقاش الأخلاقي، لا يمكن الوصول إلى نتيجة حاسمة لصالح إحدى وجهتي النظر المختلفتين، بل يمكن الوصول إلى توافقية معينة، بتنازلات مدروسة ومشتركة من الطرفين المختلفين. هذه التوافقية يتم الإعلان عنها أيضاً بجملة استنتاجية متفق عليها ضمناً قبل خوض النقاش. هذه الجملة الاستنتاجية، أو المعروفة سلفاً وإن كانت غير منطوقة من قبل الطرفين، هي ما يتم تسميته بالموقف.

وفي أحسن الأحوال، يتفق طرفا النقاش على أن مواقفهما متشابهة أو متطابقة حول قضية ما. أما في أسوئها، فإن لكل طرف الحق الكامل في الاحتفاظ بموقفه، وما يتبع ذلك من كيل الاتهامات المنوّعة للموقف المخالف، وهي اتهامات لا بد أن تكون أخلاقيةً أيضاً.

حين تخوض المجتمعات ونخبها نقاشاً أخلاقياً حول حدث ما، فإن الغاية هي البحث عن الإجماع. وعندما يتحقق هذا الإجماع، فإن أي مخالفة له يتم وصفها بأبشع الأوصاف، ويتم نبذ صاحبها وإخراجه من الصف الوطني. وحين يزداد عدد الخارجين عن هذا الإجماع فإنهم يسعون إلى تشكيل إجماع آخر بالضرورة، وهذا هو بالضبط ما حصل عندنا في الحرب الراهنة على غزة

النقاش الأخلاقي لا يجري خوضه حول الحدث المعيّن فحسب، بل يتجاوزه ليطال النوايا كذلك، إذ لا يكتفي المتحدث بالرد على ما قاله غريمه، بل يتخطى القول ليدخل في تحديد المقاصد والنوايا. وفي هذه الحالة لا يكتفي الطرفان بما قاله كل منهما بل يقوّلان بعضهما ما يسهّل لكل طرف الرد على ما يراه هو، لا على ما يسمعه. أقصد أن كل طرف يختار من مرافعة غريمه جملةً معينةً، ويستنتج منها موقفاً متكاملاً، ثم يبدأ بالرد على ما استنتجه هو، وليس على ما قاله الغريم.

إذاً، الموقف هو المعيار وهو الغاية لأي نقاش أخلاقي. وما يفرزه هكذا نقاش لا يتعدى الاتفاق بين الطرفين على أن إسرائيل كيان مجرم تجب إدانته، أو أن أمريكا هي رأس الحية، وكأن وظيفة النقاش هي الوصول إلى ما يعرفه أي مطّلع أو أي جاهل على حد سواء. أما الوظيفة الثانية لنقاش من هذا النوع، فهي الاطمئنان إلى أن صاحب الموقف المعني على حق، وتالياً الركون إلى هذا الاطمئنان وعدّه مؤشراً على أن الأمور بخير ولا يلزمها إلا القليل من الصبر والقليل من الحظ.

أما النقاش السياسي، فيخوض في الرؤى وليس في المواقف، أي في الذي علينا فعله لنهزم هذا الكيان المجرم، أو في رؤيتنا تجاه أمريكا رأس الحية. ولكي نستطيع أن نحدد رؤيةً ما تجاه أي قضية أو حدث، لا بد من امتلاك معرفة كافية بهذه القضية أو الحدث، إذ لا تكفي الرغبة وحدها ولا الأمنيات وحدها. وفوق هذه المعرفة، يجب علينا امتلاك عقل نقدي قادر على تفكيك الأحداث وإعادة ربطها، ومن ثم إخضاعها للبرهان، والقيام بهذه العملية مرات ومرات دون ملل أو يأس.

أما ما يوازي كل ما سبق في الأهمية فهي القدرة والجرأة على نقد الذات دون مجاملة ودون خجل أو خوف، والاعتراف بالخطأ حين يكون خطأً، وتقييمه من أجل تصحيحه بما يفيد قضيتنا المعنية، لا أن نصرّ عليه بحجة أن هذا يفيد العدو مثلاً، أو أنه يعرّضنا للمساءلة أمام جمهورنا، أو أن الوقت غير ملائم لذلك.

يُطلَق على النقاش السياسي في الفلسفة الغربية مصطلح النقد السياسي، وهو يختص بتناول شؤون الحكم والحاكم، ويخوض في مبرر وجود الأحزاب السياسية وبرامجها، وفي العلاقة بين الحاكم والمحكوم، وبين الدولة والمجتمع، وأخيراً بين المرشح والناخب. وكل ذلك يعزز قيمة النقد ويكرس حرية التعبير ويثبّت الديمقراطية.

هذا التعريف للنقاش السياسي يخص وقت السلم ووقت بناء الدول، أما حين يتعلق الأمر بالحروب فهو يخوض في الأرقام الخاصة بالمنجزات وتلك المتعلقة بالخسائر. وهو لا يقف بالضرورة عند اللحظة الراهنة لمرحلة من مراحل الحرب، بل يتعداها ليستشرف القادم، وذلك بناءً على المعطيات الميدانية لدى الذات ولدى العدو.

حين تخوض المجتمعات ونخبها نقاشاً أخلاقياً حول حدث ما، فإن الغاية هي البحث عن الإجماع. وعندما يتحقق هذا الإجماع، فإن أي مخالفة له يتم وصفها بأبشع الأوصاف، ويتم نبذ صاحبها وإخراجه من الصف الوطني. وحين يزداد عدد الخارجين عن هذا الإجماع فإنهم يسعون إلى تشكيل إجماع آخر بالضرورة، وهذا هو بالضبط ما حصل عندنا في الحرب الأخيرة، ودون إغفال أن ما حصل تم التأسيس له طويلاً قبل الحرب.

لدينا فصيلان أساسيان في الساحة الفلسطينية، لم يحدث أن خاضا نقاشاً سياسياً حقيقياً طوال فترة تحكّمهما بمفاصل المجتمع وحركته الوطنية. لكل فصيل من الفصيلين منظومة نقاشاته الأخلاقية القائمة على الخطاب وتدبيج المواقف، لا على الرؤى وتجييرها لتحقيق الإنجازات.

لدينا فصيلان أساسيان في الساحة الفلسطينية، لم يحدث أن خاضا نقاشاً سياسياً حقيقياً طوال فترة تحكّمهما بمفاصل المجتمع وحركته الوطنية. لكل فصيل من الفصيلين منظومة نقاشاته الأخلاقية القائمة على الخطاب وتدبيج المواقف، لا على الرؤى وتجييرها لتحقيق الإنجازات

ودون الدخول أو الاسترسال في الماضي ومعطياته، وكيف قادنا إلى الحال الذي صارت فيه لدينا حكومتان تابعتان لكل واحد من هذين الفصيلين، وبمراقبة بسيطة لخطاب كل منهما في هذه الحرب فإننا نلاحظ التالي:

لقد فقدت السلطة الفلسطينية، التي تدير الضفة الغربية وتحكم مواطنيها، معظم شعبيتها بين الناس الذين تحكمهم. لقد تآكل رصيدها من هذه الشعبية إلى الحد الأدنى، ولم تعد تثق بفوز الفصيل الذي يُعدّ عمودها الفقري، أي فتح، في أي انتخابات قادمة في المكان الذي تحكم فيه. لكنها، وبرغم هذا التآكل في شعبيتها تراهن على ازدياد شعبيتها في غزة.

على الجانب الآخر، فإن حماس أيضاً فقدت شعبيتها في المكان الذي تحكمه من خلال سلطتها، وأقصد هنا قطاع غزة، ولم تعد تثق بتحقيق أي إنجاز انتخابي قادم فيه، لكنها تراهن على ازدياد شعبيتها بشكل كاسح في الضفة الغربية، أي في المكان الذي لا تحكم فيه.

لدينا فصيلان إذاً، يتحكمان بقرار الشعب الفلسطيني ويحكمانه، وكل منهما يراهن على شعبيته في المكان الذي لا يمارس فيه سلطته. لنقلب الجملة لكي نرى مدى الفنتازيا في الأمر: حماس تسيطر على مجتمع الضفة الغربية وتكسب ولاءه، لكنها تحكم قطاع غزة. بينما فتح تسيطر على مجتمع القطاع وتحوز على تأييده، لكنها تحكم الضفة الغربية.

كيف لنقاش سياسي مهما كانت صيغته أن يفسر الأمر أو أن يمنعه؟ وحده النقاش الأخلاقي قادر على ذلك، وقادر على إنتاج المقولات التي تجعل من كل ذلك حالةً طبيعيةً، تخصنا كفلسطينيين في سلمنا وفي حربنا.


رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

WhatsApp Channel WhatsApp Channel


* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

منبر الشجعان والشجاعات

تكثُر التابوهات التي حُيِّدت جانباً في عالمنا العربي، ومُنعنا طويلاً من تناولها. هذا الواقع هو الذي جعل أصوات كثرٍ منّا، تتهاوى على حافّة اليأس.

هنا تأتي مهمّة رصيف22، التّي نحملها في قلوبنا ونأخذها على عاتقنا، وهي التشكيك في المفاهيم المتهالكة، وإبراز التناقضات التي تكمن في صلبها، ومشاركة تجارب الشجعان والشجاعات، وتخبّطاتهم/ نّ، ورحلة سعيهم/ نّ إلى تغيير النمط السائد والفاسد أحياناً.

علّنا نجعل الملايين يرون عوالمهم/ نّ ونضالاتهم/ نّ وحيواتهم/ نّ، تنبض في صميم أعمالنا، ويشعرون بأنّنا منبرٌ لصوتهم/ نّ المسموع، برغم أنف الذين يحاولون قمعه.

Website by WhiteBeard