شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

لنبدأ من هنا!
جوليا برور والدكتور البرغوثي... فضح السرديات المهيمنة!

جوليا برور والدكتور البرغوثي... فضح السرديات المهيمنة!

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

رأي نحن وحرية التعبير

الخميس 18 يناير 202411:17 ص

أثار أسلوب مذيعة Talk TV جوليا برور، الجدل في منصات التواصل، في ردها الصادم على الدكتور مصطفى البرغوثي، وهو سياسي وناشط فلسطيني والأمين العام للمبادرة الوطنية الفلسطينية، في لقاء دار النقاش فيه حول الغارة الإسرائيلية بطائرة بدون طيار، والتي أدت إلى مقتل صالح العاروري، وهو عضو بارز في حماس ومؤسس جناحها العسكري.

وجّه الدكتور البرغوثي الحديث نحو فضح نتنياهو وسياسته، ما أثار غضب الإعلامية برور. أثناء الحوار، انتقد الدكتور البرغوثي رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو البالغ من العمر 74 عاماً، وأظهر فشل قراراته المتطرّفة ومسؤوليته عن العنف القائم في غزة. كطريقة للالتفاف على الموضوع، اختارت برور الهجوم على الدكتور البرغوثي واتهامه بكونه رجعياً وغير معتاد على الاستماع لحوار تجريه النساء، قائلة: "دعني أكمل جملتي أو لعلك لست معتاداً على سماع النساء يتكلمن!".

يأتي رد فعل برور العنيف واتهامها للبرغوثي بكونه يميز ضد النساء، كاستراتيجية لتجنّب فشلها في الدفاع عن حكومة نتنياهو. لذا، حاولت الانقلاب عليه بتوجيه اتهام له يصفه بالذكورة السامة. بناء على ذلك، كيف يسهم تفكيك هذا الحوار لفهم علاقات القوة ضمن اللقاءات الإعلامية؟ وكيف يمكننا امتلاك اللغة التي تمكننا من مواجهة استراتيجيات الإعلام التي تهدف لتجريدنا من إنسانيتنا وفرض سرديات مهيمنة؟

يأتي رد فعل برور العنيف واتهامها للبرغوثي بكونه يميز ضد النساء، كاستراتيجية لتجنّب فشلها في الدفاع عن حكومة نتنياهو. لذا، حاولت الانقلاب عليه بتوجيه اتهام له يصفه بالذكورة السامة

بدايةً، يأتي هذا الهجوم باعتماد صور نمطية كمحاكاة لتاريخ طويلة من أساطير نسجها الرجل الأبيض المستعمر ضد الآخر من السود والشعوب التي استعمرها في ما يسمى "الشرق". ضمن تاريخ العبودية واستعمار الشعوب، تم تبرير هذا العنف باختلاق صور تجعل الشعوب الأخرى تبدو همجية وذات فكر بدائي، بالتالي يتم التعامل معها بدونية، ما يمنح المستعمر تفوقاً ينسب فيه لذاته المعرفة والتطور.

ساهمت دراسات ما بعد الاستعمار ودراسات السود (وهي دراسات لباحثين/ات من أصول أفريقية أمريكية) بدحض أساطير التفوق وبكشف العنصرية والتمييز في الخطاب الإمبريالي.

من الدراسات المهمة في تفكيك سردية الاستعمار، جاءت دراسات الاستشراق التي قدمها الباحث والمفكر إدوارد سعيد، الأمريكي من أصول فلسطينية. أظهر سعيد أن المستعمر يضع ذاته في المركز الذي يعرف كل ما عداه بالآخر، وضمن الثنائية النقيضة للنفس والآخر، يتم نسب العنف والدونية للآخر. بهذا، يعطي المستعمر لنفسه اليد العليا، والتي تجعل من ممارسته السلطوية والاستعمارية، واجباً ومسؤوليةً لتحرير من هم أدنى. من الأساطير التي برّر فيها الغرب استعماره لما يدعى "الشرق"، سردية تحرير النساء من عنف الرجال "الشرقيين". يظهر سعيد كيف استخدم الفن والأدب كدعاية إعلامية، تنشر صوراً لعنف الرجال ضد النساء في الشرق، كما تم تصوير هؤلاء النساء كعاجزات ومضطهدات، ينتظرن فروسية الرجل الأبيض لتحريرهن.

إضافة لما سبق، تكشف دراسات السود في الولايات المتحدة الأمريكية، تنميط الرجال من أصول أفريقية بالعنف وبالجنسانية التي تشكل خطراً على النساء البيض. من خلال هذه الصورة، تمكن الرجل الأبيض من تبرير عنفه على مجتمعات السود والتميز ضدها. تقول أنجيلا ديفيس في كتابها "النساء والعرق والطبقة" الصادر في عام 1981، بهذا الصدد: "ضمن تاريخ الولايات المتحدة الأمريكية، تبرز تهمة الاغتصاب المفبركة كواحدة من أعظم الحيل التي اخترعتها العنصرية". إضافة لما سبق، يبين الباحث المتخصّص بالتاريخ الأمريكي لولاية تكساس مايكل فيليبس، في كتابه "وايت متروبوليس: العرق، الإثنية والدين في دالاس"، إن "أسطورة المغتصب الأسود قدمت خطاباً مضاداً قوياً" أدى إلى "صور معادية للرجل الأسود بتقديمه كوحش فاتن"، والتي أثّرت للأسف بخطاب مجتمعات الأفريقيين الأمريكيين تجاه أنفسهم، حتى الرافضين لهيمنة الخطاب العنصري المهيمن.

من المهم الإشارة إلى أنه من الأعمال الأدبية التي ناقشت هذا التنميط تأتي رواية "أن تقتل عصفوراً محاكياً" للروائية الأمريكية هاربر لي، حيث يدور العمل حول محاولة محامي تبرئة رجل أسود من تهمة اغتصاب مفبركة. مع العلم، أن هذه الرواية كانت تقدمية في قت نشرها في 1960، إلا أنها تنطوي ضمن رؤيتنا الحاضرة لتنميط الرجل الأبيض كالمنقذ الأخلاقي. لا ينفي ما سبق أهمية العمل في تفكيك ثقافة العنصرية في تلك المرحلة من التاريخ.

تشير كيمبرلي كرينشو، وهي باحثة ومفكرة أمريكية، أن التمييز ضد الرجال من أصول افريقية بوصفهن مغتصبين عنيفين يتطلب لتعريته من وضع عدسة تقاطعية. يساهم هذا في كشف التقاطع بين الجندر والعرق والطبقة للأقلية الإفريقية في الولايات المتحدة الأمريكية. يفكك مفهوم التقاطعية تاريخ المجتمعات الأقلية ويكشف أثر تاريخ من العبودية بتهميش هذه الطبقة وبالتمييز ضدها. إضافة لما سبق، تعرّي سارة أحمد، وهي باحثة ومفكرة أمريكية، في ورقتها "ظاهرة البياض أو فينومينولوجيا البياض" مفهوم "البياض" كمفهوم عرقي، من الأساطير التي ساهمت بتدويره كممارسة وعادة وثقافة، وبالتالي تعزيز امتيازات هذا العرق بالتقاطع مع الطبقة.

بالاعتماد على ما سبق، يساعد فهمنا لكيفية تدوير سرديات تفوق العرق الأبيض وتنميط الآخر بالعنف بفهم خلفية هجوم الإعلامية جوليا برور على المفكر البرغوثي. ما يساهم بتفكيك خطابها العنيف القائم على تاريخ من الاستعمار والتمييز ضد الشعوب والأعراق الأخرى، والتي لا تقع ضمن هوية الرجل الأبيض البروتستانتي.

علاقات القوى بين برور والبرغوثي ليست علاقة جندرية مبنية على مواجهة بين امرأة ورجل! فهي تمتلك سلطتها كإعلامية أولاً، وسلطة قوة بلادها ذات التاريخ الاستعماري

حقيقة عمدت برور على خلط الأوراق ببعضها، فضمن السرديات النسوية تم الإشارة لاستراتيجية يتبعها الرجال المسيطرون والتي تقلّل من شأن النساء، حيث تتم مقاطعتهن أثناء الحديث والاستخفاف بهن. هذه الطريقة هي أسلوب يتصف به الرجال الذين يتبنون خطاباً مهيمناً يعتقد بتفوق الرجال على النساء. يأتي السكتش الساخر لتريفور نواه مع زميلته ديزي ليدك كمحاكاة ساخرة لهذه الثقافة التي يتم فيها مقاطعة النساء وتسخيفهن. في المقابل، ما لم تضعه برور في الحسبان هو أنه وضمن عدسة تقاطعية، هي كامرأة بيضاء، لم تمتلك الصوابية السياسية لمهاجمة الدكتور البرغوثي. كون برور تأتي من خلفية تاريخ استعماري طالما أساء لرجال مثقفين كما البرغوثي، بتجريدهم من علمهم وفكرهم بسبب علاقات القوة القائمة على عنصرية تاريخية.

أي أن علاقات القوى بين برور والبرغوثي ليست علاقة جندرية مبنية على مواجهة بين امرأة ورجل! فهي تمتلك سلطتها كإعلامية أولاً، وسلطة قوة بلادها ذات التاريخ الاستعماري، كما لم تقدر برور خلفية ضيفها العلمية وأسلوبه الحضاري الذي يحاور فيه بطريقة فكرية وبأخلاق عالية دون تهجم أو توجيه إساءات.

تأتي هذه المقابلة كنموذج مفيد لفهم علاقات القوى في الإعلام وأثر التقاطعية لفهم الهويات وتفكيك علاقات التمييز والتهميش التي تنطوي عدد من الممارسات، في وقت يتم فيه تجريد أبناء منطقتنا وتبرير العنف الموجه من خلال سرديات تضعنا في مرتبة الآخر ذي الطبيعة الهمجية، يفيدنا تسلحنا باللغة لتحدي هذا الخطاب الاستعماري المهيمن. 

إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.



* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

ذرّ الرماد في عيون الحقيقة

ليس نبأً جديداً أنّ معظم الأخبار التي تصلنا من كلّ حدبٍ وصوبٍ في عالمنا العربي، تشوبها نفحةٌ مُسيّسة، هدفها أن تعمينا عن الحقيقة المُجرّدة من المصالح. وهذا لأنّ مختلف وكالات الأنباء في منطقتنا، هي الذراع الأقوى في تضليلنا نحن الشعوب المنكوبة، ومصادرة إرادتنا وقرارنا في التغيير.

Website by WhiteBeard