شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

ضمّ/ ي صوتك إلينا!
هل نحن الحاضنة الشعبيّة للمقاومة؟ أم حطب المعركة؟

هل نحن الحاضنة الشعبيّة للمقاومة؟ أم حطب المعركة؟

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

لطالما كانت الحياة مع المقاومة هي الجدلية الأكثر تعقيداً بالنسبة لسكان قطاع غزة، خصوصاً مع الافتراض الضمني الذي يضعه الوعي الحزبي لفصائل المقاومة، بأن سكان غزة هم "الحاضنة الشعبية لفعل المقاومة"، ما يعني إنكاراً تاماً لحرية الأفراد في الاختيار. فالمقاومة فرض ديني، ولا حريات في الدين، هذا ما يراه ساسة المقاومة وقادتها في غزة، وغيرها.

يتساءل الغزي: "متى سنجني ثمار كوننا حاضنة شعبية للمقاومة؟ أم أننا حطبٌ يحترق لاستمرار معركة أبدية لا نهاية لها؟ وهل السؤال عن مصيرنا خيانة؟"

أي أهداف "طوفان الأقصى"؟ 

تحت المجاعة والإبادة، خرج فلسطينيون في شمال قطاع غزة يوم الثلاثاء 20 شباط/ فبراير، 2024، رغم الحرب المشتعلة، رافعين سخطهم وغضبهم على جميع الأطراف التي أوصلتهم إلى هذه الظروف المأساوية، وعلى رأسها حركة المقاومة الإسلامية "حماس"، بعد 138 يوماً من الحرب التي جاءت كرد فعل إسرائيلي "مبالغ فيه" على أحداث السابع من تشرين الأوّل/ أكتوبر، 2023.

وعلى الرغم من أن الغاية من "طوفان الأقصى"، والتي أعلنها محمد الضيف؛ القائد العام لكتائب القسام، بالتوافق مع رئيس حركة حماس يحيى السنوار، كانت متعلقة بأهداف محددة مثل: إنهاء الاحتلال الاسرائيلي، وتحرير الأسرى الفلسطينيين، ومنع التجاوزات الإسرائيلية في القدس. إلا أن الواقع جاء مختلفاً، فما أسفر "طوفان الأقصى" عنه فعلياً هو أكثر من ألف قتيل إسرائيلي، وأكثر من 200 محتجز تم اختطافهم إلى غزة، ما أدى إلى تفجر حرب ساحقة وانتقامية ضد غزة بأكملها. 

لطالما كانت الحياة مع المقاومة هي الجدلية الأكثر تعقيداً بالنسبة لسكان غزة، خصوصاً مع الافتراض الضمني بأن سكان غزة هم "الحاضنة الشعبية لفعل المقاومة"، ما يعني إنكاراً تاماً لحرية الأفراد في الاختيار. فالمقاومة فرض ديني، ولا حريات في الدين

تلك النتائج غير المحسوبة التي انتهى إليها "الطوفان" حولت أهداف العملية التي كانت إلى حدٍ ما "واضحة" إلى أهداف فضفاضة وعمومية، ليس هناك أي مؤشرات على إمكانية تحقيقها. وعلى الرغم من كونها فضافاضة، فقد تبناها قادة المقاومة، بدلاً من الأهداف المعلنة، في محاولة لإخفاء حقيقة أن السابع من أكتوبر لم يجرِ كما خُطط له، أو بعبارة أكثر دقة: أنه لم يكن هناك خطة أصلاً".

أما ورقة المحتجزين الإسرائيليين التي كان من الممكن استخدامها لتدارك خطأ الهجوم وإيقاف المذبحة بحق شعب غزة، تم استخدامها للمماطلة من أجل إطالة عمر حركة حماس في الحكم الجهادي لغزة، والبحث عن مخرج من مأزق 7 أكتوبر؛ بدلاً من التفكير في المستقبل الفلسطيني والروح الوطنية المنهارة، وفي ظل تخل واضح عن الحركة حتى من أقرب حلفائها.  

مظاهرات ضد حماس 

وفي خضم هذا كله، وبعد أن بلغت معاناة الشعب الفلسطيني في قطاع غزة ذروتها، سيّما في الشمال الذي يشهد الموت والتجويع، ومع تنصل قادة حماس من مسؤولياتهم تجاه السكان، واستمرار اعتناقهم لنظرية "طالما أن المقاومة بخير، فالتفاصيل الأخرى هامشية"، خرج فلسطينيون للمطالبة بإيقاف الحرب والإطاحة بالحكم الديني-الجهادي الذي تمارسه حماس منذ أكثر من 18 عاماً، وتوفير مقومات الحياة الأساسية للشعب المنهك والمجوّع والمذبوح. وقد قوبلت تلك المظاهرات برصاص "مجموعات من المسلحين" الذين ينتمون إلى كتائب القسام وفصائل المقاومة، وسط ذهول المتظاهرين. 

خرج فلسطينيون في شباط/ فبراير الماضي في مظاهرات ضد حماس للمطالبة بإيقاف الحرب والإطاحة بالحكم الديني، وقوبلت تلك المظاهرات برصاص "مجموعات من المسلحين" وسط ذهول المتظاهرين.  

يقول أحد المشاركين في تلك التظاهرات: "وكأننا كنا بحاجة إلى من يثبت لنا إجرام الاحتلال. نحن نعرف كل شيء. ولم نطلب من أحد أن يفتح بوابات الجحيم علينا، ثم يتركنا للجوع والبرد والتيه". وتجري تلك المظاهرات ضد حماس دون أي تغطية إعلامية، إذ يبدو أن الجمهور العربي والإسلامي مرتاح لرؤية الغزي بطلاً خارقاً يحقق أحلام "الأمة الإسلامية والشعب العربي"، وليس ضحية تطالب بحقها في الحياة.

قيمة الحياة تكمن في أن تعاش كاملةً

إن نظام الحكم الإسلامي-الأبوي، القائم على أساس الجهاد، "نصر أو استشهاد"، يعرف جيداً موقف الشارع الفلسطيني بغزة من نظامه الصوابي الديني، حيث قمع النظام الكثير من المظاهرات الفلسطينية التي نادت بالحرية الفردية، وإنهاء الأبوية والجبرية، وطالبت بحرية التفكير وفك القيود عن الحيز العام الغزي، كقمعه لحراك بدنا نعيش وحراك الكهرباء، وغيرها، تحت ذرائع مثل "إنه ليس وقت الحياة، بل وقت الاشتباك مع العدو الاسرائيلي". أي تسخيف الحياة مقابل العمل الجهادي ضد إسرائيل؛ ذلك الشيطان الذي تعزى إليه جميع المآسي والأزمات، "فاصبروا معنا والتزموا بأوامرنا وجاهدوا يا سكان غزة حتى تحصلوا على الحياة التي تتمنونها، وإلا فسوف نقتلكم جميعاً". 

هكذا، قُتلت حركات شعبيّة كثيرة في مهدها. ولكن اليوم، تبدو هذه المظاهرات التلقائية التي تهتف ضد النظام غير مسبوقة وجديدة على الوعي الشعبي الذي بات يعرف جيداً، بعد تجاربه القاسية مع الحكم الصوابي الجهادي، أن قيمة الحياة تكمن في أن تعاش كاملةً غير منقوصة، لا أن تضيع بين خيالات الإسلاميين وأوهامهم.

ليست خيانة من الشعب حين يطالب بحياته. بل الخيانة أن يتم إلقاء الشعب كاملاً إلى الجحيم من أجل تجربة مقاوماتية قد تفشل وقد تفشل. لا احتمالات أخرى في ظل الواقع الذي سبق السابع أكتوبر. وعليه، فإن مطالبات الشعب الذي هتف بها خلال مظاهرات الشمال، كهتاف "يا سنوار ويا هنية الشعب هو الضحية"، إنما هي مطالبة بالاختيار أكثر من كونها مطالبة بالخبز والماء، مطالبة بحياة يستطيع فيها الفلسطيني تكوين اتجاهاته حول الآخر، والاستعمار، والعالم، دون وصاية رجل الدين المجاهد، الذي يعرف وحده، بسبب صدفة ما، ما يصح وما لا يصح.

الفلسطيني الجيد هو الفلسطيني الشهيد، الجريح، الأسير، المجاهد

لا خيارات أخرى أمام الفلسطيني بالنسبة للجمهور العربي والإسلامي الذي يتابع عن بعد أحداث الحرب على غزة. فالاستمتاع بمسرحية "فلسطين ضد الشر" يتطلب من الفلسطيني أن يظل متأهباً للموت، ممسكاً رشاشه ومستعداً للمعركة. أما إذا تحدث الفلسطيني عن الحياة والسلام والحب، فإنه سيخيب آمال الجمهور المنتشي بالمعركة الدموية بين فلسطين بوصفها الخير المطلق، وإسرائيل بوصفها الشر المطلق.  

برغم التعتيم الإعلامي، لا يمكن إنكار أن الصوت الفلسطيني الحر في غزة هو حقيقة واقعة، ولا يمكن تجاوز أن هناك فلسطينيون يرفضون أن يتم الزج بهم في ملفات هذا المعسكر أو ذاك، كما يرفضون أن يتم استخدام أصواتهم وألسنتهم بكلام لا يعبر عنهم، ولا يمثل تطلعاتهم

فماذا لو خرج الفلسطيني في غزة في مظاهرة ضد نظام الحكم؟ مصيبة. لقد كانت التعليقات الصادرة، عن مسلمين من دول عربية وحتى أجنبية، صادمة للغاية. لا يصدقون أن هناك فلسطيني يريد أن يعيش، أن فلسطينيون في شمال غزة هتفوا ضد "الكهنوت المقاوم". وثمة من هاجم المتظاهرين بوصفهم ملحدين وكفار، على اعتبار أن قضية فلسطين هي قضية جهاد في سبيل الله. وهناك من هاجمهم بوصفهم صهاينة جدد وباعتبارهم منبطحين أمام الإمبريالية العالمية. لكن لم يتعامل أحد مع حقيقة المسألة: شعب محتل يطالب بدولة وحياة كريمة، يطالب بعدم استغلاله في معارك عشوائية عامة تديرها مخابرات التحالفات المتنازعة.

حتى لا تحدث "مجزرة طحين" مرة أخرى

إن النمط المقبول لحياة الغزاوي بالنسبة لمؤسسي الحكم الجهادي في غزة، وجمهورهم الاسلامي والعربي لا يجب أن يخرج عن احتمالين "ضحية" أو "بطل"، ففي حين أن مظاهرات شمال غزة المطالبة بالحياة لم تلقَ أي اهتمام إعلامي بالمطلق، فإن مجزرة الطحين في الشمال أيضاً كانت سبق صحفي مثير بالنسبة للإعلام العربي والإسلامي فهي تتناسب مع النمط المعتاد أن يكون عليه الغزاوي، هذا الواقع لا يمكن تغييره إلا بطريق واحد: الإنصات لصوت الفلسطينيين بغزة، والتوقف عن تأييد استخدامهم كضحايا أو أبطال على حدٍ سواء.  

إن الصوت الفلسطيني الحر في غزة هو حقيقة واقعة، لا يمكن إنكارها، ولا يمكن تجاوز أن هناك فلسطينيون يرفضون أن يتم الزج بهم في ملفات هذا المعسكر أو ذاك، كما يرفضون أن يتم استخدام أصواتهم وألسنتهم بكلامٍ لا يعبر عنهم، ولا يمثل تطلعاتهم، وربما تكون مظاهرات شمال غزة قبل أيامٍ رغم الحرب القائمة ورغم الدموية التي تحيط بالسكان هناك، مثالاً حياً على أن الفلسطيني مهما تعاظمت فوق ظهره الأهوال، فهو يقظٌ يعرف من معه ومن عليه، ويعرف أن المقاومة الشريفة هي تلك التي تضع حياة الشعب ومصالحه في مقدمة أولوياتها. 

يقول أحد المشاركين في تلك التظاهرات: "وكأننا كنا بحاجة إلى من يثبت لنا إجرام الاحتلال. نحن نعرف كل شيء. ولم نطلب من أحد أن يفتح بوابات الجحيم علينا، ثم يتركنا للجوع والبرد والتيه". 

وكالعادة تم قمع تلك التظاهرات، واتهامها بأنها ممولة من جهات "مشبوهة" هدفها زعزعة الجبهة الداخلية، كما جاء في أحد تصريحات حماس خلال الحرب، "أنها ستعاقب كل من يحاول الالتفاف حول الجهات المشبوهة التي تدعو إلى ضرب الجبهة الداخلية"، وعلى ذكر الجبهة الداخلية فإن جميع سكان قطاع غزة اليوم يقبعون تحت تهديدٍ يوميٍ بالموت بسبب المجاعة والتلوث والفقر وسرقة المساعدات، والفساد التنظيمي لإدارة الأزمة بعد 7 أكتوبر!

ولكن وإن تم قمع مظاهرات السكان في شمال قطاع غزة، ورفح، وخمد أصوات الشعب، فلن يستطيع النظام الأبوي الحاكم، أن يقمع الفكرة التي انتهت من تشكيل ذاتها بنفسها مع تعاقب السنوات والخبرة الشعبية، أن غزة لم تعد تقبل أن تكون جزءاً من مشاريع وهمية، وأمة افتراضية يتم استخدامها من قبل أذرع محور الممانعة لفرض السيطرة والهيمنة على المنطقة العربية.


رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

WhatsApp Channel WhatsApp Channel


* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

قد لا توافق على كل كلمة ننشرها…

لكن رصيف22، هو صوت الشعوب المضطهدة، وصوت الشجعان والمغامرين. لا نخاف من كشف الحقيقة، مهما كانت قبيحةً، أو قاسيةً، أو غير مريحة. ليست لدينا أي أجندات سياسية أو اقتصادية. نحن هنا لنكون صوتكم الحرّ.

قد لا توافق على كل كلمة ننشرها، ولكنك بضمّك صوتك إلينا، ستكون جزءاً من التغيير الذي ترغب في رؤيته في العالم.

في "ناس رصيف"، لن تستمتع بموقعنا من دون إعلانات فحسب، بل سيكون لصوتك ورأيك الأولوية في فعالياتنا، وفي ورش العمل التي ننظمها، وفي النقاشات مع فريق التحرير، وستتمكن من المساهمة في تشكيل رؤيتنا للتغيير ومهمتنا لتحدّي الوضع الحالي.

شاركنا رحلتنا من خلال انضمامك إلى "ناسنا"، لنواجه الرقابة والترهيب السياسي والديني والمجتمعي، ونخوض في القضايا التي لا يجرؤ أحد على الخوض فيها.

Website by WhiteBeard