شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

ضمّ/ ي صوتك إلينا!
دُمى سمير الفيل الحزينة... جائزة كافأت

دُمى سمير الفيل الحزينة... جائزة كافأت "تحويل المسار"

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

رأي نحن والتنوّع

الجمعة 8 مارس 202412:15 م

"قالت له: الحياة عجلة عملاقة لن تتوقف. وجاء له جدّه الحاج توفيق بعجلة ضخمة جداً، تكاد تصل إلى السماء البعيدة. وضعها بين يديه. جعله يديرها نحو الغروب. ناحت حمامة وأطبق الظلام على المكان".

ما يزال ممكناً، على نحو ما، تتبّع الشعر داخل نصوص سمير الفيل القصصية، فازت مجموعته "دمى حزينة" بـ"جائزة الملتقى للقصة القصيرة العربية" في دورتها السادسة التي أُعلنت نتيجتها هذا الأسبوع، في ما وصفته الصحافة بـ"أول تتويج مصري بالجائزة" التي ترعاها جامعة الشرق الأوسط الأمريكية بالكويت، وما تزال صفحة ويكيبيديا المعنونة باسم سمير الفيل، تصفه أولاً بـ"الشاعر والكاتب المسرحي"، ربما لأن الانطباعات الأولى تدوم، وقد صاحب الفيل لقب "الشاعر" نحو 30 عاماً، منذ بدأ النشر في نهايات ستينيات القرن الماضي (مواليد 1951) إلى أن تحوّل المسار فجأة، لينشر في العام 2001 ثلاث مجموعات قصصية دفعة واحدة، انطلق بعدها إلى مضمار هذا الفن الصعب بلا توقف.

"قالت له: الحياة عجلة عملاقة لن تتوقف. وجاء له جدّه الحاج توفيق بعجلة ضخمة جداً، تكاد تصل إلى السماء البعيدة. وضعها بين يديه. جعله يديرها نحو الغروب. ناحت حمامة وأطبق الظلام على المكان"

في "دُمى حزينة"، الصادرة عن دار بتانة بالقاهرة، وهي المجموعة القصصية الرقم 20 التي أصدرها الكاتب في أقل من ربع قرن، يمكن للقاريء المحب لقراءة الهوامش، أن يلاحظ هذا الاندفاع، الاجتهاد اليومي – بالمعنى الحرفي – للكتابة، ليس فقط لأن المجموعة كلها مكتوبة بين العامين 2020 و2021، ولكن كذلك لأن العديد من النصوص كُتبت في أيام متتالية، كما تخبرنا التواريخ التي حرص المؤلف على تدوينها في نهاية كل قصة، إنه محض دليل جديد على أن الكتّاب مختلفون، وسبل الكتابة لا حصر لها، فضلاً عن أن المؤلف هنا لا يخشى أن يُقال إنه يكتب كل يوم أو ينشر كل ما يكتب.

وفي المحصلة فإن نصوص المجموعة تشير إلى أن هذه الثقة بالنفس مستحقة، ولم تجىء الجائزة إلا تتويجاً لها حتى لو جاءت في عمر السبعين، في قصة "يوم الجمبري"، ثمة توقع ساخر يخص الجوائز، يقول الراوي في نقاش مع صديقيه حول جائزة نوبل "أتوقع أن أحصل عليها سنة 2075، هذا وقت مناسب، تكون أدواتي فيه قد اكتملت".

غير أن الإشارة السابقة إلى إمكانية تتبع الشعر في النصوص، لا تعني أن ذلك يأتي على حساب قوة الملاحظة التفصيلية اللازمة لفن القصة لصالح المعنى العام، بل يشير إلى دمج مخضرم لهذا وذاك، ومقاطع نصيّة يمكن استساغتها لغة أو تأملها كلوحة كما في مقدمة قصة "خمسة فناجين قهوة سادة": "انحرفت نملة وهي خارجة من شق طولي في حائط قديم، تعلوه طبقة من غبار، وعنكب كسول راح يغزل خيوطه الترابية بمنتهى البطء". هذه المشهدية لا تعوق الإيجاز الكامن في النصوص، في المقطع التالي من قصة "الحزام الأسود"، التي تروي حكاية زوج جديد عنيف في حياة أسرة فقدت معيلها، نقرأ مقطعاً يكاد يخلص الحكاية "حصلت سوسن على درجات عالية في المواد كلها، أما يحيى فقد جاء بـ "كعكة" في الرياضيات، ولم يكن قد وصل إلى درجة الشرود الكامل بعد. حزنت الأم لرسوب ابنها في مادة كان أبوه يدرّسها لطلابه قبل موته. علم الرجل بما حدث، فدخل حجرته وعاد بالحزام".

"كنت أدخل صامتاً، أقول: "السلام عليكم" في سرّي، ثم أذهب إلى سريري الخشبي، وأنام تحته، ترسل لي سوسن الطعام فأتناوله بمنتهى الحذر دون أن أنطلق بكلمة ثم أحيط نفسي بالشوك (..) حين استعانت زوجتي بأمي انشراح، جاءت ودبت بيدها على صدرها، قالت وهي تحدق إليّ: من فعل بك هذا؟ لم أرد أبداً؛ فالقنفذ يحمي نفسه بالشوك لا بالكلام"

هذا "الحزن الأسريّ" لو جاز التعبير، يمكن القول إنه يهيمن بشكل عام على النصوص، بإضاءات مختلفة على أنواعه المتعددة، تراكم الإساءات بين الزوجين، الملل الزوجي، اليُتم، الحب المستحيل أو المنسيّ، الرجل الوحيد رغم زحام بيته، كما في قصة "القنفذ" التي يمكن القول أنها استعارة من عوالم "تحوّل" كافكا، حيث "كنت أدخل صامتاً، أقول: "السلام عليكم" في سرّي، ثم أذهب إلى سريري الخشبي، وأنام تحته، ترسل لي سوسن الطعام فأتناوله بمنتهى الحذر دون أن أنطلق بكلمة ثم أحيط نفسي بالشوك (..) حين استعانت زوجتي بأمي انشراح، جاءت ودبت بيدها على صدرها، قالت وهي تحدق إليّ: من فعل بك هذا؟ لم أرد أبداً؛ فالقنفذ يحمي نفسه بالشوك لا بالكلام".

وهكذا تتصرف الشخوص في "دمى حزينة". إنها فاعلة وليست سلبية، ولكنْ في فعلها يأس وحزن مقيم.

إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.



* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

تنوّع منطقتنا مُدهش

لا ريب في أنّ التعددية الدينية والإثنية والجغرافية في منطقتنا العربية، والغرائب التي تكتنفها، قد أضفت عليها رومانسيةً مغريةً، مع ما يصاحبها من موجات "الاستشراق" والافتتان الغربي.

للأسف، قد سلبنا التطرف الديني والشقاق الأهلي رويداً رويداً، هذه الميزة، وأمسى تعدّدنا نقمةً. لكنّنا في رصيف22، نأمل أن نكون منبراً لكلّ المختلفين/ ات والخارجين/ ات عن القواعد السائدة.

Website by WhiteBeard