شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

ضمّ/ ي صوتك إلينا!
لاعبون وثوّار… عندما دفع لاعبو الجزائر ثورة بلادهم للاستقلال 10 سنوات إلى الأمام

لاعبون وثوّار… عندما دفع لاعبو الجزائر ثورة بلادهم للاستقلال 10 سنوات إلى الأمام

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

كرة القدم أكبر من مجرد لعبة، وكما نقلها في البداية المستعمر البريطاني ثم الفرنسي إلى مستعمراته، كجزء من ثقافته المهيمنة، واستخدمها في البداية كوسيلة للفصل العنصري أو لتخدير من احتلهم ومحو هويتهم، فإن ضحايا هذا الاستعمار سرعان ما تعلموا استلهام اللعبة كوسيلة للمقاومة والتحرر الوطني، ولعل قصة منتخب الجزائر، الذي تَشكل للمرة الأولى في أثناء خوض الجزائر معركتها التي عرفتها ببلد المليون شهيد لنيل استقلالها عن فرنسا، هي واحدة من تلك القصص التي تبرز تلك الوجوه المتعددة للعبة، وكيف ساهم اللاعبون الجزائريون وكان لهم دورهم في ذلك الاستقلال. 

كرة القدم في مرمى السياسة  

في كتابه "تاريخ شعبي لكرة القدم" للكاتب ميكائيل كوريا، والصادر عن دار المرايا بترجمة محمد عبد الفتاح السباعي، يخصص فصلاً كاملاً من فصول الكتاب لسرد الملحمة الكروية التي خاضها لاعبو الجزائر.

كانت كرة القدم الجزائرية خاضعة للسيطرة الفرنسية من عام 1830 إلى عام 1962، ورغم أنها كانت اللعبة المفضلة لسكان الجزائر، فقد استخدمتها السلطات الاستعمارية كأداة للرقابة الاجتماعية ولتثقيف "السكان الأصليين"، وكصانع سلام اجتماعي بين الجزائر وباريس، بشكل يخدم النظام الاستعماري، أو كما قال الجنرال هنري جيرو، قائد فرقة وهران عام 1936 "يجب أن تكون الرياضة هي الرابط الذي يجعل من الممكن توحيد الفرنسيين والمسلمين في الرغبة نفسها في الأداء والتطلعات النبيلة، بالقضاء على كل تنافس بين الأديان والأعراق". 

في البداية تم نقل كرة القدم من البريطانيين ثم الفرنسيين إلى مستعمراتهم، كجزء من ثقافة الهيمنة، وسرعان ما تعلم "المستعمَرون" استلهام اللعبة كوسيلة للتحرر الوطني، ولعل قصة منتخب الجزائر، واحدة من تلك القصص التي تبرز تلك الوجوه المتعددة للعبة، وكيف ساهم اللاعبون الجزائريون في دورهم في الاستقلال من خلالها  

لم يستمر هذا الوضع طويلاً، إذ ظهرت في عشرينيات القرن الماضي، أول أندية جزائرية لكرة القدم تتشكل فرقها حصراً من الجزائريين، حتى بلغت عشرة أندية من أصل أربعين نادياً في تلك الفترة، لكن مع ظهور أول منظمات استقلال جزائرية ومع تزايد شعبية اللعبة، تحوّلت ملاعب كرة القدم في الجزائر إلى أماكن للصراع المناهض للاستعمار، وبلورت رغبة سكانها في الاستقلال، وبعد تزايد أحداث الاشتباك، أصدرت السلطات الاستعمارية، قراراً يُلزم الأندية الجزائرية بتخصيص ثلاثة ثم لاحقاً خمسة أماكن في قائمتها للاعبين أوروبيين، وهو قرار ألغيَ نهائياً في أبريل عام 1945، لتتسع حركة الاستقلال داخل كرة القدم وليصعب احتواؤها.

وبعد الحرب العالمية الثانية قوبلت التطلعات المتزايدة للتحرر الوطني بقمع عسكري وحشي، وردّت قوات الاحتلال الفرنسي بقوة غاشمة على حملة التمرد الوطني المسلح الذي أطلقته جبهة التحرير الوطني عام 1954، وظنت قوات الاحتلال الفرنسي أن هجماتها المروّعة قد تقضي على القومية ومطالب الاستقلال. 

كانت تغطية الإعلام الفرنسي لجبهة التحرير الوطني في نهاية الخمسينيات ضعيفة، وكانت الصحافة تشير إلى نضالها كمجرد أحداث داخلية. 

في الوقت ذاته كانت ملاعب كرة القدم تتحول إلى ساحات معارك، عندما أثار قرار منع لاعب جزائري من فرقة "إس سي بلعباس" من المشاركة في نهائي كأس شمال أفريقيا، ومما زاد المناخ السياسي الجزائري اشتعالاً؛ بسبب تلك الحادثة هو حصول المغرب وتونس على استقلالهما، فأثار منع اللاعب موجة من الاحتجاجات الشعبية في جميع أنحاء البلاد، فألغى حاكم البلاد المباراة، مما أثار حفيظة جبهة التحرير الوطني، الأمر الذي أجبر جميع أندية كرة القدم الإسلامية على مقاطعة جميع المنافسات إلى الأبد، وانضم بعض اللاعبين ومديري الأندية إلى حركة الكفاح والتمرد ضد الاحتلال. 

حين تحولوا إلى "لاعبين سياسيين"

كانت جبهة التحرير الوطني في نهاية الخمسينيات، تتمتع بتغطية إعلامية ضعيفة نسبياً في فرنسا بأوامر من السلطة، وكانت الصحافة تشير إلى نضالها كمجرد أحداث داخلية، وعلى الجبهة العسكرية كان هناك شعور مؤلم بنقص الأموال والأسلحة، وعلى الصعيد الدبلوماسي، كانت الأمم المتحدة بطيئة في الاعتراف بحق الجزائر في حق تقرير المصير.

ومن أجل إعطاء زخم لقضية الاستقلال وإعادة استثمار شعبية كرة القدم في المجال السياسي، لجأت قيادة جبهة التحرير إلى الاتصال بالرياضيين الجزائريين المحترفين في فرنسا لدعوتهم إلى الانضمام في القتال. هنا اقترح محمد بومزراق، العضو القيادي في الفرع الفرنسي لجبهة التحرير الوطني واللاعب السابق لـ"جيروندان دي بوردو" ومدرب فريق "لومان"، على قادة منظمة الاستقلال إنشاء فريق كرة قدم من الصفر مختوم بجبهة التحرير الوطني.  

في 1958، كان محمد بومزراق مسؤولاً عن التسلل إلى تونس، مقر الحكومة المؤقتة للحكومة الجزائرية للقيام بمهمة سرية في العاصمة الفرنسية، حيث يقيم عدد من اللاعبين الجزائريين المحترفين، بهدف تشكيل الفريق الرائد للثورة الجزائرية. خلال ذلك العام، كان هناك قرابة 40 لاعباً جزائرياً محترفاً في الأندية الفرنسية

وفي بداية عام 1958، كان محمد بومزراق مسؤولاً عن التسلل إلى تونس، مقر الحكومة المؤقتة للحكومة الجزائرية للقيام بمهمة سرية، في العاصمة الفرنسية، حيث يقيم عدد من اللاعبين الجزائريين المحترفين، بهدف تشكيل الفريق الرائد للثورة الجزائرية.

خلال ذلك العام، كان هناك قرابة 40 لاعباً جزائرياً محترفاً في الأندية الفرنسية، وكان العديد منهم يدفعون 15% من رواتبهم إلى جبهة التحرير الوطني بشكل دوري.

استطاع بومزراق بعد عدة أشهر إقناع 12 لاعباً من أفضل اللاعبين الجزائريين بمغادرة فرنسا في سرية تامة، كرشيد مخلوفي مهاجم نادي "سانت إتيان"، وعبد الحميد كرمالي جناح نادي "أولمبيك ليون"، وعبد الحميد شوق لاعب نادي "تولوز"، واللذين هربوا متسللين عبر الحدود السويسرية، وقبل أيام قليلة من إعلان راديو إذاعي فرنسي عن هروب لاعبين جزائريين من أنديتهم، كان خمسة لاعبين جزائريين يلعبون في الدوري الفرنسي من بينهم اللاعب الشهير حينها، مصطفى زيتوني، وسعيد الإبراهيمي مهاجم "تولوز" قد فرّوا سراً من فرنسا، بينما اعتقل محمد معوش لاعب "استاد ريمس" على الحدود الفرنسية الإيطالية، وأوقف حسن شابري لاعب "موناكو" قبل اعتقاله في مينتون، لكنهما انضما للمقاومة الجزائرية في وقت لاحق. 

الصحافة الفرنسية تلتفت للثورة... أخيراً 

دوى صدى عملية الهروب تلك في جمهورية فرنسا الرابعة، كقصف الرعد سياسياً ورياضياً، وخصصت من أجلها العناوين الرئيسية في صحيفة " ليكيب"، وأفردت لها مجلة " فرانس فوتبول" أربع صفحات، ونشر الاتحاد الفرنسي لكرة القدم بياناً صحفياً قاسياً ومتغطرساً، كتب فيه "اللاعبون من السكان الأصليين يعضون خبز كرة القدم الذي نوزعه عليهم". 

تاريخ هروب اللاعبين لم يأت اعتباطاً، وكذلك أسماء اللاعبين الجزائريين العشرة اللذين جندوا من قبل المقاومة، ففي 16 أبريل كان من المقرر أن يلعب المنتخب الفرنسي مباراة ضد سويسرا استعداداً لكأس العالم، والتي ستقام في السويد في عام 1958، وكان بعض من اللاعبين الجزائريين أساسيين في منتخب فرنسا، لذا كان إضعاف منتخب الديوك عشية مباراة ذات أهمية كبيرة، يهدف إلى ترك علامة لدى الرأي العام في باريس، فيما يخص قضية جبهة التحرير الوطني الجزائرية، ويظهر أن نجوم كرة القدم المحترفين على استعداد لاحتضان قضية استقلال الجزائر، وأصدرت الجبهة بيانا جاء فيه: "في اللحظة التي كانت فيها فرنسا تشن حرباً بلا رحمة ضد شعبنا، فإن لاعبينا رفضوا تقديم مساهمة للرياضة الفرنسية في مسابقة لها قدرها عالمياً" مختتمة بيانها بإبداء رغبتها في إنشاء اتحاد جزائري لكرة القدم والانضمام إلى الفيفا.

كان الفيفا قد قرر بضغط من فرنسا، إيقاف اللاعبين المنشقين ومعاقبة أي اتحاد أو فريق يوافق على مقابلتهم رسمياً، مما حولهم إلى لاعبين غير شرعيين وغير معترف بهم

قلة من الفرنسيين كانت يعرف ما يحدث في الجزائر، وعندما غادر اللاعبون الجزائريون "أدركوا أن هناك حرباً في الجزائر.. حرب تحرير"، كما يتذكر اللاعب رشيد مخلوفي.

في تونس، استعد اللاعبون في ملاعب رديئة وبدون معدات رياضية حقيقية، مكوّنين أول نواة للمنتخب الجزائري، ولعبوا المباراة الأولى ضد المغرب في ملعب الشاذلي زويتن بتونس، ليفوز بهدفين مقابل هدف، وسط هتافات المقاتلين الجزائريين في المدرجات، والمشاعر الفياضة التي واكبت رفع العلم وسماع صوت النشيد الجزائري. وكان الفيفا قد قرر بضغط من فرنسا، إيقاف اللاعبين المنشقين ومعاقبة أي اتحاد أو فريق يوافق على مقابلتهم رسمياً، مما حولهم إلى لاعبين غير شرعيين غير معترف بهم، لقد ضحوا من أجل الجزائر، بعد أن تحولوا بين ليلة وضحاها من نجوم في الدوري الفرنسي، إلى منفيين في تونس برواتب زهيدة، وتخلوا عن اللعب في كأس العالم باسم فرنسا. ولاعب كرشيد مخلوفي، الجندي في الجيش الفرنسي، كان يواجه خطر المحاكمة العسكرية بتهمة الفرار من الخدمة.

وفي صيف عام 1958، تمرد المزيد من لاعبي كرة القدم الجزائريين في فرنسا، ليضم الفريق 23 لاعباً محترفاً، بعضهم كان يتمتع بشهرة كبيرة مثل عبد الرحمن إبرير، حارس مرمى "أولمبيك مارسيليا". 

الهدف 

واصل الفريق اللعب باسم الجزائر، في جولات حول العالم، كسفراء لبلادهم، في عدة دول، وفي تحد لحظر الفيفا، لعب الفريق الجزائري في الفترة من عام 1958 إلى 1962، أكثر من 80 مباراة في 14 دولة، بعض تلك الجولات الدولية كانت بمثابة ملاحم سياسية رياضية، لعبوا في تونس والمغرب وليبيا والعراق وبلغاريا ورومانيا والمجر وبولندا والاتحاد السوفيتي وتشيكوسلوفاكيا وجمهورية الصين الشعبية وفيتنام، في مبارايات قابلتها جماهير تلك البلاد بحفاوة، ونفدت تذاكرها بالكامل، كانت تلك المباريات الدولية غير القانونية، تلقي الضوء على تطلعات التحرر الجماعي للشعب الجزائري، ولم يكتفوا بلعب كرة القدم فقط، بل ذهبوا لزيارة المصانع ومناقشة سكان البلاد التي زاروها. 

في تونس، استعد اللاعبون في ملاعب رديئة وبدون معدات رياضية حقيقية، مكوّنين أول نواة للمنتخب الجزائري، ولعبوا المباراة الأولى ضد المغرب في ملعب الشاذلي زويتن بتونس، ليفوز بهدفين مقابل هدف، وسط هتافات المقاتلين الجزائريين في المدرجات، والمشاعر الفياضة التي واكبت رفع العلم وسماع صوت النشيد الجزائري

وقد ساعدتهم نتائجهم التي فازوا في أغلبها بأداء لا ينسى. هدَف الفريق لأن تكون كرته هجومية مع احتلال كامل لكل أرجاء الملعب وتناقل الكرة كثيراً بين اللاعبين، وأن يظهروا حرية كاملة في الارتجال والمراوغة، وكان متوسط أهدافهم أربعة أهداف في المباراة الواحدة، وفي كل مرة كان رفع العلم الجزائري وصوت النشيد هو الهدف الأسمى. 

وبعد الجولة المرهقة، ضربتهم حالة من الإجهاد؛ بسبب ظروف السفر والاستقبال المتواضعة، وفي ملعب "ريد ستار" في بلغراد عام 1961، وبعد 20 مباراة في يوغسلافيا وبلغاريا والمجر وتشيكوسلوفاكيا، علم اللاعبون أن السفير الفرنسي بنفسه موجود في المدرجات، لينسوا إرهاقهم، وليلعبوا بمزيد من الغضب والحماسة والرغبة في إثبات الذات، فاز رجال الجزائر في اللقاء بستة أهداف مقابل واحد للمنتخب اليوغسلافي الذي كان يعج بالنجوم، وإحدى المنتخبات اللاعبة في القارة الأوروبية، وقبيل نهاية المباراة، يتوارى السفير ويغادر، بينما يهتف جمهور بلغراد مع المناضلين من أجل استقلال "الجزائر الحرة".

في 18 آذار/ مارس 1962، وبعد توقيع اتفاقات "إيفيان" بين فرنسا والحكومة المؤقتة للجزائر، والتي مهدت لإعلان استقلال الجزائر في 5 تموز/ يوليو من العام نفسه، اعترف الفيفا فوراً بالمنتخب الجزائري، وضغطت الأندية الفرنسية لرفع الإيقاف عن اللاعبين المتمردين، لاستعادة نجومها في أسرع وقت ممكن، انضم ثمانية منهم، ومن بينهم بوبكر ومخلوفي والزيتوني إلى المنتخب الجزائري الجديد، واستعادت الأندية الفرنسية معظم اللاعبين، وقبل مغادرتهم، واعترافاً بدورهم في الاستقلال وتدويل النضال الجزائري، قال لهم فرحات عباس، الزعيم الوطني وعضو جبهة التحرير وأول رئيس للحكومة الجزائرية المؤقتة: "لقد دفعتم الثورة عشر سنوات للأمام".

إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.



* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

ما زلنا في عين العاصفة، والمعركة في أوجها

كيف تقاس العدالة في المجتمعات؟ أبقدرة الأفراد على التعبير عن أنفسهم/ نّ، وعيش حياتهم/ نّ بحريّةٍ مطلقة، والتماس السلامة والأمن من طيف الأذى والعقاب المجحف؟

للأسف، أوضاع حقوق الإنسان اليوم لا تزال متردّيةً في منطقتنا، إذ تُكرّس على مزاج من يعتلي سدّة الحكم. إلّا أنّ الأمر متروك لنا لإحداث فارق، ومراكمة وعينا لحقوقنا.

Website by WhiteBeard