الحياة في القرية جميلة، حيث البساطة والخضرة والمقاهي ذات الطراز الجميل. في قرى صعيد مصر الآن هناك "كافيهات" مثل التي تجلسون عليها في المدينة، بل ولها مميزات أكثر تدفع الكثيرين لمغادرة المدينة من أجل سهرة في مقهى بقرية تبعد كيومترات عن أماكن سكنهم.
حينما يحلّ المساء، يتوجّه يوسف حمدي، من مدينة نجع حمادي، بمحافظة قنا في صعيد مصر، إلى مقهى اسمه "الواحة"، في قرية تبعد بضعة كيومترات، تسمى "زليتم"، غرب المدينة التي يسكنها، تاركاً مقاهي أشهر مدن محافظته التي تقع في جنوب مصر.
تتميز "الكافيهات" في القرى بأنها أكثر هدوءاً مقارنة بصخب المدينة، ومساحاتها كبيرة، وثمة خصوصية تتمتعون بها، حيث تكون غالباً في أماكن هي شبه بأركان في القرى، وفق ما يقول حمدي لرصيف22.
كراسي مقهى "الواحة" الذي يبعد حوالي 4 كيلومترات عن مدينة نجع حمادي، مصنوعة من "جريد النخل"، ومغطاة بسجاد يدوي، وهو طراز تحاول الكثير من المقاهي في المدن محاكاته.
الطاولات أيضاً مصنوعة من "جريد النخل"، وعلى كلّ واحدة منها رقم خاص بها، وكأنكم تجلسون في أحد فروع المقاهي الشهيرة في أبرز مدن مصر وغيرها من الدول العربية، لتصلكم تكلفة مشروباتكم بمجرد أن تحدثوا أحد العاملين طالبين "الحساب"؛ فكلّ طلباتكم مسجلة لديهم.
كراسي مقهى "الواحة" الذي يبعد حوالي 4 كيلومترات عن مدينة نجع حمادي، مصنوعة من "جريد النخل"، ومغطاة بسجاد يدوي، وهو طراز تحاول الكثير من المقاهي في المدن محاكاتَه
أسعار المشروبات في المقاهي الموجودة في القرى لا تختلف أيضاً عن أسعار المقاهي البلدية التي توجد في المدن والقرى؛ فمعظم المشروبات سعرُها أقلّ من نصف دولار، وفق قول حمدي الذي حدثنا: "الشاي هتلاقيه بـ3 جنيه (18 سنت)، والقهوة الفرنساوية بحوالي 7 جنيه (42 سنت)".
شجر مانجو وطاولة بلياردو في المقهى
لمتابعة افتتاح بطولة كأس الأمم الأفريقية الأخيرة، توجّه أشرف عبدالمنعم برفقة اثنين من أصدقائه، نحو مقهى "ميادة" في قرية تسمّى "الشُطبية"، وهي قرية صغيرة تقع على الطريق الزراعي الرابط بين محافظة سوهاج، ومدينة نجع حمادي، وتشتهر بزراعة شجر المانجو.
تفتقد مقاهي المدينة للهدوء ولحميمية الموجودة في مقاهي القرية، حسبما يرى عبدالمنعم، الذي ينتقد مقاهي المدينة: "لما بنقعد في مقهى في المدينة، بنبقى كأننا قاعدين وسط الشارع، من دوشة الناس والعربيات، غير إن الترابيزات جنب بعض"، لكن في مقاهي القرى تكون المساحات واسعة والخضرة موجودة حيث أشجار المانجو والنخيل.
في مقهى "ميادة" توجد طاولة بلياردو، وأخرى للـ"بينغ بونغ"، والأماكن المخصصة للجلوس مأخوذة من روح القرية؛ حيث يجلس الزبائن على ما يُسمى بـ"الدكة"، وهي عبارة عن مقعد يتّسع لثلاثة أو أربعة أشخاص، وتُصنع "الدكة" من الخشب، وتشبه "الكنبة"، لكنها ذات مداد خشبي، توضع عليه "المساندُ" ليتكّئ عليها الجالس.
مع انتشار مقاهي القرى، عمل العائدون من السياحة الأجنبية في مصر، في هذه "المقاهي المودرن"، مقدمين مشروبات متنوعة أكثر ممّا كانت تشمله مقاهي القرى في السابق، مع جودة عالية، وبأسعار غير مبالغ فيها كما هو الحال في مقاهي المدينة
الميزة الأخرى التي يراها عبد المنعم وأصدقاؤه في مقاهي القرى، هي أن الخدمة المقدّمة فيها "ممتازة"، وسعرها مناسب مقارنة بالمدينة، موضحاً أن العاملين في هذه المقاهي كانوا يعملون في المدن السياحية، ومع تراجع حركة السياحة الأجنبية في مصر، عادوا إلى قراهم.
ومع انتشار مقاهي القرى، عمل العائدون من السياحة، -وفق قول عبد المنعم- في هذه "المقاهي المودرن"، مقدمين مشروبات متنوعة أكثر ممّا كانت تشمله مقاهي القرى في السابق، مع جودة عالية، وبأسعار غير مبالغ فيها كما هو الحال في مقاهي المدينة.
من جانبها، تقول الدكتورة سامية خضر صالح، أستاذة علم الاجتماع في جامعة عين شمس، لرصيف22، إن مقاهي القرى شيءٌ طبيعي في ظل التطور الاجتماعي والاقتصادي الذي يشهده المجتمع ككلّ، وتطوُّر العالم من حولنا إثرَ انتشار الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي، مشيرة إلى أن هذا التطوُّرَ انعكس على القرى، ولكن بدرجات متفاوتة.
وأكّدت أستاذة علم الاجتماع أن التغيرات التي تشهدها القرى في مصر لن يستطيع أحد أن يُوقفها في ظلّ التقدّم الذي يشهده العالم، خاصة التقدم التكونولوجي الناتج عن العولمة، لافتة إلى أنه مع هذا التطوّر الخطير اللامتناهي والمستمرّ، بدأت القرى تتغير.
لكن صالح تطرّقت إلى تأثيرٍ سلبي قد تتركه هذه المقاهي الموجودة في القرى، وهي استمرارها في العمل ليلاً حتى الساعات الأولى من صباح اليوم التالي، ما قد يؤثر على أهل القرية الذين يعملون في الزراعة، مشدّدة على ضرورة أن تضع/تنفّذ الدولة القوانين والخطوط العريضة لتوعية المواطنين، حتى لا تكون هناك تأثيرات سلبية على المجتمع.
من قرى الصعيد إلى القاهرة
لا يحب الشاب الثلاثيني إيهاب صابر، الجلوس في المقاهي، مفضلاً "قعدة القهوة البلدي" لأنها مريحة، ويجد فيها ألفة أكثر، كما أن أسعارها مناسبة، في حين يشعر بأنه يتعرض للنصب في الـ"كوفي شوب"، نظراً للأسعار التي تكون مرتفعة جداً.
يعترف صابر الذي يعمل صحفياً بأن الفروق بين مقاهي القرى وبعض مقاهي القاهرة تكون قليلة تقريباً، غير أن مقاهي المدينة تبقى مغلقة، وهو لا يحب "الأماكن المقفولة"، لذا تُعدّ "القهوة" خياراً أفضل لأنها تكون غالباً في أماكن مفتوحة وكراسيها وطاولاتها تكون مصفوفة في الشوارع.
وبالرغم من ذلك، يجلس صابر في الـ"كوفي شوب"، إذا كان بحاجة إلى مكان هادئ للحديث مع أحد الأصدقاء في أمر مهم، لكن ذلك ليس من أجل تقضية الوقت كما هو الحال بالنسبة للمقهى في القرية.
رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.
لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.
انضم/ي إلى المناقشة
مستخدم مجهول -
منذ 14 ساعةاول مرة اعرف ان المحل اغلق كنت اعمل به فترة الدراسة في الاجازات الصيفية اعوام 2000 و 2003 و كانت...
Apple User -
منذ يومينl
Frances Putter -
منذ يومينyou insist on portraying Nasrallah as a shia leader for a shia community. He is well beyond this....
Batoul Zalzale -
منذ 4 أيامأسلوب الكتابة جميل جدا ❤️ تابعي!
أحمد ناظر -
منذ 4 أيامتماما هذا ما نريده من متحف لفيروز .. نريد متحفا يخبرنا عن لبنان من منظور ٱخر .. مقال جميل ❤️?
الواثق طه -
منذ 4 أيامغالبية ما ذكرت لا يستحق تسميته اصطلاحا بالحوار. هي محردة من هذه الصفة، وأقرب إلى التلقين الحزبي،...