شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

اشترك/ ي وشارك/ ي!
يُلدغ الغزيّ من أكثر من جحر... عن تجار الحرب على غزة

يُلدغ الغزيّ من أكثر من جحر... عن تجار الحرب على غزة

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

حياة

الثلاثاء 5 مارس 202410:38 ص

يخرج النازح أبو أحمد البطنيجي (46 عاماً) إلى منطقة العودة وسط رفح. يمشي بحثاً عن حاجات البيت. فيعود مصدوماً، غير قادر على الكلام. "أعود وفي داخلي حسرة كبيرة على ما يحدث في حقنا. فليس معقولاً أن يتاجر البعض فينا. يروننا نغرق ويتعمدون دفع رؤوسنا للأسفل داخل الماء"، يقول مختزلاً حاله.

ما يحدث داخل غزة قد يشكل حرباً أخرى لا يراها العالم أمام آلة القتل الإسرائيلية. فبالإضافة إلى الخوف والتهجير والفقد، يظهر تجار الحروب الذين يحتكرون البضائع، وأحياناً المساعدات، ويرفعون أسعارها، لدرجة أن بعض السلع تضاعف سعرها خمسين مرة.  يضاف هذا الاستغلال والسمسرة في موضوع المساعدات إلى الأحمال الثقيلة التي تواجه الغزيين في محاولاتهم اليومية للنجاة، سواءً في البحث عن قوت يومهم، أو في البحث عن سبيل للنجاة الجسدية بعائلاتهم وأطفالهم من نار الحرب. فالخروج من المعبر الوحيد المتاح، وهو معبر رفح، كان فرصة لاستغلال رغبة الغزيين في عبوره من قبل شركة "هلا"، التي ضاعفت بحسب التقارير، تسعيرة خروج الفلسطينيين بـ14ضعفاً منذ بداية الحرب. ذلك قبل أن توقف أجهزة الأمن المصرية عمل هذه الشركة في المعبر بعد الضجة التي أثيرت. لكن يبدو أن المستفيدين كانوا كثراً، فقد اطلعنا في رصيف22 على تجارب خُدع فيها فلسطينيون من قبل أفراد ادعوا بأنهم يمتلكون النفوذ على المعبر، فسرقوا أموالاً حولها غزيون إلى حساباتهم، ثم اختفوا تماماً.

ولعل الحرب الاقتصادية التي يكابدها الفلسطيني في غزة من أبناء جلدته وقوميته، سيما بعد أن فقد رزقه وماله وبيته ومستقبله، لا تقل مضاضةً عن حرب النار الآتية من عدوه.

فوضى السوق وغياب المسؤولين

يتساءل أبو أحمد البطنيجي: هل من المعقول أن يصل سعر صندوق البيض إلى ما يعادل 30 دولاراً، وأن يبلغ سعر كيلو حليب الأطفال 14 دولاراً بعد أن كان ثلاثة دولارات؟ وهل يتخيل العقل أن يصل سعر كيس الطحين في شمال غزة إلى 800 دولار؟ لقد تسبّب غلاء الأسعار بنكبة مادية للغزيين، في ظل فقدانهم أرزاقهم وأشغالهم خلال الحرب. بينما أصبح بعض التجار الغزيين مشاركين في استنزاف الناس وتجويعهم وسلب أموالهم. "ما يحدث بحقنا يجعلنا غير قادرين على الصمود، ويهدر القليل الذي تبقى معنا من المال. فنحن لا نستطيع التعايش مع هذه الأسعار، خاصة أن أعمالنا متوقفة، ولا يتوفر لنا أيّ دخل مادي". يقول أبو أحمد لرصيف22. ويتابع: "أستغرب من حدوث هذا الفجور من التجار. من ناحية أخرى، لم يتقدم أحد ممن يعتبرون أنفسهم مسؤولين، ليوقف هذه الكارثة بحقنا. وأقول لوزارة الاقتصاد في حكومة غزة، هذا اعتداء صارخ على حياتنا ومقدراتنا، بل وسرقة بشكل ممنهج لما تبقى من أموالنا. ففي الوقت الذي توقفت فيه الحياة في غزة بفعل حرب لا أهداف لها سوى العبث، أصبحت قيمة المائة دولار الشرائية في غزة لا تتعدى 20 دولاراً بفعل الغلاء الفاحش. لمصلحة من يتم العمل على إفلاسنا؟ من المستفيد من هذا التجويع الحقيقي للناس المنكوبين في قطاع غزة؟"

 لم يتقدم أحد ممن يعتبرون أنفسهم مسؤولين، ليوقف هذه الكارثة بحقنا. وأقول لوزارة الاقتصاد في حكومة غزة، هذا اعتداء صارخ على حياتنا ومقدراتنا، بل وسرقة بشكل ممنهج لما تبقى من أموالنا

يتحدّث أبو أحمد، كذلك، عن المعاناة التي يواجهها الناس في التعامل مع البنوك، فيقول: "حين نذهب لسحب أموالنا من البنوك، فإننا نواجه سرقة أخرى، غالباً ما تقفل البنوك صرافتها في وجوهنا، وإن تواجدت فالازدحام عليها يكون جنونياً. وفوق كل ذلك، يتم تخبئة عملة الدولار، وإجبارنا على سحب عملة الشيكل، وهو ما يجعلنا نخسر كثيراً حال إعادة تصريفها للدولار مرة أخرى بفعل اختلاف السعر في السوق السوداء".

يؤكد أبو أحمد على أن عدم مقدرة الغزيين على سحب أموالهم من البنوك، يضطرهم إلى سحبها من محالّ الصرافة عبر البطاقات الذكية. وفي هذه الحالة، عليهم دفع عمولة تصل إلى 7 بالمئة "وكأنها حلقة من تجار الحروب، جميعهم يتكالبون من أجل تفريغنا من المال".

النجاة باهظة الثمن

استقبلت مصر منذ بدء الحرب أكثر من 1400 مصاب ومريض بهدف علاجهم بالمستشفيات المصرية وبعض الدول العربية. علماً بأن عدد المصابين وصل إلى 70 ألف مصاب. وعلى الرغم من أن تقارير نُشرت تفيد بأن أجهزة الأمن المصرية أبلغت شركة "هلا" بإنهاء تعامل الشركة في الملف الذي يُعرف بـ”تنسيق هلا”، بعد الضجة التي أثيرت، إلا أن أعداداً كبيرة من الغزيين دفعوا أثماناً باهظة مقابل الاحتيال الذي وثقته تجاربهم.

كلن لميمي ثابت (36 عاماً) تجربة مع شركة "هلا"، فتقول لرصيف22: "لقد كانت هذه الشركة أداة حرب أخرى تُضاف على كاهلنا، بالإضافة إلى أدوات الخوف وعدم الأمان والتشريد والجوع وغلاء الأسعار". تقدّمت ميمي لوالدتها بطلب تنسيق خروج عبر شركة "هلا" المصرية العاملة في قطاع غزة. "لقد توجهنا للشركة، بهدف إخراج أمي خلال الحرب إلى الإمارات، إذ أنّها تواجدت في غزّة بهدف زيارة أبنائها وبناتها، وحين بدأت الحرب، فضلت العودة لمكان سكنها. فطالبتنا شركة "هلا" بدفع 5000دولار ثمن نجاتها، في طريقة أعتبزها ابتزازاً لا أخلاقياً. فهم يعلمون أن الوضع المعيشي لمعظم السكان في غزة لا يؤهلهم لدفع مثل هذا المبالغ. إلا أننا اضطررنا للخضوع ودفعنا مبلغ 650 دولاراً كمقدم للشركة بهدف البدء في إجراءات التنسيق. لكن ما حدث كان صدمة أخرى"، تقول ميمي التي أكدت أن أياماً طويلة مرت دون أن يتم إدراج اسم والدتها في كشوفات التنسيق لمعبر رفح. وكلما سألت هي وعائلتها عن سبب التأخير، تجيبهم الشركة بوجود شغط في عدد المتوجهين بطلبات السفر.

في الوقت الذي توقفت فيه الحياة في غزة بفعل حرب لا أهداف لها سوى العبث، أصبحت قيمة المائة دولار الشرائية في غزة لا تتعدى 20 دولاراً بفعل الغلاء الفاحش

وتضيف ميمي: "صدمنا، كذلك، لأننا ومنذ أكثر من شهرين نطالب باستعادة المقدم الذي قمنا بدفعه للشركة، وإلى الآن يماطلون في رده، بحجج غير مقنعة. لم نعد نحتاج تنسيقهم اللعين. فقد تمكنا أخيراً من إخراج أمي من خلال تنسيقات كشوفات الإقامة الإماراتية، ونجت بحياتها". وتتساءل ميمي كيف بشركة مصرية أن تفاوض على ثمن حياة الفلسطينيين بدلاً عن تسهيل عبورهم إلى مصر في ظل هذه الحرب الشعواء.

فخاخ سرقة جديدة أمام الغزيين

واجه محمد صافي (41 عاماً) تجربة مغايرة مع تجار الحروب. إذ خاض رحلة خديعة من قبل شخص مجهول الهوية يقيم في تركيا. وكان تعثر محمد برابط على الإنترنت لتنسيقات معبر رفح، أوصله لمحادثة عبر الواتس أب مع الشخص المجهول. طلب هذا من محمد دفع مقدم قدره خمسة آلاف دولار من أصل عشرين ألفاً، مقابل التنسيق لخروج عائلته المكونة من أربعة أفراد. يقول محمد: "لقد زوّدني هذا النصاب بكشف لتنسيقات شركة "هلا"، قبل صدروه بيوم. وبالفعل، في اليوم التالي، وجدت الكشف ذاته على مواقع التواصل الاجتماعي، وهو ما أزال قلقي حول إمكانية خداعه لي. فقمت بتحويل المبلغ إليه. تواصلت معه لعدة أيام وكان كل يوم يخبرني باقتراب دخول اسمي لكشوفات السفر. بل وكان يطالبني بأسماء جديدة لأصدقاء ولأفراد من العائلة، كي يعمل على مساعدتهم في التنسيق. وحين لم يجد مني استجابة، قام بحظري، فعرفت وقتها بأنني تعرضت لتجربة نصب مؤكد". يتساءل محمد: "كيف علم الشخص بالكشف المسبق قبل صدوره بيوم من الشركة؟ من الذي يقوم بتزويده بالأسماء، ليشرع بمخادعة الناس وسرقة أموالهم؟".

لم يحصل في التاريخ أن تعاملت دولة مع كارثة دولة جارة بهذه الطريقة المؤسفة

إذن، كيف ينجو المرء؟

اتجه الفلسطينيون للبحث عن سبل أخرى للنجاة، فمنهم من فكر كيف سيعيد بناء بيته بعد الحرب، ومنهم من فكر بالهجرة من غزة للعالم، وآخرون حاولوا السفر المؤقت. لكن لم يكن أمام هؤلاء سوى طريق واحدة آمنة وهي جمع التبرعات العامة. فامتلأ موقع "غو فاند" العالمي بحملات نشرها أناس من غزة بهدف جمع المال للسفر وإنقاذ عائلاتهم من تروس الحرب.

يقول الكاتب والباحث الغزي كريم أبو الروس، المقيم في بلجيكا، لرصيف22: "لقد أنشأت هذه الحملة بعدما تعرض بيت العائلة للقصف خلال الحرب، واستشهد بعضهم. هدفي من الحملة هو النجاة بمن تبقى من عائلتي، لأنني لا أحتمل أن أفقد المزيد منهم". يتطلب خروج عائلة كريم من غزة جمع مبلغ قدر عشرين ألف دولار. لكنه لم يتمكن حتى اللحظة من جمعه. لكنه يؤكد، بالرغم من ذلك، بأن اللجوء إلى حملات التبرعات العامة جاء بسبب فقدان الناس لكافة مقدراتهم المالية، وتعب العمر، خلال القصف الهمجي للاحتلال طيلة الحرب، وهو أمر طبيعي في ظل الظروف الكارثية التي يمر بها أهل غزة.

ويضيف: "ما يحدث على معبر رفح هو سجن للفلسطينيين. والمطالبات المالية الطائلة من أجل المرور إلى مصر تعتبر تجارة حرب حقيقية بدماء الناس ومعاناتهم. أستغرب من عدم تدخل أي طرف حكومي فلسطيني أو مصري أو عربي لإيقاف هذه المهزلة، ومنع هذا الاتجار بدماء الناس. فلم يحصل في التاريخ أن تعاملت دولة مع كارثة دولة جارة بهذه الطريقة المؤسفة".

إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

Website by WhiteBeard