شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

انضمّ/ ي إلى ناسك!

"أريد تقبيل عظامه"... كيف سيودّع الغزيّون أحبّتهم المتحلّلين تحت الأنقاض؟

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

حياة

السبت 17 فبراير 202412:26 م

لحظة وداع خديجة العامودي (55 عاماً) لابنها، أو لجسد ابنها، أو لجثّة ابنها المتحلّلة، لم تحن بعد. قصف الاحتلال الإسرائيلي بيت العائلة في شمال مدينة غزة، وظلّ سعد (22 عاماً) عالقاً تحت ركامه. "لم أصدق ما حدث، وكأنّي في كابوس لا يتوقف. وأتمنّى لو أنّ أحدهم جاء ليوقظني حتّى أتخلص من الألم"، تقول خديجة لرصيف22، وتردف: "أعلم أن ابني، الذي ربيته بالخوف والقلق والحب الكبير، تحت ردم منزلنا الذي نجونا منه بأعجوبة أنا ووالده وإخوانه. ويكاد عقلي يتوقف كلّما فكرت بالأمر. ابني فلذة كبدي، يموت منذ أكثر من شهر ونصف، ولا أستطيع دفنه".

إنّ رهبة لحظة الوداع، فالدفن، والتي لم تحن عند خديجة وعند عشرات الآلاف من الغزيين، تأخذ بالتعاظم، فتفاقم الألم والحزن إلى حدّ لا يمكن إنساناً تحمّله. صحيح أنّ الميت الذي يغادر العالم يترك وجعاً كبيراً لأحبائه وذويه، إلا أن لحظة دفنه تكون بمثابة طقس لإنهاء رحلة جسده. وفي هذا الطقس إنهاء لعلاقته الجسديّة بأحبته الأحياء، أيضاً. تلك اللحظة تخبر الإنسان بأن الوداع قد حان فعلاً. وقد تكون فكرة إغلاق القبر على الجسد قاسية، لكنها رحيمة في نفس الوقت. ربّما يحمل الأحياء جبلاً من العذاب، لكنه سيتطاير مع الوقت، ويتحول الميت إلى ذكريات. لكن في حرب غزة، هنالك آلاف الشهداء، الذين من الصعب التحقٍّق من عددهم، يقبعون تحت الأنقاض. ومع مرور وقت قصير، تبدأ أجسادهم بالتحلّل. فبأيّ طريقة يودّعهم أحبّتهم الأحياء؟ وكيف يكون الحداد عليهم؟

أمّهات يعشن مع خيالهنّ عن أبنائهنّ تحت الركام

تقول خديجة، أم سعد: "ينتابني، كل لحظة، شعور متفائل، بأن ابني هرب من المنزل قبل القصف. فقد كان دائم الخروج من المنزل ليلاً، وغالباً ما نكون وقتذاك نائمين. كثيراً ما كنت أدخل غرفته فلا أجده في المنزل بعد منتصف الليل. أتمنى لو أن هذا ما حدث في تلك الليلة المشؤومة". وتضيف: "لكنني في لحظات كثيرة أشعر أن قلبي ينفجر من شدة الحيرة، فأتخيّل جسد ابني تحت الركام، أتخيّله وقد تفتّتت خلاياه بفعل القصف وارتطام الحديد والإسمنت بجسده. هذا الشعور يكسرني ويجعلني أجنّ. لن تبرد النار في داخلي ما دام ابني هناك تحت الأنقاض. أعرف أن ما ينتظرني هو أصعب، حين ألتقي بجسده المتحلّل. لكنّي أريد رؤيته بأي حال، أريد تقبيل عظام جسده، أريد لمسها، ولا يهمني ماذا سيكون شعوري حينذاك. ربما سأموت، لكنّي أريد ملامسته، كما كنت أفعل في السّابق، فأشعر بالأمان".

 لن تبرد النار في داخلي ما دام ابني هناك تحت الأنقاض. أعرف أن ما ينتظرني هو أصعب، حين ألتقي بجسده المتحلّل. لكنّي أريد رؤيته بأي حال، أريد تقبيل عظام جسده، أريد لمسها

لا يزال قلب سميحة أحمد (45 عاماً) من شرق مدينة غزة، يتشقّق، هي الأخرى، حزناً على فراق ابنها محمد (19 عاماً). فقدت سميحة ابنها خلال قصف منزلها، وتعيش اليوم حالة عذاب مضاعف بأن قتل ابنها خلال القصف، ثمّ لم تتمكن عائلته من استخراجه من تحت الانقاض حتّى هذه اللحظة، بسبب استمرار القصف على شرق غزة، وعدم توافر أدوات الدفاع المدنيّ للتعامل مع كم أنقاض المباني الرّهيب خلال الحرب. تقول لرصيف22: "حين أخرجني رجال الدفاع المدني من تحت أنقاض منزلنا، كنت أصرخ باسمه: أخرجوا محمد في الغرفة الشمالية، أخرجوه فهو لا يحتمل الأماكن المعتمة، ويضيق نفسه كلّما ضاقت الأماكن. لقد كان يعاني من ضيق النفس منذ ولد. وقفت لوقت طويل أصرخ وأناديه. أدور باتجاه الغرفة المهدومة على جسده. خرج أخوه من نفس الغرفة، وخرجت ابنتي من الغرفة المجاورة، وبقي هو تحت الركام. أتخيله وهو يختنق حتى هذه اللحظة". كان محمد الابن الأكثر قرباً من والدته، التي اضطرت رغماً عنها إلى أن تنزح إلى جنوب القطاع. "كنت أتوسّل الجميع يعيدوني إلى ركام منزلي، لربما ينادي محمد بصوته الحنون"، تقول، وتردف: "لقد عاش محمد حياة قاسية وحزينة ومليئة بالمرض والتعب. وها هو يموت ميتة قاسية، فلم ينل جسده فرصة أن يدفن كما يدفن الإنسان، وبقي تحت الركام، ليأكله الدود. لست أدرى هل عليّ أن أودعه بعد هذا الوقت؟ هل سأحتمل لحظة رؤية عظام جسده، وقد مضى على قصف المنزل أكثر من شهرين ونصف؟ يا ربي، كأني ألقيت في بئر من العذاب لا أستطيع الخروج منها".

لقد عاش محمد حياة قاسية وحزينة ومليئة بالمرض والتعب. وها هو يموت ميتة قاسية، فلم ينل جسده فرصة أن يدفن كما يدفن الإنسان

قبور مفتوحة وجرح مفتوح

يرى خليل صالح (65 عاماً) أن استشهاد ابنته ديما (23 عاماً)، عند قصف منزله في حي الشجاعية شرق مدينة غزة، وبقاءها ما يقارب ثمانين يوماً تحت ركام المنزل، هو أمر في "قمة البؤس"، وأنه واجه أكبر أشكال الحسرة خلال رحلة نزوحه من منزله، وقد ترك ابنته من دون أن يتأكد أنها حية ترزق أم غادرت الحياة. "مصيرنا نحن الفلسطينيين هو العذاب في الحياة والموت أيضاً. فأنتم لا تعرفون حرقة قلب الأب على الابنة، إنها محرقة حقيقية أواجهها منذ فراق ابنتي التي كانت في ريعان شبابها، وكانت تتهيّأ للزواج"، يقول خليل لرصيف22. ويضيف: "لم أغلق قبر ابنتي بعد. وطالما أن ذلك لم يحدث، فأنا على أمل لقائها مرة أخرى. كانت البنت الحنونة على والدها، الناعمة الجميلة، تضحك معي وتمازحني طوال الوقت. ولم أكن أتخيّل أن أرى وترى هي لحظة بائسة كهذه. لم أتخيّل أنّ جسدها سيبقى تحت أنقاض منزلي الذي بنيته بيدي، هو ذاته الذي انهار عليها ليقتلها بفعل وحشيّة الاحتلال وعدم إنسانيته".

لم أغلق قبر ابنتي بعد. وطالما أن ذلك لم يحدث، فأنا على أمل لقائها مرة أخرى

يؤكد الأب المكلوم أن العالم كلّه لن يعوّضه بشاعة ما حدث لابنته، فيقول: "حتّى لو دفنتها لاحقاً، ستبقى الصورة المؤلمة لجسدها وهو تحت الردم في خيالي. أتخيل أنها حاولت النجاة بروحها، وجاهدت من أجل الخروج من بين الإسمنت، لكنها لم تستطع. ولم أستطع أن أساعدها، لأنني كنت في الحالة ذاتها. تمكن رجال الإنقاذ من تخليصي، لكنهم لم يصلوا إليها. يا ليت العكس ما قد حدث، وأخرجوها بدلاً مني، فالحياة كانت أمامها، بينما أنا فحياتي صارت ورائي".

إن ما حدث مع أم سعد وأم محمد وأبو ديما، وغيرهم الآلاف، يعد حالة غريبة على النّفس البشريّة في سياقات الحزن الذي يفجّره الفقد. فسنّة الحياة أن يدفن الابن أباه أو أمه، لا العكس. ولا يتوقف الأمر عند انعكاس ترتيب الموت زمنياً، بل إنّ قبور هؤلاء الأبناء لم تقفل بعد كي تبدأ رحلة الحداد والوداع الطبيعيّة. كذلك، فإنّ خيال الأمّهات والآباء عن صور أرواح وأجساد أبنائهم وبناتهم تحت الركام ستبقى حالة قهر غير قابلة للنسيان. يؤكد هؤلاء المكلومون والمكلومات أنّهم حتى وإن أغلقوا حدث الموت بطقس الوداع، واستمرت حيواتهم، فسيظلّ المشهد شديد القسوة على قلوبهم، وإثره ستبقى رحلة الشقاء والحزن، على فلذات الأكباد، مستمرة.

إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

Website by WhiteBeard