شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

اشترك/ ي وشارك/ ي!

"اسمه جسر السيّد الرئيس"… عن دمشق تروما القمع والمكان

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

سياسة نحن والبيئة

الخميس 29 فبراير 202402:59 م

"أوقفت سيارة أجرة 'تاكسي'، وقلت للسائق: 'جسر الرئيس، لو سمحت'، فنظر إليّ باحتقارٍ وقرف، ما ولّد لدي الكثير من الخوف، أو بكلمةٍ أدق 'خريطت'، وبدأ الرعبُ يسيطر على أفكاري: 'هل زوّدوا سائقي سيارات الأجرة بأجهزة حديثة يميّزون بها 'المواطنة الصالحة' من 'المواطنة المُندسّة'؟ هل دخلنا أخيراً عصر الأتمتة الموعود؟"؛ تروي الناشطة النسوية السورية آلاء عامر، وتسأل.

وتضيف في حديثها إلى رصيف22، عما جرى معها في بداية الثورة: "بعد بضعة أمتار، كسر السائق الصمت قائلاً بنبرة الرفيق المؤدب 'اسمه جسر السيد الرئيس'، فما كان مني إلّا أن هززتُ رأسي موافقةً بجوارحي كلها، فالمهم ألا يأخذني إلى أحد الأفرع الأمنية. لكن السائق لم يرضَ عن أدائي، ولم يقتنع بهزّة الرأس كفرضٍ من فروض الطاعة، فسألني بنبرة المُعلم: 'شو اسمه؟'، فأجبتُ مُتصنعةً الثقة قدر المستطاع: 'جسر السيد الرئيس'، مع اضطراري إلى مجاراته طوال الطريق بالحديث عن إنجازات 'باني سوريا الحديثة'".

يشكّل "جسر الرئيس" مَعلمَاً مضاعفاً للمأساة السورية، إذ تجمّع تحته أهالي المعتقلين السياسيين والمُغيبين قسرياً مُنتظرين خروج أبنائهم بعد عفوٍ رئاسيّ في أيار/ مايو 2022، ثم عادوا خائبين، وهو تجمّع وصفه الإعلام الرسميّ على لسان أحد المحللين، بالفوضى وتعطيل حركة السير ومصالح الناس، مُستغرباً انسياقهم وراء منشورات فيسبوك، حيث نشرت بعض الصفحات حينها قوائم أسماء لمُعتقلين يُتوقّع أن يشملهم العفو.

وتحت الجسر هذا، انفجَرت أيضاً عبوات ناسفة بحافلات تقلّ عسكريين نظاميين في أكثر من مناسبة.

بين مواطنين مُعارضين ينتظرون إطلاق سراح أبنائهم، وآخرين مؤيدين يستقبلون جثث شبابهم المتفحمة، وجد مواطنون سوريون بعضاً من أغراض منازلهم التي أُخرجوا منها، تُباع على بسطات جسر الرئيس. يؤكد باسل (33 عاماً)، من سكان حرستا، لرصيف22، أنه رأى ألعاب أطفاله التي دوّنوا أسماءهم عليها تُباع على البسطات الممدودة تحت جسر الرئيس، مكتفياً بهذا القدر من التفاصيل، نتيجة الألم البالغ الذي يعتريه كلما تذكّر الحادثة، وهو ما يدفعه لتجنّب المرور بتلك المنطقة قدر الإمكان، أو بأي منطقة تُباع فيها الأغراض المُستعملة، أو ما يُعرف بسوق المستعمل أو البالة، خشية مصادفة أغراض منزله تباع فيها. ويختم حديثه بالقول: "بتُّ أشبّه كل غرضٍ مُستعمل بمقتنياتنا الشخصية".

بين مواطنين مُعارضين ينتظرون إطلاق سراح أبنائهم، وآخرين مؤيدين يستقبلون جثث شبابهم المتفحمة، وجد مواطنون سوريون بعضاً من أغراض منازلهم التي أُخرجوا منها، تُباع على بسطات جسر الرئيس. وتحت الجسر هذا، انفجَرت أيضاً عبوات ناسفة بحافلات تقلّ عسكريين نظاميين في أكثر من مناسبة

تقول الدكتورة (والباحثة النفسية) ثيما براينت ديفيس: "يتجنّب الناس الأشخاص أو الأماكن أو الأشياء الأخرى التي تذكّرهم بالصدمة، والتي تكون نتيجةً للشعور بالعجز واليأس والرعب. ولكنّ تجنّب تلك الأماكن قد لا يكون صحياً على المدى الطويل، لأنه يمنع الناجين من عيش حياة كاملة". وتضيف: "يمكن أن يكون العمل مع أخصائي الصحة العقلية لإعادة الدخول إلى المساحات المادية المرتبطة بالصدمة، جزءاً مهماً من الشفاء من التجربة".

من مظاهر الخدمة العمومية… وهيمنة السلطة أيضاً

تتنهد عامر قائلةً: "منذ ذلك اليوم، وحتى ما بعد خروجي من سوريا، بقي لديّ خوف وتروما من قول الرئيس حاف دون أن تسبقها كلمة السيد، ولو كان المقصد جسراً تفوح منه الروائح 'النفاثة'". فخلال إحدى عشرة سنةً من الغربة خارج دمشق، دأبت على تخزين صورةٍ جميلة لـ"الشام" قبل الثورة، "قبل أن أشمّ رائحة الجثث المحروقة، وقبل أن أنظر من شبّاك غرفتي لأرى الدخان المتصاعد فوق داريا، وأسمع صوت سيارة تقف أمام بناية بيتنا ليعتقل من فيها ابن الجيران. كنت أخاف أن أكون التالية. حاربتُ هذه الذكريات السيئة وقمعتُها في الغربة، فدمشق بالنسبة لي، هي المدينة التي تعرفني وأعرفها، برغم ذكريات القمع والخوف التي دمَغت معالمها. ضعتُ كثيراً في حَوَاري باريس وإسطنبول، وحينها أدركت معنى أن تكون في مدينةٍ تعرفها. ولغاية اليوم، لا زلت أحلم بالسير في شوارع الشام، لأعرّف زوجي التركيّ عليها. أشعر بأن هذا الجزء ضاع مني، ولم يستطع زوجي أن يتعرّف عليه".

تعكس المرافق الحيوية، بالإضافة إلى الخدمات التي تقدمها للناس وتسهيل شؤون حياتهم المُختلفة، هيمنة السلطة على اليومي والبديهيّ، فالأخيرة هي المُخوّلة بالبناء والتعمير أو السماح بهما. ويظهر ذلك بشكل أكثر فجاجةً في الدولة البوليسية، بصفتها "الجسر" الأوحد لعبور المواطن، أو لتفكيره وانتقاله من فكرة إلى أخرى.

تلجأ الحركات الاحتجاجية إلى اختيار المرافق العامة والمهمّة بغية كسر هيمنة الدولة البوليسية من خلال "المكان"، تقابلها القوى الاستبدادية بالعنف للإبقاء على السطوة من المكان نفسه وعليه. وفي حال تم حسم المعركة لمالك السلطة، يتحول المكان أو المَعْلَم، إلى شاهد على النصر المزعوم لدى القوى الاستبدادية، وإلى تروما تُلاحق كل من حاول كسر المَعلَم، جسراً كان أو حاجزاً أو ساحةً أو غيرها.

إلا أن آثار الصدمة لا تنتهي بانتهاء الحدث، فالعودة إلى مكان الصدمة، أو إلى مكان مُشابه له، تثير ردود فعل عاطفية وفيزيولوجية شديدة، وعلى ذلك، يبدو تجنب هذه العودة بمثابة ضمانة بديهية لمزيد من الأذى. مع العلم بأن كل شخص يتعافى أو يتعامل مع هذه الصدمات بطريقة مختلفة، نتيجة معالجته للحدث من خلال منظوره الخاص ومخزون تجاربه الشخصية.

وسواس قهري تحت جسر الرئيس

"جسر السيد الرئيس نقطة علامٍ في مدينة دمشق"؛ حسب مهدي العمر (35 عاماً)، وهو مهندسٌ سوريّ يعيش في النمسا منذ عام 2017. يقول في حديثه إلى رصيف22: "كل يوم، كنت أقضي وقتاً طويلاً في انتظار وصول السرفيس ليقلّني إلى المنزل. كنت أحاول قتل الوقت بالتأمل، وكنتُ أراه خطاً طبقياً وأخلاقياً؛ إذ تمر فوقه السيارات الفارهة لمُحدثي النعمة، وتحته حاجزٌ تصطفّ أمامه طوابير السيارات المدنية والعسكرية 'الأقل رتبةً'، وتعمّ في وسطه فوضى خانقة حيث كلٌّ فرد يريد أن 'يكسر' على جاره. وعلى الدرج المؤدّي إلى الجسر، تتزاحم صورٌ وإعلانات لا رابط بينها سوى التخبط والاضطراب اللذين يعكسان حالة البلاد: 'أحتاج متبرع بكلية'، و'شكراً روسيا'، و'فتاة مفقودة'، و'قطة ضائعة، مكافأة مجزية لمن يجدها'...".

لم يتعرّض مهدي لمواقف قمعية مباشرة، لكنّ سوء الحال الذي وصلت إليه البلاد، بسبب العقلية العسكرية الديكتاتورية، وغياب التخطيط والتنظيم على المستويات كافة، عرّضه لمواقف خطيرة لا تزال آثارها باديةً عليه بعد سبع سنوات من الغربة. يقول: "عشتُ سنوات طفولتي وشبابي في الفقر والخوف من الفقر، والثاني أشدّ من الأول، خاصةً مع الانهيار المتسارع لقدرتنا الشرائية الضعيفة أصلاً. تعرّضتُ لسرقة هاتفي المحمول الذي لم يمضِ على شرائه سوى شهر واحد. بعدها سُرقَت محفظة نقودي، التي تضم بالإضافة إلى النقود بطاقتي الشخصية. الحادثتان كانتا خلال التدافع العنيف الذي يحصل حين يُطلّ السرفيس بعد طول انتظار، وبعدهما تعرّضتُ لمحاولة سرقة ثالثة في المكان نفسه. رأيتُ خلالها شاباً دون الـ18 من العمر يفتح سحاب حقيبتي التي أعلّقها على كتفي".

وعن الآثار النفسية طويلة الأمد، يقول العمر: "واظبتُ بعدها على التأكد من وجود هاتفي المحمول في الجيب الأمامي لبنطالي، و'محفظة النقود' في الجيب الخلفيّ. لمسةٌ على الجيب الأمامي تتلوها أخرى على الجيب الخلفي، هكذا طوال الطريق حتى لو كان خالياً. وهو ما أكسبني سخرية البعض. حاولتُ الإقلاع عن هذه العادة لكنّ قلقاً فظيعاً كان ينتابني عند التوقف عنها، وكنت أرتاح جزئياً عند العودة إليها. وبرغم سفري إلى النمسا، وتحسّن وضعي الماليّ بشكلٍ كبير، بقيت تلك العادة تلازمني، بل ازدادت بشكلٍ أكبر بكثير، ربما بسبب عدم وجود من يسخر مني في شوارع النمسا. سألتُ أحد الأطباء، وهو صديقٌ قديم، فنصحني بزيارة طبيب نفسي، فهذه الحالة قد تكون وسواساً قهريٍاً".

تعكس المرافق الحيوية، بالإضافة إلى الخدمات التي تقدمها للناس وتسهيل شؤون حياتهم المُختلفة، هيمنة السلطة على اليومي والبديهيّ. ويظهر ذلك بشكل أكثر فجاجةً في الدولة البوليسية، بصفتها "الجسر" الأوحد لعبور المواطن، أو لتفكيره وانتقاله من فكرة إلى أخرى. لذا، تلجأ الحركات الاحتجاجية إلى اختيار المرافق العامة والمهمّة بغية كسر هيمنة الدولة البوليسية من خلال "المكان"

من جسر الرئيس إلى الجسر الأبيض، تروي عامر قصةً أخرى: "كنا في مظاهرة في منطقة الجسر الأبيض، وما أن بدأنا بالهتاف بكلمة 'حرية'، حتى هجم عناصر الأمن، وأطلقوا الرصاص علينا مباشرةً دون تهديد أو تحذير؛ 'ما خلّونا نتنفس'. وخلال هروبنا السريع والجماعي، سقطت أرضاً وسقط الناس فوقي، وحينها 'تمكّن عناصر الأمن من إمساك من سقطوا فوقي واعتقالهم فيما تمكّنت من الهرب. تتنهد ثانيةً وتضيف: "قلبي يحترق كلما تذكّرت هذه القصة، نظراً إلى شعوري بالمسؤولية عن اعتقال أشخاص آخرين".

"كم عدد الرؤوس هنا"؟

تقول غزل البالغة من العمر 24 عاماً، وهي دمشقية "شركسية" تعيش في ألمانيا حالياً، وتعمل Graphic designer من بُعد في إحدى الشركات، وهي تروي قصتها لرصيف22: "قبل ثماني سنوات، كنت أعيش في منطقة ركن الدين في دمشق، مهجرّةً من مدينة عدرا العمالية. لم تنتهِ معاناتنا عند التهجير القسريّ، إذ تفاجأنا بنظرةٍ فوقية وتعاملٍ قاسٍ. عانينا كثيراً لإيجاد منزلٍ نستأجره، ليس بسبب قلة البيوت، بل لأننا 'مُهجّرون'، وهم لا يحبون تأجير هذه 'الفئة' من الناس".

لم تقتصر معاناة غزل على نظرة عامة الناس، وفوقيّة المؤجّرين: "على حواجز النظام، يتم التعامل معنا مثل الغنم. ما زلتُ أذكر نظرات العسكريين إلينا على الحواجز وسؤالهم الاستعلائي والمستفز: 'كم راس في هون؟'، وطبعاً لا يوجد من يجرؤ على الردّ، عدا عن التحرش الدائم بي وبأخواتي وبكل الفتيات اللواتي كنّ يعشن في منطقتي. باختصار كانوا يعاملوننا على أننا فتياتٌ رخيصات لأننا مُهجّرات. وما تعلمناه من تلك المواقف هو الصمت والسير السريع الذي يحرّكه الرعب من أي تصرفٍ طائش".

وتتابع: "بعد سنةٍ مأساوية في ركن الدين، قررنا العودة إلى منزلنا في عدرا العمالية، بعد عودتها إلى سيطرة النظام. كان أكثر من نصفها مدمّراً. وحينها، كنا مضطرين إلى تجميع أنفسنا للذهاب إلى المدرسة والوصول إلى الصف، تخفيفاً منا للخوف مع تعذّر ذهاب الواحدةٌ منا بمفردها. ومع ذلك، كنا نتعرّض 'للتلطيش' والتحرش. لقد كُنا 'تسليةً للعسكريين'".

تروي: "هذه المواقف التي كانت تحدث معي، لا تتجاوز مدتها العشر دقائق، ولكني إلى اليوم لم أستطع تجاوزها، لا تزال هذه المواقف تتكرر في داخلي مسببةً لي الخوف ثانيةً'، ولغاية اليوم أنظر دائماً حولي، كلما مشيتُ في الطريق هنا في ألمانيا، برغم عدم وجود حواجز تعاملنا كالأغنام، أو عساكر يتحرشون بنا ويظنوننا رخيصات. وحتى الآن، أشعر بعدم الارتياح عند التعامل مع أي شابٍ هنا في ألمانيا، نتيجة مواقف مخيفة حصلت معي قبل ثماني سنوات ولا ذنب لي فيها".

ومن الجدير ذكره أنّ عدرا العمالية ظلّت عنواناً رئيساً في نشرات أخبار الحرب السورية، حتى بعد انتهاء المعارك فيها نهاية أيلول/ سبتمبر 2014، إذ استمرّت حكايات الناجين فيها تبثّ الرعب. فقد أحدثت معاركها هزّةً قويةً في عمق الحاضنة الطائفية للنظام، بسبب العنف المُفرط من طرفَي النزاع، وإقدام بعض عناصر اللجان الشعبية على تفجير أنفسهم بأطفالهم وعائلاتهم خوفاً من الاعتداء والاغتصاب من قبل الفصائل المُسلحة. واتهام النظام باستغلال مأساة مؤيديه المُحاصرين في عدرا إعلامياً لكسب التعاطف الدوليّ. ولعل هذا قد يُفسّر، ولو جزئياً، ما تعرّضت له غزل من مضايقات وتحرش بعد عودتها إلى منزلها.

هل لدمشق ذنبٌ حقاً؟

ترك فراس سارة (44 عاماً)، وهو اسمٌ مُستعار لكاتبٍ وشاعرٍ دمشقيّ، مدينته بعد استفحال الظلم والقهر والقمع فيها، وخسارة إحدى حواسه على إثرها. لكنه فشل في البوح به، فـ"ما شاهدته وما حدث أمامي أصعب من أن يُقال. أخشى الكلام. أخاف أن تخونني الكلمات والتعابير فأقلل من المعاناة والظلم اللذين وقعا عليّ وشهدتهما على من حولي، بغير قصد". ما يوحي بأن ما ورد أعلاه غرفة من بحر، وأن ما خفي أعظم وأشدّ وطأةً ووحشيةً، فكل ما نسمعه من شهادات حول القمع هو رأس جبل الجليد الظاهر والمرئي، فيما الباقي تغطيه المياه، أو الأفواه مع الصدور المقفلة .

وفي حديثه إلى رصيف22، عن دمشق، يُمكن ملاحظة حجم التروما التي لا تزال تُلمّ به: "دمشق ليست الياسمين والنهر وبيوتاً تتكئ ونوافذ تتجاور. إنها مبولة هائلة وثكنة ونادٍ للضباط يصدح ليل نهار، وأجهزة مخابرات وسبعة عشر نوعاً للأمن الذي يتوزع على ثلاثة وعشرين ميداناً. ماتت دمشق منذ زمن بعيد. آخر ظهور لها كان في بداية الستينيات".

"عندما تدور أسئلة ونقاشات إن كانت دمشق مدينةً جميلةً أم لا؟ أجيب دائماً: 'دمشق مدينتي'. الجميل فيها هو ذكرياتي وأصدقائي وعائلتي والقبيح فيها هو الظرف. وحقيقةً نحن نظلم مدينة دمشق، ومدننا السورية بشكل عام، حيث تختلط علينا التروما ونُحمّلها على كاهل المكان، لكنّ المكان لا ذنب له في ذلك"

عن تجربتها المريرة مع القمع، تروي الطبيبة والباحثة النفسية وفاء سلطان، لرصيف22، قصة طلاقها مع دمشق منذ منتصف ثمانينيات القرن المنصرم. تقول: "كنتُ وزوجي مندفعين للحياة بروح شابة مفعمة بالطاقة والأمل. اشترينا شقةً صغيرةً في بناية يملكها أبو حسين، الذي كان عديله (أخو زوجته) ضابطاً كبيراً في الجيش السوري! وكثيراً ما كان يوقظنا في منتصف الليل لإشعال الضوء لعديله "اللواء" كي يغادر. كان يزعجنا منظر كومة الزبالة يومياً على باب البناية. وبالشكوى لأبي حسين من هذا الأمر، رد بغضب: 'لا أعرف أي ابن حرام يفعلها!'. وتضيف: "في أحد الأيام، اضطر زوجي إلى مغادرة المنزل مع بزوغ الفجر، ليضبط حينها أبا حسين بالجرم المشهود، ويكتشف أنه ابن الحرام الذي يرمي الزبالة أمام مدخل البناية! متكاسلاً عن السير عشرين متراً للوصول إلى حاوية الزبالة ورميها فيها". وتتساءل: "ما الذي يردعه عن ذلك؟ قريبه ضابط كبير، وهذا الأمر يخوّله -طبعاً من وجهة نظره- بأن يمارس ديكتاتوريته".

على أثر ذلك، "نشبت معركة كلامية بين زوجي وأبي حسين، ما دفع بالأخير للهجوم على زوجي وضربه وهو يزعق: 'ما عجبك انقلع يا ابن الـ...'". لذا، "تركنا له الوطن وانقلعنا"، تقول الطبيبة وهي تتابع توصيف الصورة النفسية المُزرية لزوجها بعد إهانته من قريب الضابط، وكيف أنّ مغادرته دمشق والأجواء السورية هدّأت من روعه قليلاً: "كان أبو حسين القشة التي قصمت ظهر البعير، بعد أن هدّته أطنان من الأثقال. صورة زوجي في تلك اللحظة حفرت أخاديد على جدران ذاكرتي، وقف أمامي شاباً غضاً محبطاً، بل مسحوقاً حتى العظم، وبعدها كان يُحلق على متن طائرة اللوفتهانزا المتجهة من دمشق إلى لوس أنجلوس، وهما مدينتان يفصل بينهما أربعة عشر قرناً من الزمن، ومئة سنة ضوئية على أرض الواقع! ظل يرتجف في مقعده، لم تسترخِ أعصابه حتى أيقن أنّ الطائرة غادرت الأجواء السورية، وتلاشى مع دخانها خط الرجعة".

في دفاعه عن دمشق المكان، يقول عمار دبا، لرصيف22، وهو ستاند-آب كوميديان وبودكاستر سوري من دمشق يعيش حالياً في هولندا: "دمشق مدينتي، أنا ابن حي الصالحية، في الجزء الشمالي من المدينة، والذي يحظى باهتمام أكثر من الجزء الجنوبي بشكل عام. وعندما تدور أسئلة ونقاشات إن كانت دمشق مدينةً جميلةً أم لا؟ أجيب دائماً: 'دمشق مدينتي'. الجميل فيها هو ذكرياتي وأصدقائي وعائلتي والقبيح فيها هو الظرف. وحقيقةً نحن نظلم مدينة دمشق، ومدننا السورية بشكل عام، حيث تختلط علينا التروما ونُحمّلها على كاهل المكان، لكنّ المكان لا ذنب له في ذلك".

يختم دبا قائلاً: "خرجتُ من دمشق في 2005، ليس لأنني أكرهها وإنما بسبب الظروف 'فأنا لا أريد أداء الخدمة العسكرية الإلزامية'. كنت أتعرّض للكثير من الانتقادات والسخرية حين أعبّر عن اشتياقي إلى دمشق، 'يا أخي أنا مشتاق إلى حاويات الزبالة، مشتاق إلى رائحة الأبوال تحت جسر الرئيس، ما علاقتكم بمشاعري؟'. أشتاق إلى حارتي، إلى أصدقائي وذكرياتي برغم علمي بأنّ ما أشتاق إليه لم يعد موجوداً. وبالرغم من التروما الكبيرة من دمشق وعموم سوريا، إلا أنني أحزن كثيراً حين سماع كلام مثل 'سوريا دمّرتني أو الشام قتلتنا'، فلا ذنب للشام ولسوريا في ذلك، المسؤولية يتحملها من تسبّب في هذه الظروف السيئة، من بيده السلطة والقوة؛ النظام الذي أهمل دمشق والبلد بشكل عام. وجوّع الناس وأوصلنا إلى هذه الحال".


رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

WhatsApp Channel WhatsApp Channel

البيئة هي كل ما حولنا، وهي، للأسف، تتغير اليوم باستمرار، وفي كثير من الأحيان نحو الأسوأ، وهنا يأتي دورنا كصحافيين: لرفع الوعي بما يحدث في العالم من تغييرات بيئية ومناخية وبآثار تلك التغييرات علينا، وتبسيط المفاهيم البيئية كي يكون الجميع قادرين على فهمها ومعرفة ما يدور حولهم، وأيضاً للتأكيد على الدور الذي يمكن للجميع القيام به لتحسين الكثير من الأمور في حياتنا اليومية.

Website by WhiteBeard