عبّئوا دموعكم في زجاجات، وتعالوا جميعاً إلى تحت جسر الرئيس

السبت 7 مايو 202211:49 ص

مع عيد الفطر السعيد، أتى فرمان السلطان، فأذاعته مآذن المدينة: "أوقدوا الشموس، وانقروا الدفوف، واقرعوا الطبول، فجناب السلطان المعظم، قدس الله سرّه، وحفظه للأمة ورعاه، قرر أن يعفو عن كل المساجين ‘الإرهابيين’ الذين لم تتلطخ أيديهم بدماء الأبرياء".

سرى الخبر في المدينة، فرقصت أفئدة الأمهات؛ هل حقاً ابني حيّ؟ هل هو حقاً موجود في صيدنايا؟ ما أقبح هذا الاسم! هل حقاً سأراه؟ أين سأراه؟ كم المسافة من بيتنا حتى باب السجن؟ سأزحف نحوه، أهو بخير؟ هل سيعرفني؟ هل سأعرفه؟ الآن صار عمره 23 سنةً. عشر سنوات، وربّ إبراهيم كانت عشرة دهور! ألَهُ لحية وشاربان؟ قديش وزنه؟ طوله؟

أنا لدي اثنان عندهم، تقول أمٌ ثانية...

وأنا ثلاثة.

وأنا زوجي وأخي.

وأنا أبي وعمي وأبناؤه.

وأنا أخوالي الثلاثة...

كأن صوتاً ما، ربما صوت الاستبداد، نادى في دمشق صبيحة العيد:

"أيتها الأرملة

أيتها الثكلى

أيها الأب المكلوم

سرى الخبر في المدينة، فرقصت أفئدة الأمهات؛ هل حقاً ابني حيّ؟ هل هو حقاً موجود في صيدنايا؟ ما أقبح هذا الاسم! هل حقاً سأراه؟ أين سأراه؟ كم المسافة من بيتنا حتى باب السجن؟ سأزحف نحوه، أهو بخير؟ هل سيعرفني؟ هل سأعرفه؟ 

عبّئوا دموعكم في زجاجات، وتعالوا جميعاً إلى تحت جسر الرئيس. تعالوا وانتظروا قدوم فلذات أكبادكم من صيدنايا، أو أزواجكم، أو أشقائكم، كما دأبتم على فعل هذا الأمر خلال كل هذه السنوات، لعلّهم أحياء يرزقون، بعدما أقمتم عليهم صلاة الغائب حين وصل خبر وفاتهم. لعلهم أحياء. هيا، تعالي أيتها الثكلى، نحو ذلك الجسر، تعالي، واصحبي معك الأحباب والأصحاب".

يبكي المرء في التعليق على صور الناس المتجمهرين تحت جسر الرئيس في دمشق، بعد صدور ذلك العفو عن أحبابهم المغيبين في السجون منذ سنين. هكذا، من غير قوائم أسماء، ومن غير آلية للخروج، ومن غير أي سبيل يُشقّ نحوهم، ما الذي يحاول النظام قوله؟ هل شاهد الصور؟

وحده الأمل، من دفع بالناس نحو جسر الرئيس، ومنهم من صعد إلى صيدنايا نفسها كي يعثر على فقيده. الأمل أشعل أفئدة الأمهات مرةً أخرى، بعد أن أطفأها اليأس سنين عديدة. تمشي بين الجموع حاملةً صورة ابنها، كأنها تسأل الواصل من ذلك المسلخ: هل رأيته؟ هل تعرفه؟ الأمل يجتاح روحها، لا تعرف إذا ستقرّ عينها أم سيخمد فؤادها إلى الأبد، "وكمان في أطفال بالموضوع"، وفي "أبي يمكن عايش"، و"أخي يمكن عايش"، و"في ينابيع أمل رجعت للحياة بهالخبرية، بهالعفو ، تكرم".

لا قوائم أسماء واضحة، فالأسماء تُتداول على صفحات "السوشال ميديا" ومجموعاتها، بكل عشوائية وتخبط وضياع، لكن معظم تلك المواقع باتت مكتظةً بصور وأسماء عشرات الآلاف من المعتقلين، ومرفقةً بأرقام هواتف، نشرها ذووهم، علّهم يأتون بخبر عنهم من الناجين يثلج الصدور، وهذه فرصة لمن يهمه الأمر؛ أن يوثّق المختفين في سجون النظام، اسماً وصورةً.

لا آلية خروج منظمة، فالغالبية تُلقى على قارعة الطريق في صيدنايا، كما يُقال، ويوصلهم فاعلو الخير إلى جسر الرئيس، وكل دفعة واصلة لا يتجاوز عددها الـ20 معتقلاً.

لا هلال ولا صليب أحمر يطمئن على صحة الخارجين الجسدية أو العقلية، ولا أي منظمة أو جمعية من المجتمع المدني، حاولت تقديم يد العون، بحسب أقوال من كانوا على الأرض.

أما وسائل الإعلام المحلية، فتحاول نزع الأدعية وكلمات الشكر من أولئك الناس الملوعين بحق السلطان المعظم وعفوه الكريم.

والطرف الآخر (أخجل من كلمة "معارضة"): سنوات الضياع.

العالم؟ اتركنا وشأننا.

يبكي المرء في التعليق على صور الناس المتجمهرين تحت جسر الرئيس في دمشق، بعد صدور ذلك العفو عن أحبابهم المغيبين في السجون منذ سنين. هكذا، من غير قوائم أسماء، ومن غير آلية للخروج، ومن غير أي سبيل يُشقّ نحوهم، ما الذي يحاول النظام قوله؟ هل شاهد الصور؟

وكله فايت بكلّه، كله شغال بهالقصة هاد غير البكاء والنحيب والهجاء الإلكتروني، يعني هي من أقوى القصص والسير يلي اشتغل فيها اللت والعجن، هي الحرية يلي بدنا ياها؛ "شكراً لكل من ساهم في الإنجاز".

كل حدا عم يقول شي يا معلمي، شو عم يصير؟ عليي الحلال ما بعرف، نحنا طول عمرنا منمشي الحيط الحيط، وما منفهم بالسياسة، وما بدنا نفهم، ولا بيهمنا نفهم، بس انو شوية رفق، يا أسيادنا، يا أكابر، يا حلوين، نحنا ما دخلنا، ما دخلنا بشي… متل يلي كانوا محبوسين.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard