لأني أردت أن أكون جزءاً من الذاكرة السوريّة، آثرت الوجود تحت "جسر الرئيس"

الخميس 19 مايو 202212:04 م

لأني أردت أن أكون جزءاً من الذاكرة السوريّة، بكلّ تفاصيلها، بوهمها، بأملها، بتطرفها الساذج، بغضبها المغفور، بألمها الخبيث، آثرت الوجود تحت "جسر الرئيس". كانت الهيبة، كما الاسم، حاضرة. كان الجمع كيوم الحشر، لا يلتفتون يميناً أو يساراً. كلٌّ يحمل صورة فقيده في يده، يعرضها كما يعرض العبد أعماله على الملائكة، راجياً أن يفتح الإله أبواب الغفران، فيعبرون إلى الجنة. جنة عرضها يتّسع للمّ شمل العائلة برغم تغيّب البعض، شخصياً، وحضوره في مكالمة فيديو، أو في صورة لفّت زواياها شريطة سوداء. في الصباح الباكر، فتحت عينيّ على الفراغ، فراغ يلفّ المحيط ليعلو صوت السكون، ذاك الأزيز المضجر المخيف، الذي لطالما أنذر بكارثة حتمية قادمة. ارتديت ملابس قطنيّة مريحة، إذ من سنقابلهم هناك لن يلتفتوا إلى هندام منمّق بل إلى ملامح وقوائم أسماء. المواصلات منهكة ككل يوم، لكنها اليوم تزفر أنفاسها المتعبة منذ الصباح، ولسان محركها يقول: "تعبت، لقد تعبت حتى قبل أن يبدأ اليوم".  

"من تسع سنين ما سمعنا خبر، بس قلبي حاسسني إنو بعدو طيّب"، عجوز سبعينية تخاطب جارتها، وعيناها الغائرتان تشيران إلى الكثير من الأمل الخائف، لتردّ الفتاة بنبرة خاوية: "إن شالله يا خالة، اللي إلو عمر ما بتقتلو شدّة"

هناك، حيث المساحات الضيقة، ورائحة العطور الصناعيّة الرخيصة، الممتزجة بعرق الإبطين، والتي بدورها تتحد مع رائحة البول المقززة كلما احتدت شمس أيار/مايو. وقفنا طوابير ننتظر الفرح، كيفما كان.  طوابير سوريّة لا دَور يحكمها، ثرثرة نساء، بكاء رضع، وأصوات الرجال الخشنة المخنوقة تفترش الرصيف، ونظرات الشبان اللاهثة وراء مؤخرات الفتيات المتبرجات يرتدين الفواقع من ألوان العيد والكعب العالي الذي سيجلد الأقدام بسوط الانتظار المطوّل. "من تسع سنين ما سمعنا خبر، بس قلبي حاسسني إنو بعدو طيّب"، عجوز سبعينية تخاطب جارتها، وعيناها الغائرتان تشيران إلى الكثير من الأمل الخائف، لتردّ الفتاة بنبرة خاوية: "إن شالله يا خالة، اللي إلو عمر ما بتقتلو شدّة"، لتصرخ امرأة مكتنزة في وجهها: "تكوليش هيج، تفاءلي... تفاءلي" أما أنا، فتخيلت المشهد ووزعت الأدوار على الأبطال، لا بدّ أن تلك الفتاة تنتظر زوجها، وهذه المرأة هي حماتها. 

لأني أردت أن أكون جزءاً من الذاكرة السوريّة، بكلّ تفاصيلها، بوهمها، بأملها، بتطرفها الساذج، بغضبها المغفور، بألمها الخبيث، آثرت الوجود تحت "جسر الرئيس"

رجل يُغمى عليه فتهرع الفتاة لفتح عبوة مياه كانت سابقاً مياه غازية بطعم الليمون. ترشّ الماء فيستيقظ الرجل نصف غاضب: "طفيتيلي السيجارة، بس... بس" نحن، السوريين، نقدّس كلّ شيء. لا نفرّط بعلبة مياه غازية، ولا نفاوض على سيجارة احترق أول عقبها. كيف لنا أن ننسى أبناء غابوا بضع سنوات؟ من سيقنع تلك الأم بأن ولدها لن يخرج للنور ربما، ولو كان المسرحي السوري، سعد الله ونوس، حاضراً تحت "جسر الرئيس"، لضاقت فسحة الأمل وربما تضيق لتتلاشى في استعاراته. سألتني المرأة المكتنزة بلهجة تعربشت على اللكنة الشامية: "وانتِ يا سنيورة لمين مستنية؟" أنصتّ لصوت خلفي كنت قد تابعتُ حديثه، وحين قال: "هيها شهادة الوفاة جبتها معي"، التفتُ ليعيد طيها حتى أصبحت تميمة كتلك التي نراها في المسلسلات الشامية. وضعها في الجيب العلوي لقميصه، وأطلق تنهيدة ترافقت مع شرود تام، وسرح خيالي ليصطدم بفكرة مفادها: "ما دام ابنه أو من ينتظر متوفىً فما الذي جاء به!" لتهمس فتاة سائلة فتاة تصغرها بجوارها: "صح ممكن يكون المتوفي عايش!" وقبل أن أشرد مرة أخرى، أجبت المرأة خجلى من التأخير الذي بدا تجاهلاً متكبراً: "لا أحد". 

لطالما كان التكبر يتعرى في تلك المواقف، فأبناء المدن متهمون به من قِبَل أبناء الريف. هزّت المرأة رأسها وأهدلت أحد الجفنين لنصف العين وأطلقت: "همممممم". ها أنا ذا في خانة المتهمات بأنهنّ ينتظرن حبيباً، ليس الزوج وليس القريب ولا حتى الخطيب، يا لجنحتي التي لن تغتفر، ولربما هي جناية لدى أهل الريف. ها هو التكبر الطبقي يطفو كبقعة زيت على مسطح مائي حتى عند قارئي الكتب، ممن يمتهنون الثقافة الكاذبة.

أنصتّ لصوت خلفي كنت قد تابعتُ حديثه، وحين قال: "هيها شهادة الوفاة جبتها معي"، التفتُ ليعيد طيها حتى أصبحت تميمة كتلك التي نراها في المسلسلات الشامية. وضعها في الجيب العلوي لقميصه، وأطلق تنهيدة ترافقت مع شرود تام

استغلت فتاة "عبوة المياه" انشغال المرأة الشرسة بحديث عالي الصوت مع الرجل صاحب شهادة الوفاة، وهمست لرفيقة حديثها: "لا مو زوجي، جوز أختي وهي حماتها. أختي جوزها ما خلاها تجي، مسكينة ويلها تدعي يكون عايش مشان ولادو. وويلها يطلع وينصدم إنها تجوزت وما استنتو، ليكي عالسيرة كيف عم يرجف بدني". ثم تشهق الأخرى وتردّد: "يا حرام، يا حرام، لا الحمدلله أنا عم استنى إخوتي"، لتحطّ فكرة في البال مفادها أن الفتاة تنفي مصاباً لم يثقلها وأضمّنها بالقول: "اللي بشوف مصيبة غيرو بتهون مصايبو".  تدافعت الجموع كيوم مقتل "بزرجمهر" من أيام الإمبراطورية الساسانية، كموج بشري نحو قارب النجاة. ثلاثة من الشبان عرفتهم جيداً، لا أقصد هوياتهم، بل تصنيفهم الطبقي. نعم! فنعومة بشرتهم وشحوبها توحيان أن الشمس هي أول من تقبّلهم منذ زمن بعيد قبل أن يفعل ذووهم. تعالت الهتافات: "الله أكبر، الله أكبر". وثّقت ذاكرتي اللحظة، كلّهم ما عداني والفتاة صاحبة عبوة المياه، ركضوا نحوهم كمن يراوح في المكان. تذكرت مدربة التربية العسكرية بنبرتها الصارمة: "مكانك راوح". وكيف كانت تطلق ذاك الإيعاز إذا ما أرادت أن تستظلّ بفيء وتفتح نقاشاً قد يطول مع زميلتها في السلك التربوي ذاته. هي مراوحة في المكان حتى يُقضى أمر كان مفعولاً! هناك، وحيث وقف الشبان منهكي القوى خائري الإرادة، لا ابتسامة ولا دمعة تعلو المحيّا، ينظرون باهتمام لصورٍ صغيرة وكبيرة ومتوسطة، بعضها ضمن إطار وأخرى عبر شاشة الهاتف، يهزّون برؤوسهم، ولا تفهم، أهم ينفون أم يؤكدون؟ 

الرجل صاحب "السيجارة" اقترب من أحدهم ووشوشه ليردّ عليه الشاب بحزم متلعثم: "لا يا عم ما كان في بنات بزنزانتي... ما شفنا ولا بنت... بدك تسأل غيري".

وبعد جهدٍ ليس بيسير، استطعت الاقتراب منهم. ثيابهم تبدو من "البالة"، ليست بمتسخة وليست لهم أيضاً، هكذا تبادر إلى ذهني. حلقوا رؤوسهم ولحيتهم للتو، الرجل صاحب "السيجارة" اقترب من أحدهم ووشوشه ليردّ عليه الشاب بحزم متلعثم: "لا يا عم ما كان في بنات بزنزانتي... ما شفنا ولا بنت... بدك تسأل غيري". والتفت لزميله وسأله: "سمعت عن بنت اسمها إسراء؟" ليهزّ الآخر برأسه. أيضاً لم أفهم أهي نعم أم لا... طأطأ رجل "السيجارة" رأسه وصمت، وكأنّ فضيحة أخلاقية حدثت للتو. نعم! هذا هو الوجع سوري الجنسية، نستحي من أسماء زوجاتنا وبناتنا وأمهاتنا، ولا نعلن أسماءهنّ على العلن، إلا إذا أصبحنَ معتقلات، نسأل عنهنّ.  تفحّصت الشبان، وما لفت نظري هو عيونهم. شاهدتها خاوية. لأول مرة أرى عيوناً خاوية حتى من مائها. ينظرون ولا يبصرون. تهرول الأمهات لتبحث عن ضالتهن، كلٌّ تبحث عن شيء أضاعته. إحداهن بحثت عن ولدها المراهق الذي بات رجلاً ولم تره. تضع صورته لعلّه يتعرف على نفسه، يأمن فيخرج. فتاة تنبّش عن خاتم خطبة خلعته ولبسته بعدد أيام العمر. مضى العمر إحدى عشرة مرة، وفي المرة العاشرة ضاع الخاتم.  

ثمانيني أدخل عكازه في تلك العيون لعلّ حفيده يتسلقها فينتشله. ومن بحث عن دموع فلم يجد لها أثر، نضبت البئر وامتلأت بأكياس النايلون وعلب السجائر الفارغة. طفلة سقط منها ألبوم صور، فمدّت ساعدها لتنتشله فسقطت ولم يُسمع أثر سقوطها إلى الآن. وأنا بحثت عن ضالتي، وطن في تلك العيون. رأيت ظلّاً مستتراً في زاوية، يبكي وينتحب هوية أولاده الذين خرجوا لتوّهم ولم يعرفهم ولا هم أدركوه. وعند عتبة الجفون، قلم حمل أوزاراً وقوائم أسماء فانكسر. وعند عتبة السجون، أحدهم أغمض عينيه. رأيت أثراً لحبرٍ أسود، رقماً، ويافطة حملها الجبين كُتب عليها: "اليوم بلدي ثكلى، انصبوا خيم العزاء للأحياء والأموات". كل هذا وأنا مخدّرة الأطراف. صوت "مدربة الفتوة" يصدح في أذني: "مكانك راوح، مكانك راوح". نمّلت أطرافي وإلى الآن لم أسمع منها الإيعاز المألوف: "استرح".

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard