شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

لنبدأ من هنا!
اسمعوا نصائح كابتن زيدان... صفحات دعائيّة إسرائيليّة يتندّر عليها الفلسطينيّون

اسمعوا نصائح كابتن زيدان... صفحات دعائيّة إسرائيليّة يتندّر عليها الفلسطينيّون

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

حياة

الأحد 3 مارس 202411:00 ص

"قاعد لهم"، "طريق السّلامة"، "فيدنا لمستقبل مشترك"، "السّلام في الشّرق الأوسط"، "كلّنا واحد"، "تكونش موسى"، هي عناوين لصفحات إسرائيليّة مموّلة ظهر معظمها على وسائل التواصل الاجتماعيّ بعد السابع من أكتوبر/ تشرين أوّل 2023. لا يحتاج الفلسطينيّ في الضّفّة، المستهدف الأوّل، أن يكون من متابعي هذه الصفحات، حتّى تظهر له منشوراتها وفيديوهاتها وصورها. ولا يحتاج أن يدقّق مليّاً حتّى يدرك بأنّها حسابات موجّهة ومشبوهة ترمي بشكل أساس إلى تحذير الفلسطينيّين من "التورّط" مع المقاومة أو إسنادها، بأسلوب ترهيبيّ حيناً وعجيب ومضحك حيناً آخر. لكن يبدو بأنّ هذه الصّفحات باتت مثاراً للتندّر والتفكّه لدى الفلسطينيّون، فكيف لهم أن يأخذوا بجدّيّة صفحات تنشر محتوى موقّعاً باسم "الكابتن زيدان" من المخابرات الإسرائيليّة؟ أو غيرها من الصّفحات التي تعمل تشويه صورة المقاومة عبر اجتزاء فيديوهات وإخراجها من سياقها، ومنها ما يدعو لنبذ من تصفهم بـ"المخرّبين" وللإبلاغ عنهم، أو للإدلاء بمعلومات عن "الرّهائن العزّل بغزّة". 

تُضاف هذه الصّفحات إلى قائمة طويلة من أساليب الدعاية الإسرائيليّة (البروباغندا) التي تستخدمها في حربها المستمرّة على القضيّة الفلسطينيّة، وقد باتت أكثر شراسةً وانتشاراً منذ بدء حرب الإبادة على غزّة. في ليلة وضحاها، تجنّدت مؤسّسات الدولة الرّسميّة والشركات الخاصّة الإسرائيليّة في مجال التكنولوجيا والإعلام والإنترنت، بقواها البشريّة والماليّة، لمحاربة ما تسمّيه "اللاساميّة"، و"الإرهاب". تتبدّى هذه الأساليب في بثّ الإشاعات المضلّلة وتهديد الفلسطينيين بشكل مباشر واستخدام المؤثّرين في أنحاء مختلفة من العالم من أجل الترويج إلى دعاية الاحتلال. وغيرها من الأساليب، التي كلّفت إسرائيل ميزانيّات طائلة راجت أخبار عن نفادها بعد نحو شهرين من اشتعال الحرب، لتعاود وزارة الماليّة وتضع مئة مليون شيكل (30 مليون دولار) في جيب وزارة الخارجيّة على حملاتها الدعائيّة أمام العالم.

يبدو بأنّ هذه الصّفحات باتت مثاراً للتندّر والتفكّه لدى الفلسطينيّون، فكيف لهم أن يأخذوا بجدّيّة صفحات تنشر محتوى موقّعاً باسم "الكابتن زيدان" من المخابرات الإسرائيليّة؟

"المقاومة تسلب أحلامكم"

بلغة عربيّة غير سليمة نقرأ نصاً على فيديو في صفحة "طريق السّلامة": "هذا الشّجرة زرعتها أجلك يا ابني. ولكن لم يخطر ببالي أنهم سيفعلون هذا بنا. الحركة من غزة تسلب أحلامكم"، حيث نرى في الفيديو عناصر من حماس يقتلعون الشّجرة ويأكلون من ثمارها.

يعقّب على هذا المحتوى الأستاذ المشارك في دائرة العلوم الاجتماعيّة والسلوكيّة في جامعة بيرزيت، د. أباهر السقّا، في حديثه لرصيف22 قائلاً: "إنّ الخطاب الاستعماريّ الموجّه يتم عبر تشكيك المواطن بذاته وبجدوى مقاومته وببناه المجتمعية، عبر محاججات وتعبيرات دينيّة أو اقتصاديّة، أو اجتماعية، وعبر محاولة إقناعه بأنّ فعل المقاومة خارج عن المجتمع، أو أنّ الانخراط فيها تم ترك النساء وحدهنّ. وأنّ المقاومة مرتاحة في الخارج، صنّعت الصواريخ دون أن تجهّز ملاجئ للمواطنين. يحاول هذا الخطاب أن يقول إنّ المواطنين هم الضحايا الذين يموتون، في حين أنّ موت الأبرياء في حقيقة الأمر لا يعني أنّ المقاومة هي من قتلتهم، من قتلهم هو الاستعمار وآلته". ويضيف السقّا "أنّ الاحتلال يحاول عبر تلك الصفحات اللعب على وتر آلام الناس بهدف التأثير عليهم للتنازل عن الفعل المقاوم والقبول بالواقع الاستعماريّ وعدم التفكير بالتمرد على الواقع المعاش، وكأنّ الحياة في ظلّ الاحتلال ممكن".

يختلف أسلوب هذه الصفحات المموّلة، كما يرى السّقا، استناداً إلى الفئة والمنطقة الجغرافية المستهدفة. "فالرسائل الموجّهة للفلسطينيّين في أراضي 1948 تأخذ طابعاً تحذيريّاً من أنّ هنالك طابور خامس يعمل على جرّ الناس وراء الفعل المقاوم، وتخاطبهم على أنّهم ليسوا جزءاً من الشعب الفلسطينيّ. أمّا تلك الموجّهة لسكّان الضفة الغربية، فتقارن ما بين ظروف حياتهم وظروف الغزيّين، مروّجةً لفكرة أنّ الحياة في الضفّة الغربيّة أفضل من الحياة في غزّة التي جلبت المقاومة إليها المعاناة والألم. أمّا الصفحات الموجّهة لغزّة فتحرّض بشكل مباشر على المقاومة". في هذه الصّفحات، نجد أيضاً، مشاركة لفيديوهات يظهر فيها أشخاص من فلسطين والعالم العربيّ يضعون اللائمة فيما يحصل في غزّة على المقاومة وليس على إسرائيل. 


كيف يتلقّى الفلسطينيّون هذا المحتوى؟

"حسّستونا أن الضفة سان فرانسيسكو. لا حواجز ولا مستوطنات ولا اجتياحات ولا حصار اقتصادي ولا فساد مسؤولين مدعوم من إسرائيل! على مين بتكذبوا؟"، هذا أحد التعليقات التي يكتبها الفلسطينيّون، والتي نقرأها تعقيباً على هذا المحتوى على وسائل التواصل. نقرأ أيضاً: "نحبّها ولو كانت خراباً، جمالها وهي تدافع عن نفسها"، "المقاومة باقية ما دام الاحتلال على أرضنا، حتّى زوال الاحتلال".

إنّ هذه التعليقات السّاخرة، التي تدلّ على أنّ الفلسطينيّين يدركون طبيعة هذه الصّفحات وأهدافها، لا تعفي منصّات التواصل من مسؤوليّتها. فبحسب أحمد القاضي، مدير الّرصد والتوثيق في المركز العربيّ لتطوير الإعلام الاجتماعيّ "حملة"، "فإنّ مجرّد وجود هذه الصّفحات يؤكّد على أنّ هذه المنصّات، سيّما منصّات ميتا التي تُستخدم بكثرة في الحملات الدعائيّة المموّلة، لا تمتلك سياسات ومنصفات لغويّة وإرادة لمحاربة العنف، سواءً باللغة العبريّة أو العربيّة ضدّ الفلسطينيين. من المفترض أن تستثمر هذه الشركات في حماية مستخدميها بكافّة اللغات على منصّاتها"، كما يقول لرصيف22.

ويضيف القاضي "أنّ هذه الصفحات انخرطت في أنشطة تخترق الخصوصيّات وتهدّد المستخدمين الفلسطينيين. نشر بعض منها صوراً لفلسطينيين/ات معتقلين، حيث استُخدمت هذه الصّور من أجل تمرير تهديدات للفلسطينيّين بأنّ مصير من ينتقد السياسات الإسرائيليّة، رقمياً، قد يتعرّض للاعتقال والإذلال. وفي تأكيد على الحرّيّة التي نراها بشكل جليّ فيما يتعلّق بالمحتوى المحرّض من الجانب الإسرائيليّ، كان رصد "مؤشّر العنف" في مركز حملة "أكثر من 10 ملايين حالة من المحتوى الضار باللغة العبرية التي انتشرت عبر منصات التواصل الاجتماعي خلال عام 2023، والتي تركز معظمها على منصة إكس (تويتر سابقاً)".

يقول ميمون البرغوثي (44 عاماً) من رام الله، لرصيف22: إن هذه الصّفحات بالنسبة لي مشبوهة. وعليه. فأنا لا أتفاعل معها ولا أعلق على محتواها، كي لا يزيد حجم التعليقات والمشاهدات فيها. أعمل عادةً على التبليغ عن مثل هذه الصّفحات، حال تعثّري بها، قبل أن أقوم بحظرها أو حذف إمكانيّة ظهورها لديّ".

من جانب آخر، يؤكّد محمد أبو سمرة (46 عاماً)، وهو مدير إحدى مدارس قلقيلية، على أنّ "تأثير مثل تلك الصفحات قليل. الكثير من الناس يدركون أنّ من يقف وراءها هم إسرائيليّون أو عملاء. لكن في رأيي، إن استمرت مثل هذه الصفحات بالظهور، فقد تؤثر سلباً وتغير بعض القناعات عند الناس إلى حدّ ما".


تهديد الفلسطينيين بشكل فرديّ

تتّبع إسرائيل أساليب أخرى من التهديد في الضفّة الغربيّة منذ السّابع من أكتوبر، وهو التهديد المباشر عبر مهاتفة أو إرسال الرّسائل التحذيريّة إلى هواتف الفلسطينيّين من مواطنين أو ناشطين. حيث أكّد المركز العربيّ لتطوير الإعلام الاجتماعيّ، أن بعض المستخدمين تلقّوا تهديدات مباشرة على خلفيّة نشاطهم الرقميّ أو السياسيّ.

وكان الناشط في مجال حقوق الإنسان، هشام الشرباتي، تلقّى مطلع العام الجاري رسالة تحذيرية وصلته عبر تطبيق الواتس أب، مرفقة بصورة لمسيرة شعبية. جاء فيها: "شفناك بالمظاهرة اللي بتدعم الحركة الإرهابيّة حماس"، وموقّعة بعبارة "دير بالك على حالك".

كذلك، تتّبع إسرائيل أسلوباً آخر جديداً في الضفّة وهو إلقاء المنشورات التحذيريّة من الطائرات الإسرائيليّة، والتي تحرّض على المقاومة وتدعوا المواطنين إلى أن ينشطوا ضدّها. تماماً كما فعلت وتفعل في غزّة، منذ حربها الشرسة عليها. 

استُخدمت أعداد كبيرة من الحسابات ادعاءات مضلّلة لتبرير العدوان الإسرائيليّ على المدنيين الفلسطينيّين، منها قنوات على منصّة تيليغرام، اعترف مسؤولون في الجيش الإسرائيليّ وقوف وزارة الدّفاع الإسرائيليّة وراءها

المؤسّسة الأمنيّة والتضليل

تبذل جهات رسميّة وغير رسميّة إسرائيليّة، بحسب ما أكده لنا أحمد القاضي، جهوداً هائلة في تعميم الرواية الإسرائيليّة للأحداث، وهو ما يخلق بيئة خصبة لاستمرار العنف والدّمار والعدوان، سيّما إذا كان كثيرون من صنّاع القرار الإسرائيليّ جزءاً من هذه الآلة الدعائيّة العنيفة. "منذ بدء الحرب على غزّة، استُخدمت أعداد كبيرة من الحسابات ادعاءات مضلّلة لتبرير العدوان الإسرائيليّ على المدنيين الفلسطينيّين، منها قنوات على منصّة تيليغرام، اعترف مسؤولون في الجيش الإسرائيليّ وقوف وزارة الدّفاع الإسرائيليّة وراءها، والتي عُرفت من خلال نشر الصور والمقاطع الأكثر عنفاً لضحايا فلسطينيين ومعتقلين، بهدف الترهيب والتّخويف"، يقول القاضي.

من جانبه، أكد الباحث المتخصّص في الشؤون الإسرائيلية، أنس أبو عرقوب لرصيف22 "على أنّ دور مركز عمليات الوعي التابع لجهات الاستخبارات العسكريّة الإسرائيليّة ينشط بالتّزامن مع الأحداث المهمة للدولة. ومن بين الطرق التي اتّبعها المركز ويتّبعها الآن في الحرب على غزّة، والتي تعتبر ضمن حربه النفسيّة وصناعة الشائعات، هي إنشاء حسابات تلفّق أخباراً على أساس أنّها مقتبسة من الإعلام العبريّ، كأخبار السيطرة على المقاومة والقضاء على قياديين بارزين، على سبيل المثال للحصر، فيتبيّن لاحقاً بأنّ لا أساس من الصّحة في هذه الأخبار. كما تعمل هذه الحسابات على استرجاع ونشر محتوى قديم (كالمحتوى الذي أعيد نشره عن الانقسام الفلسطينيّ عام2007)، ليتم تداوله وهزّ الجبهة الداخليّة الفلسطينيّة من خلاله".

واستعرض أبو عرقوب أحد أهم الحسابات الإسرائيليّة باللغة العبريّة والعربيّة المتخصصة في نشر الشائعات والمعلومات التي تريد الاستخبارات العسكريّة الإسرائيليّة استخدامها لمطامعها، وهي قناة "أبو علي إكسبرس"، يديرها مستشار سابق في قوات الاحتلال الاسرائيليّ، ويتقاضى راتباً من الجيش. لقاء عمله الذي يرمي إلى التأثير في الرأي العام الفلسطينيّ والعربيّ".


رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

WhatsApp Channel WhatsApp Channel
Website by WhiteBeard