شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

لنبدأ من هنا!
يوميات من غزة (27)... من سيقول لغسان كنفاني بأن ساق نادية لن تنبت؟

يوميات من غزة (27)... من سيقول لغسان كنفاني بأن ساق نادية لن تنبت؟

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

مدونة نحن والمشرّدون

الأحد 25 فبراير 202412:18 م

صديقي غسان كنفاني، أعرف كم هو قاس ومضن أن يُبَلّغ المرء بأنه قد تم الفتك بأفكاره المقدسة وقيمه العليا، ولكن هذه هي الحياة وأنت سيد العارفين، فكما أن "باقة ورد على ضريح إنسان ميت" شيء لا يكفي، فأيضاً القيم العليا وخيالنا الطموح شيء لا يكفي لمقارعة الغيلان في "عالمٍ ليس لنا" يا غسان، صديقنا، وصديق كل من رفض أن يموت قبل أن يكون نداً.

ضحكوا علينا يا رفيق 

أمر آخر أود أن أخبرك به... كل من كان يدفع بالفلسطيني باتجاه الاشتباك إنما كان يعده للذبح، لقد ضحكوا علينا يا رفيق.

إنهم هم الند، هم خصمنا جنباً لجنب مع الاستعمار، من لم يسمعوك حين قلت: "الإنسان في نهاية المطاف هو القضية"، لكن قدسوك حين قلت "لا تموتوا إلا بين زخات الرصاص". وإذا كان الاستعمار هو رأس الأفعى كما يقال، فهم الواهمون الحمقى والكَسَبة الذين يفتحون باب البلاد للأفعى ورأسها، ثم يبدأون بالعويل والانتحاب. إنهم أرباب الموت والخراب والدماء، حتى خيالنا البسيط بوطنٍ حر سرقوه واستثمروه وأنتجوا منه نفوذاً ومالاً وسلطة. 

أنا أعرف يا غسان أنك لو كنت تدري أن هناك من سيضع اقتباس "لا تموتوا إلا بين زخات الرصاص" بين صور حفنة من مستثمري الحرب ومرتزقة الفكر الثوري، لما كنت كتبته أصلاً. 

أنا أعرف يا غسان لو كنت تدري أن هناك من سيأتي ليضع اقتباس "لا تموتوا إلا بين زخات الرصاص" بين صور حفنة من مستثمري الحرب ومرتزقة الفكر الثوري، لما كنت كتبته أصلاً، لقد عبثوا بأقدس أفكارنا، ولك أن تعذرنا لقد قتلنا "بومتك في الغرفة البعيدة"، فنحن نريد أن نعيش، أن نتجاوز موضوع الخوف والشجاعة على حد سواء ونمضي نحو الخلاص، وهي لم تنفك تدفعنا لأن نمتشق بنادقَ مشبوهة، بعد أن عجزنا عن فهم كيف اتحد الإسلاميون والرفاق اليساريون ضد انتفاضة الفلسطيني الحرة، ولم تصدق أن "ساق نادية" لم تنبت ثانية، بل تحولت غزة بأسرها إلى مدينة سيقان مبتورة.

"الإنسان في نهاية المطاف هو القضية"

لطالما ارتبطت هذه العبارة في ذهني بسؤال لاذع: "هل يعقل أن يكون الموت هو قضية الإنسان؟" أليس حرياً أن تكون الحياة هي قضيته؟ لا بل أن يكون هو بذاته القضية، محققاً بذلك أسمى قيمة لوجوده؟ ألم يكن هذا مقصد غسان كنفاني حين كتب في عائد إلى حيفا: "الإنسان في نهاية المطاف قضية، لكن أي قضية؟"

إذن، أي قضية؟ لابد من اختيار، هل يختار المرء طريق الأوهام وتصديق الدجل الذي يحول الحياة إلى موت مزمن، حتى وإن تمت زخرفته وتزيينه بمفاهيم البطولة ومناطحة المستحيل؟ أو أن يختار الحياة الواقعية الخالية من أية بطولات متخيلة وأبطال خارقين؟ أي أن يختار ذاته، وليس تغييب ذاته وإنكارها في طوابير الهتاف للانتصار المتخيّل، والقائد الأسطوري، والأمة الافتراضية، والأساطير الدينية. 

نحن نريد أن نعيش، أن نتجاوز موضوع الخوف والشجاعة على حد سواء ونمضي نحو الخلاص... لقد عجزنا عن فهم كيف اتحد الإسلاميون واليساريون ضد انتفاضة الفلسطيني الحرة، ولم نصدق أن "ساق نادية" لم تنبت ثانية، بل تحولت غزة بأسرها إلى مدينة سيقان مبتورة

فالإنسان إن لم يستطع أن يكون هو بذاته القضية التي يكافح من أجلها، سيترك نفسه متاحاً للاستخدام في أي سياق، فمثلاً سيجد من يأمره بأن عليه أن يكثف صلواته في أوقات الحرب كي يموت شهيداً، ولكنه لن يجد من يتساءل معه لماذا عليه أن يموت أصلاً؟ فالمجتمعات المتدينة/الجهادية تفرض على الناس ممارسة العبادات التي تجعلهم أكثر هدوءاً عند المجزرة، لتمنعهم من التساؤل عن أسباب المجزرة، فيكفي أن يعرف الأفراد أن هذه هي مشيئة الله، ومن يخالفها فهو خارج عن الدين والصف الوطني.

وهذه وظيفة الفكر الأبوي السلطوي الجهادي، القائم على الأوهام الدينية السياسية القومية؛ أن يحظر على الإنسان فكرة الاختيار، فما على الفرد في مثل هذه المجتمعات إلا أن ينصت جيداً "للأمير القائد" وأتباعه، وينتظر إن كانوا سيمنحوه حياة، أم شهادة في سبيل الله، أم مساعدات غذائية. أما أن يفكر هو عن نفسه وينظر لنفسه ككيان مستقل وقضية تستحق النضال، فهذا ممنوع.

إن الأمر تماماً كالجزار وخرافه في المزرعة، حين يطعمها ويسقيها جيداً لتبدو أسمن وأكثر هدوءاً عند لحظة الذبح، هذا ما يفعله النظام الاجتماعي الديني للمجتمع الغزي، وهذا ما أوصل قطاع غزة إلى النهاية المنطقية لما كان عليه الحال قبل 7 أكتوبر.

ما بعد الرجال والبنادق..

لطالما كانت فلسطين مشاعاً للتجريب الأدبي والخطاب الحماسي والخيال، حتى أن جنساً أدبياً كاملاً ظهر بعنوان "أدب المقاومة" وهذا كله لا مشكلةً فيه، بل يمكن اعتباره توثيقاً تأريخياً فنياً لحقبة من الزمن؛ ناضل فيها الشعب الفلسطيني على مدار عشرات السنين من أجل الحصول على دولة، أي أن يتم استخدام "فلسطين" في إطار الرمزية البطولية، وليس تطبيق تلك الرمزية البطولية بالغصب، وبالدم، وعلى حساب أشلاء آلاف الأطفال، هنا يتحول الأمر إلى جنون وعبث، وتضليل ديني متطرف. 

في مثل هذه المجتمعات ليس للإنسان إلا أن ينصت جيداً "للأمير القائد" وأتباعه، وينتظر إن كانوا سيمنحوه حياة، أم شهادة في سبيل الله، أم مساعدات غذائية. 

وفي هذه المادة ذكرت غسان كنفاني، إذ هو أبرز كتّاب النظرية الأدبية الثورية الفلسطينية والتي لم تكن يوماً ضرباً من القمار بأرواح الشعب، وعلى الرغم من أنها قدمت نماذجاً تجريبية لأشكال الفداء والانتماء للوطن والتضحية، كالمجموعة القصصية "عن الرجال والبنادق" التي قدَّم فيها كنفاني صورة الفدائي الفلسطيني النموذجي الذي لا يرى أمامه سوى فلسطين، إلا أنه لم يطالب يوماً بتطبيق نظريته الأدبية، بل كان يحاسب نفسه دوماً، ويقدم قصصاً مثل "أكتاف الآخرين" والتي يعلن فيها أن لا صوت يعلو فوق صوت الحياة، وفي مشهد آخر من "عائد إلى حيفا"، حين كتب: "الإنسان هو القضية".

إن ما أريد قوله هو أننا اليوم كفلسطينيين في أمس الحاجة إلى الذهاب إلى ما بعد الرجال والبنادق في سيرتنا، أي نحو الخلاص، حيث أن النظرية الثورية الفلسطينية أصبحت اليوم جزءاً رئيسياً تقوم عليها خيالات محور الممانعة الدينية-السياسية، وتجاوزت مفهوم التجريب المجرد نحو مفهوم التطبيق الفعلي، وكان يوم 7 أكتوبر مثالاً على محاولة تطبيق الخيال المقاوماتي-الجهادي على أرض الواقع، والذي نتج عنه احتلال كامل لشمال قطاع غزة! وتشريد غالبية سكانه، ومقتل أكثر من 30 ألف فلسطيني، ولا أحد يعرف كيف سينتهي كابوس 7 أكتوبر.

وعليه فإن هذا الشعب الفلسطيني المنهك، والمشرد، والمذبوح، أبعد ما يكون عن الحاجة إلى المزيد من البطولات والبنادق، فما نفع الانتصار إذا لم يبق هناك شعب ليحتفل به؟ أم هو انتصار تمت صناعته بلحمنا من أجل غيرنا؟ أم أن الانتصار مفهوم معنوي ليس مهماً أن نلمس نتائجه؟ بينما الموت هو الشيء الوحيد الذي يستطيع الفلسطيني ملامسته؟ وإن لم يفعل فهو خائن لرغبة الله، ومخططات الأمير القائد الذي يدير معركة الله ضد اسرائيل.

كل هذه الترهات يجب أن تنتهي، وعلى الأمة العربية والإسلامية أن تنزل من على أكتاف الفلسطينيين، فأكتافنا لم تعد تحتمل كل هذه الخيبة والبلادة. 

هذا الشعب المنهك، والمشرد، والمذبوح، أبعد ما يكون عن الحاجة إلى المزيد من البطولات والبنادق، فما نفع الانتصار إذا لم يبق هناك شعب ليحتفل به؟ أم هو انتصار تمت صناعته بلحمنا من أجل غيرنا؟ أم أن الانتصار مفهوم معنوي ليس مهماً أن نلمس نتائجه؟ بينما الموت هو الشيء الوحيد الذي يستطيع الفلسطيني ملامسته؟ 

هوامش

تدور قصة البومة في غرفة بعيدة لغسان كنفاني، حول شاب يتذكر طفولته متأملاً صورة لبومة معلقة أمامه في غرفته في الفندق، حيث أن البومة تشبه إلى حد كبير تلك التي ظهرت له وهو يدفن حقيبة قنابل في الطين بناءً على طلب جارهم العجوز، وبينما هو يدفن القنابل تحت المطر تظهر البومة وتحدق به غاضبة ويائسة في نفس الوقت.

ساق نادية المبتورة هي ما يدفع الشخصية الرئيسية لقصة "ورقة من غزة" إلى عدم السفر خارج غزة، ولأن يحث صديقه للعودة إلى غزة ليتعلم قيمة الوجود، ومعنى الحياة من نادية وساقها المبتورة من أعلى الفخذ.

إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.



* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

لعلّ تعريفنا شعوباً ناطقةً بالعربية لم يعد يستقيم من دون الانتباه إلى أننا صرنا شعوباً متفلّتةً من الجغرافيا. الحروب الدائرة في منطقتنا والنزاعات الأهلية والقمع، حوّلتنا إلى مشردين، بين لاجئين ونازحين، وأي تفكير في مستقبلنا لم يعد ممكناً من دون متابعة تفاصيل حياة الجميع، أينما كانوا، وهو ما نحرص عليه في رصيف22. اكتبوا قصصكم. أخبرونا بالذي يفوتنا. غيّروا، ولا تتأقلموا.

Website by WhiteBeard