شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

لنبدأ من هنا!
يوميات من غزة (25)... هكذا تم قنص

يوميات من غزة (25)... هكذا تم قنص "مجانين" المدينة، وهكذا جُنّ غيرهم

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

مدونة نحن والمشرّدون

الأحد 4 فبراير 202411:35 ص
Read in English:

Memoirs from Gaza: We lost our city’s madmen, but Israel has turned the rest of us mad

مات مجانين المدينة وهم يعودون دون وعي إلى الأماكن التي يألفونها، دون ضجيج وركض خلف لقمة أو خوف انفجار، من يقنع مجانين هذه المدينة أنها الآن مليئة بالموت والقصف، وأن الأمان اختفى، من يقنعهم بأن جيش الاحتلال خرج في نزهة لصيد أرواحنا فلا يهمهم إن كان الصيد مجنونًا أو طفلاً، من يقنعهم أن عليهم الجلوس في مكانٍ واحد وهم الذين اعتادوا أن يعيشوا الحريّة أكثر منّا جميعاً؟

المجنون الأول 

قتل قناصة الاحتلال المجنون الأكثر حركة في حارتنا، كان قد تعب من الركض واللجوء والنوم بين الناس وأراد للحظة أن يعيش يومه بهدوء، أخذ نفسه ومشى في طريقه للمنزل، وقبل أن يصل قنصه أحد الجنود وقتله على الفور، ألم ينتبه هذا الجندي للشخص القادم وهو يتحدث مع نفسه؟ وهو يضحك ويمدّ يده للفراغ عندما لم يجد بشرًا؟ "أعطيني شيكل" كان يمكن أن يطلب من الجندي عندما يصله شيكل، لكنه قبل أن يقترب من البيت، ودّع نفسه ومات بكل حريّة... عاد من الإمارات بعد وفاة أهله هناك، ماتوا جميعاً إلا أخ له، مات بعد عامين من عودتهم لغزة، والآن اختفى معهم.

المجنون الثاني 

ومثله أيضاً، مات "عبد" عندما قرر أن يعود لبيته، تعب من ضجيج الأولاد والناس حوله، المجانين لهم أساليب هدوء ولا تناسبهم فوضانا، أخذ نفسه وعاد للبيت، وبعد يومين وجدوه في ساحة قبل البيت بمئة متر مقتولاً، قتله أيضاً قناصة الاحتلال، كان قبل ثلاثين عاماً مليئاً بالذكاء، ذهب لدراسة الطب في الجزائر، ويوم عودته فقد أوراقه كلها، سرقها أحدهم ولم يستطع العثور عليها، ففقد عقله معها... الآن عاد إليه عقله بعد أن رحل مشتاقاً لهدوء بيته.  

قتل قناصة الاحتلال المجنون الأكثر حركة في حارتنا، أخذ نفسه ومشى، وفي طريقه للمنزل، وقبل أن يصل قنصه أحد الجنود وقتله على الفور، ألم ينتبه هذا الجندي للشخص القادم وهو يتحدث مع نفسه؟ وهو يضحك ويمدّ يده للفراغ وينادي "أعطيني شيكل"؟

المجنون الثالث 

أمّا الأخير، فكان أهله يربطونه حتى لا يخرج، إلا أن من يعرف شكل الحرية لا ينساها أبداً، عاد من ليبيا فاقداً عقله، هذا ما نعرفه من قصته، إذا نظرت إليه يطلب منك سيجارة، بالتأكيد لم يذهب كي يطلب سيجارة من جندي إسرائيلي، بل أراد أن يتحرر من حبسه ويعود إلى أصله، بيته وحريته في ممارسة حياته كما اعتادها، لكنه قتل قبل أن يصل.

لم يصل أحد المجانين إلى بيته، كان يهيأ لهم أنهم سيتركون فوضانا ويلجؤون إلى السكون الذي اعتادوه، إلى طقوسهم في فقدان العقل وحريتهم في طلب ما يريدون ببساطة، ذهب من عرفت من المجانين وغيرهم، وصنعت إسرائيل مجانين جدداً. 

لم يصل أحد المجانين إلى بيته، كان يهيأ لهم أنهم سيتركون فوضانا ويلجؤون إلى السكون الذي اعتادوه، لكن... صنعت إسرائيل مجانين جدداً.

فقدت إحداهن عقلها بعدما أعدموا أولادها وزوجها أمامها، ضحكت أخرى بهستيريا عندما راح أولادها الستة جميعاً بصاروخ واحد.

أحدهم خرج من الدنيا بولد واحد، ما زال يبكي على نفسٕ واحد منذ أن ذهب الولد والبيت، وأنا في لحظة ما كدت أفقد عقلي من شدّة القصف المتواصل فوق رؤوسنا، من استيقاظنا لأيام طويلة في انتظار القذيفة أو الصاروخ التالي، كدت أفقد عقلي من قلقي وخوفي. جميعنا في غزّة لدينا قصص قريبة، المجانين الجدد الذين صنعتهم إسرائيل، أو من حاول المحافظة على عقله في اللحظة الأخيرة.

مجانين جدد

كان يجلس بينما زوجته تصنع الساندويشات لأطفاله، يبكون من الجوع، وقلّة الطحين والحيلة، أخذت الأم تخمد وجع الجوع لأطفالهم ونسيت وجع القهر، وعندما لم يكف الخبز لكل الأطفال وعادوا للبكاء، أصيب الأب بسكتة قلبية، ماذا سيفعل وأطفاله جوعى، كان الموت أسهل طريقة للهروب من كل هذا العجز.

توقف قلب عمو أبو عامر فجأة، هكذا قالوا عندما جاؤوا به شهيداً، ولكن لم يخبركم أحد سوى سارة ابنته ذات العشرة أعوام أنه شكى من قلبه قبل يومين، عندما انفجرت القذيفة الأولى ببيت جاره وهو داخل منزله، ثم توقف بعد أن أُصيب بيت آخر بصاروخ وهو بجانبه... فعلم حينها أن القادم هو منزله، لم يكتمل اليوم ومات هناك بين ذكرياته، من قال إن الإنسان لحم وقلب يكذب، نحن قلب وذكريات.

أما هذا الموت، فكان له شكل آخر، ترك أبو سمير سبعين ألف دولار في منزله عندما هرب من الحزام الناري، نفذ بروحه وأولاده وترك تعب العمر، وعندما شعر أن الزمن هدأ واكتفى من الركض والانفجار، عاد ليأخذ تعبه فوجد البيت كاملًا قد سوي أرضاً، تعب العمر ودفء الأولاد والذكريات صاروا رماداً، وفي هذه اللحظة صار هو أيضاً رماداً. مات على فوره وبحثوا عنه طويلًا حتى وجدوه أمام بيته، فمه مفتوح وعيناه أيضاً، ما زالت شهقته محلها وصدمته الكبير التي رآها الجميع على وجهه في موته. 

أشكال الموت العزّي 

يموت الإنسان دون أن يألفه حجره وطينه، تكبر فجوة الإحراج يوماً بعد آخر حتى يصل للموت، يموت الإنسان عندما يخرج مرغماً مجبراً تاركًا فراشه ولحافه بارداً خلفه، يكذب من يقول لك إنه يتأقلم مع ظروفه، فأنا أقول لك بكل صراحة، يموت الإنسان كلما زادت مسافة البعد والخوف عن بيته، كلما انكسر الحجر أكثر وتكوّم معاً منكسراً دون صاحبه، يموت الحجر والصاحب، يموت الإنسان كلما اختفى أمله بالعودة، ماتت الحاجة سلمى بعيداً عن منزلها، كانت قد تركته منذ خمسين يوماً، مرضت يومها وتُركت في الفراش في مدارس الإيواء، لم تستطع أن تعيش في أي مكان، وجدوها ميتة صباح يوم مليء بالقصف والهرب، تعبت من الهروب والركض إلى الأمان اللحظي، فتركت كل شيء وذهبت، من قال إن البيت جدران، بل يموت الإنسان دون بيته مهما انتقل أو سكن جدران. 

كان يجلس بينما زوجته تصنع الساندويشات لأطفاله، يبكون من الجوع، وقلّة الطحين والحيلة، وعندما لم يكف الخبز لكل الأطفال وعادوا للبكاء، أصيب الأب بسكتة قلبية، كان الموت أسهل طريقة للهروب من كل هذا العجز.

تكثر أشكال الموت هنا، منّا من مات جوعاً وقهراً وبرداً وحسرة، الموت هنا لا يقتصر على صاروخ أو قذيفة أو قنبلة، أو حتى رصاصة، الموت هنا له أشكال كثيرة، وأصوات أخرى، يلبس هيئة مرعبة ويختار شكلاً ما دون أن يتوقف. هذه المدينة التي كنّا نتغنى بشتائها وبحرها، صارت كل أيامها ليلاً بلا ضوء، مدينة مناسبة لأن يخرج كتّاب السينما الآن لإخراج أفلام الرعب فيها.

إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.



* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

لعلّ تعريفنا شعوباً ناطقةً بالعربية لم يعد يستقيم من دون الانتباه إلى أننا صرنا شعوباً متفلّتةً من الجغرافيا. الحروب الدائرة في منطقتنا والنزاعات الأهلية والقمع، حوّلتنا إلى مشردين، بين لاجئين ونازحين، وأي تفكير في مستقبلنا لم يعد ممكناً من دون متابعة تفاصيل حياة الجميع، أينما كانوا، وهو ما نحرص عليه في رصيف22. اكتبوا قصصكم. أخبرونا بالذي يفوتنا. غيّروا، ولا تتأقلموا.

Website by WhiteBeard