شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

انضمّ/ ي إلى ناسك!
الحماية نظير ثروات بحرية… تفاصيل الاتفاقية الدفاعية بين الصومال وتركيا وتداعياتها

الحماية نظير ثروات بحرية… تفاصيل الاتفاقية الدفاعية بين الصومال وتركيا وتداعياتها

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

واقع جديد يتشكل في الصومال منذ إبرام الإقليم الانفصالي، صوماليلاند، مذكرة تفاهم مع دولة إثيوبيا، مطلع العام الجاري، تمنح الأخيرة حقّ الوصول إلى مناطق ساحلية. عقب ساعات من تلك المذكرة، بدأ الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود ما يمكن وصفه بـ"حشد الحلفاء" للتصدي لإثيوبيا، فبدأ بجولات خارجية شملت إريتريا ومصر وأوغندا وقطر والإمارات، ونشطت الدبلوماسية الصومالية في عدّة محافل دولية لإدانة الخطوة الإثيوبية، التي اعتبرتها انتهاكاً لسيادة البلاد.

في السياق نفسه، زار وزير الدفاع الصومالي تركيا ووقّع "اتفاقية إطارية للتعاون الدفاعي والاقتصادي" مع نظيره التركي، في الثامن من شباط/ فبراير الجاري، أقرّها لاحقاً مجلس الوزراء والبرلمان في الصومال، ووقعها الرئيس أيضاً. تتلخص الاتفاقية في أنّ تُعامل تركيا المياه الإقليمية الصومالية كجزء من المياه الإقليمية لتركيا. فما هي تفاصيل تلك الاتفاقية؟ وكيف ستنعكس على الاستثمارات والمصالح الإماراتية في الموانئ الصومالية؟ ولماذا لم تكن دولة عربية بديلاً لتركيا في هكذا اتفاق؟

علاقات رسمية وشعبية قوية

لم تُعلن بعد بشكل رسمي تفاصيل تلك الاتفاقية التي لم يعارضها سوى ثلاثة أعضاء في البرلمان الفيدرالي، والتي وصفها الرئيس بقوله إنّهم "وجدوا الآن شريكاً موثوقاً لمساعدتهم". علماً أنّ أعضاء البرلمان الذين أقرّوا الاتفاقية لم يطلعوا عليها، وفق الإعلام المحلي، كما أنّ المعلومات المنشورة حولها ما تزال شحيحة. كتب السياسي البارز عبد الرحمن عبد الشكور ورسمي مقالاً، استنكر فيه عدم الإعلان عن نصّ الاتفاقية.

كتب ورسمي: "أتذكر عندما أخبرتنا حكومات سابقة أنّ إثيوبيا ليست العدو الذي نظنه، بل حتى قالوا إنها صديقتنا الوحيدة"، مردفاً "تتخذ الدول قراراتها استناداً إلى مصالحها الإستراتيجية، وتذهب إلى حيث تكمن تلك المصالح، ولا يبنون قراراتهم على العواطف، وحسن الظن".

تتلخص الاتفاقية في أنّ تُعامل تركيا المياه الإقليمية الصومالية كجزء من المياه الإقليمية لتركيا. فما هي تفاصيل تلك الاتفاقية؟ وكيف ستنعكس على الاستثمارات والمصالح الإماراتية في الموانئ الصومالية؟ ولماذا لم تكن دولة عربية بديلاً لتركيا في اتفاق كهذا لاسيّما مصر التي تعهد رئيسها أخيراً الذود عن الشقيقة العربية الأفريقية؟

وبحسب تصريحات وزير الدفاع والرئيس، نشرت مواقع إخبارية صومالية عدة معلومات حول تلك الاتفاقية. تبلغ مدة تلك الاتفاقية 10 سنوات، وبموجبها تقدم تركيا الحماية للمياه الإقليمية الصومالية كأنّها منطقة سيادة تركية، تسير فيها دورات بحرية لمكافحة الأنشطة غير القانونية من قرصنة وإرهاب وصيد غير مشروع وإلقاء نفايات من السفن الأجنبية، على أنّ تقوم تركيا ببناء القوات البحرية لدولة الصومال خلال المدة نفسها. في المقابل، تستثمر تركيا في الثروات البحرية في المياه الصومالية، وتحصل على "حصة" من تلك الثروات. لا يُعرف بعد مقدار هذه الحصة أو إنّ كانت تلك الثروات تقتصر على الثروة السمكية الهائلة في مياه البلاد، أم تمتد لتشمل التنقيب واستخراج النفط.  

وتشير تقديرات إلى أن الصومال يمتلك نحو 250 منطقة بحرية محتمل وجود النفط فيها، وقد أعلن وزير البترول والمناجم عن البدء في ترسية سبع مناطق استكشاف في المياه الإقليمية، ثلاثة منها تقع في مياه إقليم صوماليلاند.

ودُشنت العلاقات الحديثة بين الصومال وتركيا مع زيارة الرئيس التركي الحالي رجب طيب أردوغان - الذي كان في منصب رئيس الوزراء في ذلك الوقت - إلى مقديشو في آب/ أغسطس من العام 2011، إبان الأزمة الإنسانية التي ضربت البلاد، واصطحب خلالها قرينته وكبار مسؤولي الدولة ورجال أعمال ومنظمات مدنية خلال الزيارة. قدّمت تركيا مساعدات إنسانية كبيرة للصومال آنذاك، علاوة على نحو ألف منحة دراسية على مدار سنوات، وافتتحت أنقرة سفارتها في مقديشو في تشرين الثاني/ نوفمبر 2011.

لم تكن هذه الزيارة سوى تطبيق للإستراتيجية التركية التي حملت اسم "الانفتاح على أفريقيا" التي وُضعت عام 1998 أي قبل عهد أردوغان. بين الأعوام 2007 و2010، كانت الصومال إحدى الدول الأفريقية التي وصلتها وفود طبية تركية لتقديم الخدمات الصحية للمواطنين، وفي نيسان/ أبريل 2010 استضافت مدينة إسطنبول مؤتمر الصومال الذي عقدته الأمم المتحدة. 

ومنذ تدشين العلاقات الدبلوماسية بين البلدين قبل أكثر من 12 عاماً، توسعت العلاقات بينهما، لتشمل جميع الجوانب الاقتصادية والسياسية والثقافية وغير ذلك. وفي 2013، دشنت تركيا خطاً جوياً مع مقديشو، وفي العام 2017، افتتحت تركيا أولى قواعدها العسكرية بالقرب، وقدمت، وما تزال، التدريب لقوات الأمن والجيش، كما تشارك في مكافحة الإرهاب من خلال المستشارين العسكريين والغارات الجوية التي تنفذها طائراتها المسيرة.

كذلك، تعمل العديد من الشركات التركية وتستثمر في الصومال، وتدير تلك الشركات المطار والميناء في مقديشو. وزار أردوغان الصومال ثلاث مرات، في الأعوام 2011، و2015، و2016، ووقع البلدان العديد من الاتفاقيات الثنائية خلال هذه الزيارات. وخلال مؤتمر صحافي في العاصمة أنقرة مع نظيره الصومالي حسن شيخ، في 2022، قال أردوغان: "تجاوزت المساعدات الإنسانية والتنموية التي قدمناها للصومال خلال السنوات العشر الأخيرة مبلغ المليار دولار".

واقتصادياً، بلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين نحو 363 مليون دولار عام 2021، مقارنةً بمليوني دولار عام 2003. كما بلغت الاستثمارات التركية في الصومال نحو 100 مليون دولار في نهاية عام 2022. إجمالاً، تتمتع تركيا بوجود قوي في الصومال، يحظى باحترام وقبول شعبي ورسمي كبير لم يتأثر بتبدل رأس السلطة في البلاد، على غرار ما حدث مع بلدان أخرى.

لماذا تركيا؟

لكن لماذا اختار الرئيس الصومالي تركيا لتوقيع هذه الاتفاقية معها، ولماذا لم تكن دولة عربية، وخصوصاً مصر التي تعهد رئيسها خلال استقباله الرئيس الصومالي في القاهرة قبل شهر بالدفاع عن الشقيقة الأفريقية العربية إذا ما طلبت ذلك.

يقول المحلل الصومالي المختص في العلاقات السياسية، عبد النور عبد الله، إنّ الصومال جزءً لا يتجزأ من جامعة الدول العربية، لكن عدم جرأة الجامعة في اتخاذ قرار بمساعدته في التصدي للأطماع الإثيوبية، جعلته يلجأ إلى تركيا، لافتاً لرصيف22 إلى أنّ الصومال - بحسب معلوماته - حاول مع الجامعة ودولها تحويل قرارات التضامن ودعم سيادته واستقلاله إلى تطبيق في أرض الواقع، لكن على ما يبدو لم يحدث ذلك، فلجأ إلى تركيا. يؤكد عبد الله أنّ "أمن الصومال جزء من الأمن القومي العربي" ولا تغيّر الاتفاقية مع تركيا ذلك، في رأيه.

بدوره، يقول السياسي الصومالي محمد معلم علي، رئيس حزب حلقرن، إنّ الدول العربية خذلت الصومال منذ انهيار الدولة المركزية، بل وخوّلت إثيوبيا التي تعتبر عدواً بتولي زمام الأمور في البلاد، ولهذا لا توجد رغبة شعبية في الصومال نحو دور عربي، ولا يرون أنّ تلك البلدان قادرة على تقديم الكثير، مضيفاً، لرصيف22، أنّ ذلك الإهمال العربي دفع الصومال للتوجه نحو تجمعات إقليمية أخرى مثل مجموعة شرق أفريقيا (EAC) التي انضم إليها مؤخراً. وبحسب حديثه، فقد حاول الصومال توقيع الاتفاقية مع بلد عربي قبل تركيا لكن غياب العرب عن دور فاعل في المنطقة منذ عقود لم يجعلهم على قدر الاستجابة المطلوبة.

في الأثناء، يرى الباحث الصومالي في العلاقات الدولية، أحمد قاسم، أنّ الصومال اختار تركيا لعدة اعتبارات، وهي أنّ أطماع تركيا في استقطاب الصومال واستغلاله ونهب خيراته "قليلة"، إلى جانب قوتها الاقتصادية والأمنية والعسكرية باعتبارها أقوى جيش في حلف الناتو بعد الولايات المتحدة، على حد قوله. وهو يضيف، لرصيف22، أنّ من بين تلك الأسباب ما يكنه شعب وحكومة الصومال من تقدير للدعم التركي الواسع والشامل منذ مجاعة عام 2011.

"الدول العربية خذلت الصومال منذ انهيار الدولة المركزية، بل وخوّلت لإثيوبيا التي تعتبر عدواً تولي زمام الأمور في البلاد، ولهذا لا توجد رغبة شعبية في الصومال نحو دور عربي، ولا يرون أنّ تلك البلدان قادرة على تقديم الكثير… ذلك الإهمال العربي دفع الصومال للتوجه نحو تجمعات إقليمية أخرى مثل مجموعة شرق أفريقيا (EAC) التي انضم إليها مؤخراً"

يتابع قاسم بأنّ الصومال كعضو في الجامعة العربية لم يحصل من أشقائه العرب مقدار الربع مما قدمته تركيا في ترميم الصومال ودعم تعافيها البطيء من مآسي الحروب الأهلية الممتدة منذ ثلاثة عقود. كما يقارن قاسم بين ردّ فعل الشارع الصومالي المُرحب بالاتفاقية مع تركيا، وردّ الفعل غير المهتم بمذكرة التفاهم الدفاعية مع قطر، والتي جاءت بعد يوم من التصديق على الاتفاقية الأولى. ويردف:"الشعب يعرف أنّ قطر لا تساعد الصومال عبر معادلة إيجابية لينهض، بل وفق مصالحها الإستراتيجية فقط".

جدير بالذكر أنّ تركيا إحدى الدول التي تقود فرقة العمل المشتركة (151) التابعة للقوات البحرية المشتركة، والتي تضمّ (34) دولة، منها الولايات المتحدة وتركيا وباكستان، منذ العام 2002 في مناطق بحرية تشمل باب المندب ومضيق هرمز وخليج عدن وشاركت في مكافحة القرصنة، بينما انضمت مصر إلى تلك القوة في 2021. فضلاً عن ذلك، لدى تركيا قاعدة عسكرية كبيرة (جوية وبحرية) في الصومال، إلى جانب انخراطها في تأهيل وتدريب القوات الصومالية، لهذا فهي الدولة الأجدر بتوقيع تلك الاتفاقية معها، نظراً لما لديها من تواجد عسكري وعلاقات سياسية واقتصادية وقبول شعبي، يفوق ما لدى الدول العربية مع الصومال منذ 2011.

المكاسب الصومالية والتركية

يقول الأكاديمي الصومالي، سعيد حسن إسماعيل جوريبر، إنّ الاستفادة من الموارد البحرية شيء مهم، ونظراً للظروف الصومالية والتركيبة السياسية فتوقيع أية اتفاقية تحقق ذلك ولو بالشيء اليسير هي خيار جيد، مشدداً، في حديثه لرصيف22، على أنّ الصومال في حاجة ماسة إلى تأسيس "مجلس تخطيط اقتصادي" يتولى وضع إستراتيجية شاملة للتنمية الاقتصادية، ويكون له دور أساسي في الجوانب الاقتصادية التي تشملها الاتفاقية. ويضيف بأنّ هناك العديد من التفاصيل المطلوب الاتفاق عليها، مثل حجم وقدرات القوة البحرية التي من شأنها أن تساعد تركيا في بنائها، وعدد فرص العمل التي قد توفرها الاستثمارات في الثروات البحرية، حتى تكون تلك الاتفاقية مُربحة للطرفين، لا لطرف واحد.

كما يلفت جوريبر إلى ضرورة عدم تكرار الأخطاء التي نتجت عن اتفاقيات سبق أن وقعها الصومال في مجال الثروة الحيوانية، حيث أدت إلى تصدير تلك الثروة دون خلق قيمة مضافة وفرص عمل يعتبر الصومال في أمس الحاجة إليها، مؤكداً أنّ الصومال يحتاج إلى توقيع العديد من الاتفاقيات في مجالات التعاون مع البلاد العربية وغيرها. وتعليقاً على عدم نشر نصّ الاتفاقية، يقول إنّ "الشفافية غير موجودة نظراً لغياب نظام حكم وجهاز حكومي هرمي يضطلع بمهامه كما هو معروف".

في السياق ذاته، يرى السياسي محمد معلم علي أنّ الصومال سيحقق مكاسب كبيرة من الاتفاقية، منها حماية السواحل من إلقاء النفايات النووية والمخلفات والقراصنة والصيد غير الشرعي، التي تسببت في حرمان مراكب الصيد الوطنية من الصيد بحرية في المياه الإقليمية، لمسافة أبعد من 10 كم. ويلفت إلى أنّ الاتفاقية ستوفر الأمن والتنمية للثروات البحرية.

يشير علي أيضاً إلى أنّ تلك الاتفاقية تشبه أخرى سبقتها في أواخر سبعينيات القرن الماضي مع الاتحاد السوفيتي، أدت إلى امتلاك الصومال "أقوى جيش في الإقليم". ويردف: "العالم تعامل مع المياه الصومالية كمنطقة لا سيادة لأحد عليها، لكن ذلك سيتوقف الآن بعد الاتفاقية"، منوهاً بأنّ الصومال لديه ثروات بحرية كبيرة غير مستغلة، وتركيا لديها القدرات العسكرية التي يريدها الصومال لبناء قوات مسلحة بحرية وبرية وجوية، ولهذا ستكون الاتفاقية بمثابة استثمارات تحقق المنفعة للطرفين.

ولم ينشر الجانب التركي تفاصيل حول تلك الاتفاقية والفائدة منها، ويمكن القول إنّ المكاسب التي ستعود على تركيا تشمل مبيعات الأسلحة على مدار عشر سنوات، خاصة وأنّ الصومال بات له الحقّ في استيراد السلاح بعد رفع الحظر الأممي عنه أواخر العام الماضي. فضلاً عن المزايا التفضيلية للشركات التركية في الاستثمار في الثروات البحرية سواء الصيد والطاقة والموانئ وغير ذلك. إلى جانب تعزيز النفوذ السياسي لأنقرة، وتعزيز العلاقات التركية الأفريقية بشكل عام، علاوةً على زيادة الحضور العسكري في واحدة من أهم المناطق التي تمرّ عبرها التجارة الدولية بين آسيا وأوروبا عبر البحر الأحمر.

تحتاج الإمارات إلى تأسيس علاقات توافق الدستور الصومالي لتضمن لها استمرارية الوجود على التراب الصومالي، وإلى أن تخرج من التناقضات التي تجعلها شريك لجميع الخصوم في المنطقة، مثل إثيوبيا والصومال وصوماليلاند. على جانب آخر، فالإمارات منخرطة في صراعات القوى المحلية على غرار علاقاتها القوية بصوماليلاند وولاية بونتلاند، ولهذا تتأثر علاقاتها بالتطورات في الصراعات المحلية

مصالح الدول الأخرى

وكانت محكمة العدل الدولية قد حكمت لصالح الصومال في النزاع البحري مع جارتها الجنوبية كينيا في 2021، وهو ما رفضته الأخيرة، وبحسب الاتفاقية الجديدة تتولى تركيا مهام حماية المياه الإقليمية الصومالية المقدرة بنحو 3333 كم، وتطل على المحيط الهندي وبحر العرب وخليج عدن، ولهذا بالحد الأدنى ضمن الصومال دعماً بحرياً حال تفاقم النزاع مع جارته كينيا.

كما تعتبر الإمارات العربية المتحدة من أهم الدول العربية التي لها مصالح في الصومال، ووقّعت اتفاقيتين لإدارة ميناء بوصاصو في ولاية بونتلاند، واتفاق لإدارة ميناء بربرة في صوماليلاند، مع السلطات المحلية لتلك المناطق، وهو ما خلق أزمة دبلوماسية مع مقديشو إبان عهد الرئيس السابق، محمد عبد الله فرماجو، حيث اتّهم الأخير أبوظبي بانتهاك سيادة بلاده.

ويرى المحلل السياسي عبد النور عبد الله أنّ الإمارات حليف إستراتيجي للصومال، وتجمعهما علاقات أخوية، ولهذا فلا تعارض بين الاتفاقية والمصالح الإماراتية. ويشير إلى أنّ هذه الفترة تشهد تقارباً بين تركيا والدول العربية خصوصاً الإمارات والسعودية ومصر، كما أنّ الصومال أبلغ تلك الدول بالاتفاقية، وفق قوله.

أما الاقتصادي إسماعيل جوريبر، فيرى أنّ الاتفاقية مع تركيا هي دفاعية، بينما اتفاقيات الإمارات في الموانئ هي تشغيلية، ولهذا فلا تعارض. وينوه إلى أنّ الأفضل للصومال والإمارات الانتقال بعلاقاتهما إلى مستوى من التنسيق الذي يقوم على المصالح المتبادلة. أما السياسي محمد معلم علي، فيقول إنّ الإمارات ساعدت من قبل في مكافحة القرصنة، لكن دورها بعد هذه الاتفاقية سيتقلص.

"الاتفاقية مع تركيا هي دفاعية، بينما اتفاقيات الإمارات في الموانئ هي تشغيلية، ولهذا فلا تعارض".

وبشكل عام، تحتاج الإمارات إلى تأسيس علاقات توافق الدستور الصومالي لتضمن لها استمرارية التواجد على التراب الصومالي، وإلى أن تخرج من التناقضات التي تجعلها شريك لجميع الخصوم في المنطقة، مثل إثيوبيا والصومال وصوماليلاند. على جانب آخر، فالإمارات منخرطة في صراعات القوى المحلية على غرار علاقاتها القوية بصوماليلاند وولاية بونتلاند، ولهذا تتأثر علاقاتها بالتطورات في الصراعات المحلية.

ولا تنفصل الاتفاقية الدفاعية الاقتصادية بين الصومال وتركيا عن الأزمة الصومالية الإثيوبية التي اندلعت بعد توقيع "مذكرة التفاهم" البحرية بين صوماليلاند وأديس أبابا، على الرغم من أنّ كبار المسؤولين في مقديشو نفوا أنّ تكون الاتفاقية موجهة ضد دولة بعينها. من جانب آخر، شهدت العلاقات التركية الإثيوبية تطوراً كبيراً، ووقع البلدان عدة اتفاقيات في الاقتصاد والتعاون العسكري في العام 2021، فضلاً عما نُشر من تزويد أنقرة لأديس أبابا بطائرات مسيّرة استخدمتها في الحرب ضد إقليم تيغراي.

يتطرق المحلل السياسي، عبد النور عبد الله، إلى ذلك، ويقول إنّ تركيا لم تستفد الكثير من علاقاتها مع إثيوبيا، بسبب الاضطرابات والحروب الأهلية في الأخيرة، ولهذا تراجع زخم العلاقات بين البلدين وتراجعت الاستثمارات التركية في إثيوبيا.

يضيف لرصيف22 أن إثيوبيا لا تنظر بعين الرضا لتلك للاتفاقية بين الصومال وتركيا، وهي ما تزال مصرة على تنفيذ مذكرة التفاهم مع صوماليلاند، لكنها دون مساعدة خارجية لن تستطيع فعل الكثير. وفي خطوة تبدو رداً على الاتفاقية، أعلنت حكومة صوماليلاند أنّها ماضية في تنفيذ بنود مذكرة التفاهم التي أبرمتها مع إثيوبيا. 

وإلى جانب تأثير الاتفاقية على ما يصفه الصومال بـ"الأطماع الإثيوبية"، فمن المؤكد أنّها ستخلق تبعات على توازن السلطات بين العاصمة مقديشو والولايات الإقليمية وخصوصاً بونتلاند، التي ترفض أي تنازل عن وضعها الذي يكاد يكون "شبه استقلال". يقول الباحث أحمد قاسم إن الاتفاقية ستساعد مقديشو في مدّ سيطرتها علي كل ربوع البلاد بما فيها صوماليلاند وبونتلاند في المستقبل القريب. 

وتحتاج الحكومة الصومالية إلى تقديم المزيد من التفاصيل والإيضاحات حول تلك الاتفاقية، خصوصاً في ما يتعلق بحجم الصلاحيات التي ستؤول إلى تركيا، وتأثير ذلك على الاتفاقيات المُوقعة في مجالات الصيد البحري والأمن، ومنها "مذكرة التفاهم" المبرمة مع الصين في مجال الصيد البحري.

إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

تنوّع منطقتنا مُدهش

لا ريب في أنّ التعددية الدينية والإثنية والجغرافية في منطقتنا العربية، والغرائب التي تكتنفها، قد أضفت عليها رومانسيةً مغريةً، مع ما يصاحبها من موجات "الاستشراق" والافتتان الغربي.

للأسف، قد سلبنا التطرف الديني والشقاق الأهلي رويداً رويداً، هذه الميزة، وأمسى تعدّدنا نقمةً. لكنّنا في رصيف22، نأمل أن نكون منبراً لكلّ المختلفين/ ات والخارجين/ ات عن القواعد السائدة.

Website by WhiteBeard