شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

ساهم/ ي في صياغة المستقبل!
أيها المتفرّجون على الإبادة... وجع الغزيين ليس مشهداً في فيلم

أيها المتفرّجون على الإبادة... وجع الغزيين ليس مشهداً في فيلم

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

رأي

الاثنين 12 فبراير 202402:27 م

لا أعرف بالضبط كيف تحولت آلام مليونين من الغزيين إلى مشهد. لا أعرف بالضبط من الذي اخترع هذه المفردة وكيف صارت مشاهد الموت السريع والبطيء والبشع لقطات في احتفالات "الصمود". ولا أتذكر حرباً في التاريخ حوّلها أهلها أو جيران لها إلى احتفال أو فيلم أو قصة مثيرة. هذه بالضبط مشكلة غزة مع جيرانها ومحيطها وعمقها وارتباطاتها بشعبها. تكمن المشكلة في أن هؤلاء يأخذونها على عادة التفرج، عادة الانتظار والترقب والحماس.

لم تطلب غزة أو أهلها الذين يتم سحقهم بأعتى آلات الموت الحربية أن ينشروا صور أهلها وهم جوعى ونازحون ومشردون ومفطورو القلب على فقدانهم، مرفقة بموسيقى، عبر منصات التواصل الاجتماعي. ولم يطلبوا عبارات مزخرفة جاهزة التعليب والنسخ واللصق على معاناتهم على مواقع التواصل الاجتماعي. كما لم يطلبوا نصائح عن الصمود والتحدي والبطولة، بل طلبوا إسناداً شعبياً إنسانياً وطنيًا أخلاقيًا لوقف الحرب عليهم وإيقاف النزف المستمر بسبب القصف الاسرائيلي العشوائي والممنهج.

كذلك، لم يطلب الغزيون من أحد أن يأخذ منهم حق الكلمة وحق التعبير وحق الرأي وتشكيل المعارضة والموافقة. لم يطلب أحد في غزة من آخر يسكن خارجها أن يحدد مصير المعركة ويفرض رأيهم في مكان لا يتأثر به ولا يعاني فيه.

لا أتذكر حرباً في التاريخ حوّلها أهلها أو جيران لها إلى احتفال أو فيلم أو قصة مثيرة

هذه المشكلة ليست جديدة، ويمكن ذكر أسبابها في صفحات كثيرة. لكن اختصار الشرح سيبدو منطقيًا حين نقول إن الإعلام العربي عمل على تطبيع الصورة والصوت على آذان المتفرجين، وأقنعهم أن هناك جيشاً كبيراً في غزة يقوم بالواجب عنهم. وفي ذلك مغالطة كبيرة. حتى وإن كان يستند إلى منطق ما، فإن الفعل العسكري في غزة لا يمكن أن يوقف الحرب الشرسة، خاصة وأنه لا يقع في خانة التناسب مع جيش الاحتلال.

انتشرت عبارة كالنار في الهشيم على مواقع التواصل الاجتماعي منذ بدء الحرب على قطاع غزة وبعد ارتكاب الاحتلال لمجازر مروعة ووحشية بحق الغزيين تقول: "لا تعتادوا المشهد". إن أردنا أن نفكك هذه العبارة غريبة الأطوار وغير المفهومة في سياق الإبادة ووحشيتها، سيبدو لي أن كثيرين يعتبرون، فعلًا، أن الحرب هي مجرد "مشهد" من فيلم ما أو من قصة أو من مسرحية، أو حتى من حرب ما. اعتياد الصورة وعدمه لا يؤثران على قرارات داعمي الإبادة والساكتين عنها والمتماهين معها. ما يوقف الحرب ويعزز صمود النازحين في غزة في خيام البرد والجوع والقهر هو العمل والتظاهر والضغط وأساليب النضال في الشارع، ونشر الحقائق والتضامن الفعلي غير المبني على الصورة، بل على التواصل الشعبي والسياسي. ما يوقف الحرب هو الكثير من العمل، لا الكثير من الصور ولا الكثير من المنشورات على مواقع التواصل الاجتماعي.

الصمود كأداة للإسكات

على عكس الحروب السابقة على غزة، ظهرت هذه المرة مجموعة كبيرة من الناشطين على مواقع التواصل الاجتماعي الذين لا يعملون في أطر صحافية رسمية وتقليدية. وهم في غالبيتهم من جيل ما بعد الحصار، وجيل ما بعد الانقسام، الذين يستخدمون الأدوات الشخصية والحرة وغير النمطية في عملهم وفي توظيف مهاراتهم، كالمصورين والمترجمين والصحفيين المستقلين. ليس لدى هؤلاء أية ثيمة محددة أو سياسة تحريرية. ولا يلعبون دوراً في ترس إعلامي معين، بل ينقلون الصورة كما هي، كما تظهر، ويعملون على إظهار المعاناة ونشر الخبر من الميدان بلغات مختلفة. هذا الجهد البارز، الذي قام به بعض الشباب مثل معتز عزايزة وبيسان عودة وبلستيا العقاد وغيرهم كثيرين، هو نوع جديد من نقل الخبر من غزة. يضاف إلى الجهود التي تقوم بها القنوات الفضائية الرسمية وغير الرسمية والتقليدية.

لم تطلب غزة أو أهلها الذين يتم سحقهم بأعتى آلات الموت الحربية أن ينشروا صور أهلها وهم جوعى ونازحون ومشردون ومفطورو القلب على فقدانهم، مرفقة بموسيقى، عبر منصات التواصل الاجتماعي. ولم يطلبوا عبارات مزخرفة جاهزة التعليب والنسخ واللصق على معاناتهم

لكن حتى هؤلاء، الذين يخاطرون بحياتهم في أماكن القصف وفي المستشفيات، لم يسلموا من جمهور المتفرجين على الإبادة، فالصورة القادمة من الناس لا تشبه بالضبط ما تريد السياسة والإعلام التقليدي أن يظهراه. وهذه العفوية في نقل الصورة وبعض آراء الناس في غزة لم تعجب جمهور المتفرجين، وكأنهم وجهوا الضغط الذي يمارسونه  نحو الناس في غزة بدلاً من حكامهم وصانعي القرار في البلدان التي يقيمون فيها.

أثار ذلك تساؤلاً مهماً عند الغزيين: أي غزة تلك التي تريدون منا أن نكون فيها؟ ما هو الصمود أصلًا؟ هل لرأي المتفرج شرعية في الإبادة؟ هل لرأيه شرعية أمام الوجع والخسارة؟ ولماذا لا يجب على الغزي أن يقول رأيه حتى وإن كان مخالفاً لحفلة المشهد التي يتفرج عليها الناس؟ وهنا اكتشف الكثيرون خلال الحرب أن الآراء ليست كما اعتقدوا وأن الصورة ليست كما اشتغلت منظومة إعلام تقليدية كاملة على إنتاجها لغزة، وأن الناس في غزة متنوعون سياسياً وثقافياً واجتماعياً، ولا يشكلون رأياً واحداً ولا لوناً واحداً ولا خطاً سياسياً وأيديولوجياً واحدًا. فعلى الرغم من كل ما مرت به غزة على مدار سنوات طويلة من حصار وحروب وقهر وحبس، لا تزال تضم مجتمعاً صحياً يحاول التعافي والتحدي والبحث عن فرص للحياة. وهذا المجتمع فرضه الاختلاف والتنوع وليس اللون الواحد، فجميع الإحصاءات واستطلاعات الرأي لا تقول إن هناك لوناً واحداً، بل تقول عكس ذلك تمامًا، بل تقول ما هو أقسى من ذلك.

رواية لا مكان لغزة والغزيين فيها

في الحرب وقبلها، تناقش وتحلل منصات لا تعد ولا تحصى، عربية وفلسطينية، ما يجري في غزة، بمعزل عن الغزيين. تناقش الخبر العسكري والسياسي دون موضوعية، ودون أن يكون لغزة وشبابها وأهلها وباحثيها ومفكريها وكتابها رأي في هذه المساحات. لم تأخذ غزة فرصتها الحقيقية والموضوعية والنزيهة في رواية نفسها. ولم يأخذ شبابها فرصة لرواية ما يفكرون فيه، ولنقاش أولوياتهم وقضاياهم ضمن سياقهم الوطني الفلسطيني العام. وفي نقاش المبررات، لم يعد الحصار مبرراً مع تقدم وسائل التواصل التكنولوجي ومع وجود آلاف الشباب الغزيين في الخارج، الذين يستطيعون أن يكونوا حاضرين في هذه المساحات. ربما لا ينبغي لصوت غزة أن يحضر، فالصورة النمطية والسياسية التي يراد لغزة أن تكون عليها، لن يغنّي معها شباب غزة، وإن اتفق بعضهم معها. في هذه الحرب، تعاني غزة من نفس الإقصاء الممنهج وغير الموضوعي والمقصود، حيث يُطلب منها، وفقاً لهذه الصورة النمطية، أن تكون صامدة وساكتة ومبادة بصمت.

في الحرب وقبلها، تناقش وتحلل منصات لا تعد ولا تحصى، عربية وفلسطينية، ما يجري في غزة، بمعزل عن الغزيين

معايير الصمود

ليس في الشعارات الوطنية والرائعة والجميلة والرنانة ما يقدم شيئاً في سياق الصمود. إن الصمود الحقيقي للغزيين يتطلب ماءً وكهرباء وسكناً آمناً وحرية وفتح معابر وفك حصار وتعليمًا وإعمارًا واقتصادًا يدمج الشباب ويوظفهم ويقضي على الجوع والتشرد والنزوح والبرد. لا يمكن للصمود أن يكون حاضرًا دون هذه المقومات. فالغزيون بشر يحتاجون إلى المقومات الإنسانية الأساسية كي يعيشوا في مجتمع طبيعي ويحافظوا على بقائهم الوطني في أرضهم، وكي يعيشوا بحرية وكرامة. هذه الشعارات تريح قائليها وتشعرهم بالإعفاء من المسؤولية تجاه إسناد غزة وأهلها، وتتجاهل الحاجات الأساسية للعمل والدعم والمساندة والانخراط في مسار سياسي واجتماعي وشعبي لتعزيز صمود الفلسطينيين في غزة من أجل مكافحة مخططات التهجير القسري. ليس مطلوباً من المتفرجين على الإبادة أن يصنعوا من أوجاع الغزيين أساطير غير موجودة في الواقع. وليس مطلوباً منهم أن يغنوا لرواية سياسية ما كي يشعروا بالأمل والحلم والتحرر. المطلوب منهم هو العمل والمساندة والتضامن الحقيقي المبني على الحقائق القائلة بأن هناك شعباً تمت إبادته وتدمير ممتلكاته وجرح الآلاف منه وتشريده بالملايين. 

إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.



* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

Website by WhiteBeard