شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

لنبدأ من هنا!
عن الموت والوحدة، وعن الوحدة والموت وعن موتٍ مغلّف بالوحدة

عن الموت والوحدة، وعن الوحدة والموت وعن موتٍ مغلّف بالوحدة

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

مجاز نحن والتنوّع

السبت 10 فبراير 202411:41 ص


لا أحد وحيد مثلي. لا أحد ميّت مثلي

سأموت من الوحدة.

الوحدة ستقتلني. ليس مجازياً. بل ستكون الوحدة هي سبب موتي. هذا ما سيكتبه الطبيب الشرعي في تقريره عن سبب موتي.

لن يحصل الأمر فجأة. سيتسلل موتي إليّ عن سابق إصرار ويترصدني من خلال وحدتي. سيتحدان معاً تدريجياً... ولقد بدأ الأمر فعلاً.

الموت سيتنكر في هيئة الوحدة ويحتلّها بشكل تام قريباً.

لا أعرف سبباً لهذا التنكر. لا أفهم حاجة الموت لادّعاء، ولو مؤقتاً، هوية أخرى. ليس من عادته أن يتحجّج أو يخجل بفعلته، وله من السلطة ما يتيح له الحضور فجأة بلا مقدمات أو تمهيدٍ بهويةٍ زائفة.

هذه الوحدة التي تسبقه؛ التي يرسلها قبله، لا تحضر وحدها، فمع الوحدة يأتي الملل. لكن الملل لا يأتي متنكراً بشيء، ولا يرسله أحد. الملل ليس خبيثاً كالموت، وبالرغم من ثقله لكنه ليس سوى نتيجة. لا يمكنني تحميله الكثير من اللوم. أتعاطف معه تعاطفي مع نفسي الوحيدة. أنا والملل نعاني من الوحدة ونموت ببطء.

لم تعد الوحدة طارئة، فالملل حفر عميقاً وعالياً، يميناً ويساراً... حفر جاهداً كي لا تصبح الوحدة طارئة. الملل حضّر الأرضية تماماً كي تصبح الوحدة أصيلة؛ ويصبح الموت حتميّاً. الملل زرع الوحدة وسأحصد أنا الموت.

لم تعد الوحدة طارئة، أي شيء آخر هو الطارئ، خاصة الفرح... كلّ فرح: فرحٌ بطعم قبلة، فرحٌ بقبلة، فرحٌ بيد على الخاصرة، فرحٌ بعين على الخاصرة، فرحٌ بانتظار يليه لقاء، فرحٌ بلقاء، فرحٌ برائحة عرق أخرى أليفة، فرحٌ برائحة عرق أخرى، فرحٌ بعناق لا ينتهي، فرحٌ بعناق.

الموت كذلك وبطبيعة الحال لم يعد طارئاً وإن كان حضوره لم يزل مستتراً، كيف لا، فكلّ هذا الملل وكل هذه الوحدة يحتّمان حضوره. كيف لا يكون الموت نتيجة طبيعية للوحدة. كيف لا تكون الوحدة هي السبب الأساسي للموت.

لا أحد وحيد مثلي. لا أحد ميّت مثلي... إلا مللي.

لم تعد الوحدة طارئة، أي شيء آخر هو الطارئ، خاصة الفرح... كلّ فرح: فرحٌ بطعم قبلة، فرحٌ بقبلة، فرحٌ بيد على الخاصرة، فرحٌ بعين على الخاصرة... مجاز

محزنة هذه الوحدة وجائرة. أراقب وحدتي وأحزن. لست فقط مالّة، ولست فقط حزينة، بل أنا مالّةٌ حزينة... إذ كيف أكون أنا وحيدة.

أنا مالّة ووحيدة وحزينة وأنتظر العدم.

لكن الملل الذي هو سبب الوحدة لا يمكن إلا أن يكون نتيجة لسبب أيضاً. لا يأتي الملل من تلقاء نفسه، يحتاج سبب أكثر ليحمل ثقله. يأتي الملل غصباً عنه، مرغماً. يحضر معتذراً عندما لم يصبح لديه أي قدرة على التأجيل. يُرغَم الملل على الحضور؛ على الاستحواذ. يحضر بعد أن يبحث جيداً على أمل الوصول لأي جديد، فلا يجد أي جديد، ولا حتى ذكرى جديدة لأي قديم... فيحضر وتتبعه الوحدة.

أنا متروكة. تُركت. إبتُعِد عني. لم أعُد أُرَى. لم أعُد أُحَبّ. لم أعُد أُقبَّل. لم أعُد أُلمس.

كما أني لم أعُد أذكر من رآني، لم أعُد أذكر من قبّلني، لم أعُد أذكر من لمسني.

كيف لا يملُّ من تُرك. كيف لا يكون الملل نتيجة طبيعية للتّرك. كيف لا يكون التّرك هو السبب الأساسي للملل.

كما أني لم أعُد أذكر من رآني، لم أعُد أذكر من قبّلني، لم أعُد أذكر من لمسني

سأموت لأني متروكة. أنتم زرعتم الملل، وأنا سأحصد الموت.

ولكنني لم أترك فعلاً، ولكنكم لم تتركوني فعلاً.

قُبِّلت كثيراً ولُمِست كثيراً. وأبعدتُ عني كُثُر.  أبعدت أياديهم ولمساتهم وشفاههم وألسنتهم.

بعدما أَبعدُت تُرِكت، وبعدما تُرِكت ملَلت، وبعدما ملَلت جُبِلَت وحدتي بحزني ثم صار الموت قريباً.

أنا زرعتُ، وأنا سأحصدُ الموت.

أفكر مرغَمة على التفكير ثم التعاطف مع من مثلي. أحاول أن أتكهّن من مِن العابرين أمامي ينتمي لنادي الوحدة هذا. أبحث عنكم في صالات الانتظار، وأمام الكاشيير في السوبرماركت، وفي الأفلام التي أشاهدها، وفي الحياة الحقيقية للممثلين في الأفلام التي أشاهدها، وفي بوستاتكم ومناشيركم على فيسبوك. أبحث عنكم دون أن يكون لدي أي غاية بالبوح أو أي غاية بتأسيس نادٍ للموتى الأحياء، فلا قدرة لي أصلاً على التواصل مع من مثلي، أنا وحدي أفوق قدرة تحملي. أراقب وأبحث فقط لأجل الونس فيمن يوصلني إليهم تكهني، كي أتأكد وأسعَد بأنني لست الوحيدة التي أخفقت. ولعلِّي، بل يا حبذا لو أجد من خلال مراقبتي لكم من هو أكثر إخفاقاً مني، وبالتالي أقرب مني إلى الموت.

سأموت مثلكم للأسف

لا زلت أذكر، وإن بشكل ضبابي، هيئة الموت القديمة؛ الهيئة التي صاحبت فكرة الموت لسنوات كثيرة.

كانت الناس تمرض وتموت، أو تشيخ ثم تمرض ثم تموت، أو لا تمرض، فقط تشيخ وتموت. وأحياناً تتعرض لحوادث كنا نطلق عليها صفة "المأساوية"، تؤدي إلى موتها غير المُجدوَل، وفي تلك الحالات كنا نطلق على ذلك الموت غير المجدول "الفاجعة"، لأنه غالباً ما يصيب من هم بغير عمر الموت، وبطبيعة الحال الموت قد أصاب أصحاء، وإلا لكان مجدولاً ومقبولاً إلى حد ما.

هكذا كنا نموت. هكذا كانت هيئة الموت.

سأموت مثلكم للأسف

طبعاً كان هناك الموت الناتج عن الحروب التي كان لنا حصة كبيرة منها وبالتالي منه. ولكن الحرب كانت إلى حد كبير مجدولة أيضاً أو على الأقل نوعية ذاك الموت: إصابة ثم موت. إصابة مميتة برصاصة قناص، بعبوة أو بصاروخ...

لم أحب الموت يوماً. أستعمل كلمة "أحب" لأنني أجد أن في تقبل البعض للموت شيئاً من الحب أو ربما الشوق، ويزعجني أمرهم مع الموت. أما أنا لم أحبه يوماً ولن أحبه. لم أقبله ولن أقبله.

وبصراحة، أنا أتحدث عن موتي أنا، وليس موت الآخرين. لا أقصد أنني أحب موت الآخرين... بالطبع لا (ربما بعضهم فقط... بعضهم فقط بدون "ربما")، ولكنني معنيّة بموتي بل بلا موتي، وأترك للآخرين التركيز على موتهم وتقبله أو رفضه.

رفضي للموت كان في البداية عبارة عن تجاهل له، كنت أشيح بنظري عنه، ألتفت بعيداً عنه عله هو أيضاً يلتفت بعيداً عني. وكنت حين أفكر بالموت كنت أستحضره وهو يحلّ على غيري وليس عليّ... لأنني ببساطة لن أموت. الآخرين يموتون وسيموتون ولكن ليس أنا. لم أعتقد أنني خالدة ولكني لم أعتقد أنني سأموت ولم أبحث عن منطق لهذه المعادلة.

تغيرت قليلاً هيئة الموت في فترة جائحة كورونا. صار كثيراً وقريباً وسريعاً، صار يحضر قبل الشيخوخة وقبل المرض. ولكن الآن وبعد مرور سنوات قليلة على ذاك الموت الذي كان جديداً انضم للائحة الموت المجدوَل، وحلّ موتاً جديداً بهيئة جديدة... الآن حلَّ الموت؛ كل الموت.

الموت الذي نشاهده الآن ويعيشونه ويموتونه أهل غزة له هيئة الكائن فاقد الكثافة، كائن يتحرك الهواء بين ذراته فتصير حركته كحركة سرب من الطيور، وبإمكان هذا الهواء أن يتمدّد قدر ما يشاء بين ذرات هذا الكائن؛ هذا الموت فيبعد بتمدّده ذرات كائن الموت عن بعضها فيكبر ليغطي أكبر مساحة ممكنة... وبسبب كثافته المعدومة واتساع هيئته يستطيع أن يمرّ سريعاً ويخطف كل ما يقع تحت ظله  الكبير دفعة واحدة، وينتقل بسرعة بظله الواسع ليخطف المزيد قبل حتى أن ندرك ما حصل في الموت الأول يحل الموث الثاني والعاشر ثم الألف.

الموت بصيغته التي نشاهدها الآن قريب كانعكاس صورة الوجه في المرآة.

أنا الحاضرة جداً في كل ما يخصني، سأغيب وإلى الأبد،  دون أن أفهم معنى الأبد، وعلى الأرجح دون أن أشعر بغيابي... مجاز

هذا الموت جعلني خاضعة لتقبل فكرة موتي بهيئة الموت العادي، الموت القديم... الموت المجدول وحتى ذاك الذي كنا نظنه من خارج الجدول. ذاك الموت صار كله موتاً طبيعياً.

أعرف الآن أنه حتى أنا سأموت. أعرف لكني أرفض. أعرف الآن كما كنت أعرف سابقاً وأرفض كما كنت أرفض ولكني بت مضطرة لتجاهله أقلّ لأنني صرت مضطرة لتمني موتاً بالهيئة القديمة؛ الهيئة الهانئة.

سيحدث هذا الموت لي، سيقع عليّ... ولست أكيدة ما الذي أخشاه أكثر: أن أشعر بموتي؛ أن أعيشه أم أن يعيشه الآخرون وأكون قد أصحبت في العدم عندما يحل.

لست أكيدة إن كنت سأعيش موتي أو سأموته.

يؤلمني كيف أني قد لا أكون في حدث الأحداث... في ثاني أهم حدث لي بعد ولادتي.

كل ما يتعلق بموتي يؤلمني.

غيابي مؤلم. ويتخلل هذا الألم الكثير من الغضب.

كل شيء في غيابي مؤلم.

سيحدث هذا الموت، بجدول أو بغير الجدول، ولكني كالآخرين سأموت.

أنا الحاضرة جداً في كل ما يخصني، سأغيب وإلى الأبد، دون أن أفهم معنى الأبد،  وعلى الأرجح دون أن أشعر بغيابي. سيتعامل الآخرون مع موتي وتوابعه. سيتعاملون معه بدوني. سأغيب عن أكثر شؤوني أهمية وسيقرّر الآخرون عني كل ما يخصّني ويخصّ موتي وتبعاته.

سأموت وسيكمل الكوكب دورانه، الكوكب الذي اعتبرت أني محوره.

سأموت وبعدها لن يهم بأي هيئة سيحلّ علي الموت.

سأموت مثلكم للأسف.

إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

نرفض أن نكون نسخاً مكررةً ومتشابهة. مجتمعاتنا فسيفسائية وتحتضن جماعات كثيرةً متنوّعةً إثنياً ولغوياً ودينياً، ناهيك عن التنوّعات الكثيرة داخل كل واحدة من هذه الجماعات، ولذلك لا سبيل إلى الاستقرار من دون الانطلاق من احترام كل الثقافات والخصوصيات وتقبّل الآخر كما هو! لا تكونوا مجرد زوّار عاديين، وانزلوا عن الرصيف معنا، بل قودوا مسيرتنا/ رحلتنا في إحداث الفرق. اكتبوا قصصكم، فكل تجربة جديرة بأن تُروى. أخبرونا بالذي يفوتنا. غيّروا، ولا تتأقلموا.

Website by WhiteBeard