شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

ساهم/ ي في صياغة المستقبل!
هل تموت البيوت عندما تقصفها الطائرات؟

هل تموت البيوت عندما تقصفها الطائرات؟

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

مدونة نحن والتنوّع

الخميس 1 فبراير 202411:41 ص

ليس بيتاً مجرداً بسقف وحجارة ذلك الذي يمتلكه الفلسطيني، ولكنه بيت أقرب إلى الفكرة، فكرة لا تُفقد بالهدم ولا بالتقادم. حتى أن الحنين إلى هذا البيت ليس حنيناً مكانياً، بل حنين إلى جلسة ممتدة مع المحبوب فيها الكثير من الخجل.

لذلك، حين يفقد الفلسطيني بيته، فهو على الأغلب لا يفقدُ المكان الذي يأويه، ولكنه يفقد روحه في هذا المكان، الشعور الذي يمنحه إياه، وقدرته على فتحِ حديث طويل وعلى النوم آخر اليوم. وعندما يقول فلسطيني -أي فلسطيني- إنه يشتاق إلى بيته ويحلم بالعودة إليه، فقد يكون القصد دالية العنب أعلى السطح، أو حديث طويل مع زوجته حول موقد النار، أو ركوة قهوة يقف منتظراً أن تغلي ليشربها.

ليس بيتاً بل وطن

منذ هُجّر الفلسطيني من بيته عام 1948م، وعلاقته بالبيت اختلفت تماماً، فقد تحوّل البيت من مجرّد مكان يهتدي إليه في آخر اليوم بعد عمل شاق أو سفر طويل، إلى رمز للوطن. حتى أنه عندما يحن إلى هذا البيت، فيكون القصد "الوطن" الذي أصبح يفتقده في يومه، ويحلم به في منامه، وينتظره أن يأتي طويلاً ولا يأتي.

ليس بيتاً مجرداً بسقف وحجارة ذلك الذي يمتلكه الفلسطيني، ولكنه بيت أقرب إلى الفكرة، فكرة لا تُفقد بالهدم ولا بالتقادم

والغريب في الأمر أنّ الفلسطيني قادر أيضاً على توريث هذا البيت رغم غيابه عنه، فعندما يتوفى من انتظر طويلاً، يقسّم الأبناء ما تركه من أموال وحنين، وهكذا يكون الفلسطيني قد ابتكر مصطلحاً آخر للتوريث ألا وهو توريث "الحنين إلى البيت"، ما يجعلنا نفهم لماذا لم ينس الفلسطيني وطنه رغم غيابه عنه لعقود طويلة.

ساهمت الخيمة التي تحوّلت فيما بعد إلى بيت متواضع، في توسعة خيال الفلسطيني حول "فكرة البيت" التي باتت تكبُر يوماً بعد يوم، ويُشيّد عليها أحداث وتفاصيل لم تكن موجودة في الواقع، أو ربما وُجِدت ولكنها لم تمارس فعلياً. هذه الفكرة الكبيرة عزّزت مفهوم الوطن البيت، وهنا ربما نجد الوطن يتمثّل في أشياء مُختلفة: ركوة قهوة، كمشة زعتر، دالية عنب، بيّارة... إلخ. لذلك، حين يتحدّث الفلسطيني عن بيته، قد يذكر مشهداً واحداً فقط ولكن القصد منه يكون مشاهد أخرى كثيرة. يحدث ذلك أيضاً عندما يرث طفل من والده "الحنين إلى البيت" الذي قد يكون مقتصراً على فعل/مشهد واحد، ولكنّ القصد يكون بلاداً.

الخيمة مرة أخرى

فجأةً ودون سابق إنذار، وجد الفلسطيني نفسه يفقد البيت مرة أخرى - أتحدّث هنا عن المعنى المجرد للبيت الذي يتكوّن من طوب وإسمنت وحديد – ليقع بذلك بين سؤالين مهمين، سؤال البيت القديم "الفكرة"، وسؤال البيت الجديد "المجرّد"، ولكلّ سؤال منهما إجابة أكثر مرارة من الأخرى، فمن اختار الانغماس في السؤال الأوّل قُضي عليه بالموت أو الخوف أو الجوع، أما من اختار الإجابة عن السؤال الثاني، فقد باتت "فكرة البيت" في رأسه مشوّهة تماماً، حتى أنه عندما يحنّ إليه يكاد لا يعرف إن كان يحنّ إلى البيت الأوّل "البلاد"، أم البيت الثاني "الخيمة التي نضجت".

استيقظ الفلسطيني على الخيمة مرةً أخرى، ولكنّ الخيمة في هذه المرة تختلف تماماً، فخيمة 1948 ليست كخيمة 2024، والاختلاف هنا ليس اختلافاً مجازياً، بل اختلاف يُمكن ملامسته بأطراف الأصابع، وإلا، فكيف تتشابه الخيمة التي نتجت عن بيت والخيمة التي نتجت عن خيمة؟ الخيمة التي سقفها وطن والخيمة التي سقفها مخيّم؟

الفلسطيني ابتكر مصطلحاً آخر للتوريث ألا وهو توريث "الحنين إلى البيت"، ما يجعلنا نفهم لماذا لم ينس الفلسطيني وطنه رغم غيابه عنه لعقود طويلة

رغم ذلك، لم يرمِ الفلسطيني المنديل، ويُمكن القول إنّه استعان بذاكرته لتحويل الخيمة الجديدة إلى الخيمة القديمة، ليظلّ قادراً على تحديد بوصلته... تجاه البلاد.

هدم الذكريات

عند تأمّل وجع الفلسطيني، نجدُ أنّ المسألة ليس مجرّد هدم بيت، فالصاروخ الذي يوجّه إلى البيت لا يقصده تحديداً ولكنه يقصد الذكريات. أي أنّ الجنرال الذي يعطي الأمر والجندي الذي ينفّذ يستهدفان ذكريات الفلسطيني. إن حربهم مع الفلسطيني منذ البداية حربُ ذكريات، فهُم يحاولون دائماً تجريده من كلّ شيء: الأرض، البيت، الأولاد، الأمل، وهكذا دواليك.

ولم يكن هذا الهدم المتعمّد أبداً وليد اللحظة، بل منهجية مُتّبعة منذ بدء الاحتلال، كما أنه لا يقتصر على الماضي، بل يستهدف "الحاضر" الذي سيصبح غداً "ماضياً" أيضاً، في رهان دائم على "النسيان" الذي اكتشف الاحتلال فشله في فرضه بعد 75 عاماً من القتل المُتعمّد لكلّ الذكريات، فمن يسمح بترك الحصان وحيداً في ذاكرته؟ ومن ينسى رعشة الصباح أمام حوش بيته؟ ومن يرفع كرسيّ الشهيد عن طاولة الطعام؟ ومن يقنع الأمّ وهي تنتظر أنه لن يأتي؟

تشييد مُستمر للذاكرة

في الخيمة التي تكاد تكون قدر الفلسطيني في الحياة، ووسط زخات الرصاص التي لا تتوقف وتحت وطأة ضربات المدافع وصواريخ الطائرات؛ استطاع الفلسطيني أن يُجري عملية تشييد بسيطة لذاكرته كما كان يفعل دائماً، فصنعت الأمّ ركناً لركوة القهوة الصباحية، ورتّبت الخيمة كأنها بيت كبير واسع، ملتزمةً بالألوان نفسها التي استخدمتها في بيتها، كأنها بذلك تُعالج ذاكرتها المصابة بالخيمة/الخيبة.

الجنرال الذي يعطي الأمر والجندي الذي ينفّذ يستهدفان ذكريات الفلسطيني. إن حربهم مع الفلسطيني منذ البداية حربُ ذكريات، فهُم يحاولون دائماً تجريده من كلّ شيء: الأرض، البيت، الأولاد، الأمل...

أما الأب الفلسطيني، فقد صنع ركناً خاصاً، كذلك الذي كان في زاوية البيت في الشتاء وفي زاوية الحوش في الصيف،  فعلّق الراديو على رف صغير صنعه أعلى الخيمة، وأشعل نار الكانون التي للتدفئة ولكن القصد صناعة برّاد شاي لا مثيل له، بينما الأخت والأخ لم يتوقّفا عن المناكفة، والصغار لم يتخلّوا عن عاداتهم أبداً، ورؤيتهم يلعبون الحجلة أمام الخيمة ليس مستغرباً، فالقصد أنهم يلعبون في حوش البيت، لتكتمل بذلك أركان البيت دون وجود البيت نفسه.

يحمل بيته على ظهره

لا أعرف إن كان الفلسطيني يحمل بيته على ظهره أم يحمل ظهره على بيته، ولكنه في كلتا الحالتين يبدو الأمر كأنّه يضع البيت في صُرّة، يشبه الأمر ما كان يحدث دائماً عندما يهاجر أو يسافر إلى بلد آخر، حيث يضع في حقيبته كلّ ما يقوم باستمرار بإعادته إلى البيت، بدءاً من زجاجة الزيت والزعتر، وصولاً إلى طنجرة الكهرباء.

لذلك، عندما يُقتل الفلسطيني جماعةً الآن في غزة، ليس من المنطقي أن نقول: قُتل، ثمّ نصمت. يجب أن نقول: قُتل الفلسطيني وسُرقت منه ركوة البيت وضحكة امرأته وجدال أبنائه وصوت مذياعه، ولم يبق أحد من أبنائه كي يرث ذاكرته، فورثها أبناء الجيران والمشيعون والمارون مصادفةً بجانب الجنازة، وحافر القبر وحارس المقبرة والشجرة بجوار القبر... إلخ. فمن قال إنّ الفلسطيني هو الإنسان فقط؟ فهذي البلاد كلّ ما فيها حيّ، حتى حجارة البيت وإسفلت الشوارع.

إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.



* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

نرفض أن نكون نسخاً مكررةً ومتشابهة. مجتمعاتنا فسيفسائية وتحتضن جماعات كثيرةً متنوّعةً إثنياً ولغوياً ودينياً، ناهيك عن التنوّعات الكثيرة داخل كل واحدة من هذه الجماعات، ولذلك لا سبيل إلى الاستقرار من دون الانطلاق من احترام كل الثقافات والخصوصيات وتقبّل الآخر كما هو! لا تكونوا مجرد زوّار عاديين، وانزلوا عن الرصيف معنا، بل قودوا مسيرتنا/ رحلتنا في إحداث الفرق. اكتبوا قصصكم، فكل تجربة جديرة بأن تُروى. أخبرونا بالذي يفوتنا. غيّروا، ولا تتأقلموا.

Website by WhiteBeard