شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

قدّم/ ي دعمك!
غزّة... الرئة التي يتنفّس منها المخيم

غزّة... الرئة التي يتنفّس منها المخيم

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

مدونة

الثلاثاء 13 فبراير 202409:15 ص

تستمر الملحمة الفلسطينية في غزة. أكثر من مئة يوم ونحن نعيش البطولة بأنواعها المختلفة، تارةً نبكي وتارة نمشي برؤوس مرفوعة، وتارةً نشعرُ بسذاجة الحياة. برمشة عين أو بقصف سريع يصبح الصحافي هو الخبر، والمرأة التي كانت تقف بجانب البيت أصبحت شهيدة البيت، والرجل الذي كان يمشي في الشارع، صار يمشي إلى قبره، والطفل الذي كان يركعُ نام على سجادته شهيداً.

هكذا هو المشهد اليوم بعد أكثر من مئة يوم من المشاهد والصور المؤثرة. حتى وإن غيرت القناة التي تشاهدها، فستجد المشهد الكامل: المشهد الوحيد، الموت والدم/ الدم والموت وسط عواء الطائرات. هو المشهد الذي يطغى على كل المشاهد. كم سخرتُ من الشاب الذي يجلس في الدكان ويشاهد مباراة كرة القدم بكل حماسة، قائلاً: لقد انتصرنا عليهم؟ سألته: من هم؟ قال: الفريق الآخر. ظننته يقصد الأعداء في غزة. فأكد: أنا أتابع اليوم مباراة كرة قدم. قلت لهُ: "يا رجل لدينا ثلاثة وعشرون ألف شهيد في غزة وتتابع مباراة كرة قدم!".

دائماً يتخيل الناس في المخيمات ما يحدث في غزة، فيعيشونه في تفاصيل حياتهم. تسأل خالتي: كيف حصل ذلك مع وائل الدحدوح؟ حين تأخر ابني عبد ليلاً، خفت عليه كثيراً، وبدأت بالاتصال بأصحابه. كيف تعيش الأمهات في غزة تلك القوة في الصبر على رحيل أحبتهم بكل إيمان وعزيمة؟ كلما حصل حادث ما في المخيم مثل انقطاع التيار الكهربائي لمدة طويلة، بدأت الجارات بالشكوى على البلد وحكومته. يقول رجل كبير في السن للنساء: تذكرن ما يحدث في غزة، النساء هناك لا يمتلكن أبسط حاجات العيش، في غزة كلها لا وقود ولا ماء ولا طعام ولا دواء ولا حتى بيوت. بهذه الفلسفة صار الناس يعيشون غزتهم الخاصة. في كل واحد فينا تعيش غزته الخاصة. قوّة بقائه وسبب وجوده ومقاومته للموت. كنت أقول: أنا أتنفس يعني أنا موجود. ثم أصبحت أقول: أنا غزة يعني أنا موجود.

أنظر من النافذة، أرى صورة مخيم نهر البارد من بعيد، فأتخيل نفسي في مخيم جباليا في غزة، أو في مخيم المغازي، بينما أنا في لبنان. ترنُّ في أذني أغنية خالد الهبر:" نحن في غزة بخير طمنونا عنكم". الذين في غزة بخير ولسنا نحن

صارت غزة عندنا مكاناً بديلاً للنفس. هذه فلسفتنا الغزاوية التي أصبحت مصدر القوّة فينا. كل ما حدث في غزة ويحدث، يعلمنا دروساً كثيرة في البقاء والصبر والقوة. في ظل هذه الحرب، أصبح الموت أمراً عادياً جداً. من هول ما رأينا من مشاهد الاستشهاد والفقد والوداع بلا جنازات، ومن هول ما رأينا من دماء، أصبح اللون الأحمر لوناً مألوفاً جداً. وتستمرّ الملحمة الفلسطينية في تفاصيلها الكثيرة والكبيرة، كلما التفتنا شمالاً أو يميناً قالوا لنا إن كل ما نتعرص له يبدو سخيفاً في ظل ما يحصل في غزة. "روحوا شوفوا شو عم بصير بغزة"، "اللي بشوف مصيبة غيره بتهون عليه مصيبته". أصبحنا نرى كل ما يحدث في حياتنا بعين السخرية أمام ما يحدث في غزة. ربما لأنّ ما يحدث في غزة لا يوجد له مثيل في العصر الحديث ولا في العصر القديم.

أنظر من النافذة، أرى صورة مخيم نهر البارد من بعيد، فأتخيل نفسي في مخيم جباليا في غزة، أو في مخيم المغازي، بينما أنا في لبنان. ترنُّ في أذني أغنية خالد الهبر:" نحن في غزة بخير طمنونا عنكم". الذين في غزة بخير ولسنا نحن، هم بخير أكثر منا. أو تأتي إلى ذهني قصيدة محمود درويش: يا أيّها البطل الذي فينا انتصر/ يا أيّها البطل الذي فينا انتصر / أنت أدرى بالزمان وأنت أدرى بالمكان وقوّة الأشياء فينا.

السابع من أكتوبر غيّر فينا الكثير، ليس على الصعيد السياسي والثقافي فحسب بل أيضاً على الصعيد المشاعري والنفسي والتفكيري. نفوسنا أخذت جهوزيتها لجميع الاحتمالات التي قد تحدث في المستقبل. فحين نقدم على عمل مستقبلي ما، نبدأ بالبحث عن الظروف المناسبة له في ظل الأوضاع. هل يؤثر ما يحدث في غزة سلباً عليه؟ هذا السؤال الذي يراودنا دائماً، وعلينا أن نعتبر ما نُقدم عليه بأنه عمل وطني دعماً لأهلنا في غزة، مثل البدء بأي لقاء أو اجتماع بقراءة الفاتحة على أرواح شهداء غزة. بشكل تلقائي تذهب أعمالنا المستقبلية كشباب إلى نصرة غزة. يقول الشباب اليوم: نحن نتعلم كي نهزم العدو بالعلم، ونحن نبحث عن وظيفة كي ندخر المال من أجل المعركة القادمة. فهذه أيضاً قوّة منحتنا إياها غزة وأصالة قضيتها الإنسانية، وهي من بركات هذه الملحمة التي علمتنا معنى القوة بكل تفاصيلها.

أذكر قول الشاعر الشاب ابن المخيم حين سألهُ الاعلامي عن كتابة الشعر في ظل الحرب، فقال: أطفال غزة هم الشعراء الحقيقيون

أذكر قول الشاعر الشاب ابن المخيم حين سألهُ الاعلامي عن كتابة الشعر في ظل الحرب، فقال: أطفال غزة هم الشعراء الحقيقيون، ونساء غزة هم أمهات الشعراء اللواتي يصنعن لحظات الإلهام والرجال، الذين يتعلم الحكمة منهم كل من يشاهدهم. تكمن هذه القوة في الوجه الفرح، في الوجه الذي يبعث الأمل والطمأنينة في لحظة الشهادة، فالفرح في الحرب أيضاً قوة، قوّة من نوع آخر حيث العدو يحاول زراعة الحزن من أجل إضعافنا.

لكننا ماضون في درب الفرح حتى آخر شهيد.

الجيران واللاجئون في المخيم يستمدون قوة الصمود من أهل غزة، ويعيشون تفاصيل الحرب ومصطلحاتها الجديدة. كلمة "معلش" وحدها مصدر للقوة، فهي تبشر بفلسفة اللامبالاة التي تشحن الروح بقوة عفوية. وتعبيرا "كلو فدا فلسطين" و"حسبنا الله ونعم الوكيل" هما في عداد مصطلحات غزاوية بسيطة وعفوية، هي مصدر قوّتنا الجديدة.

إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.



* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

Website by WhiteBeard