شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

ضمّ/ ي صوتك إلينا!
عدمية عادية لإنسان عادي

عدمية عادية لإنسان عادي

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

مدونة نحن والتنوّع

الثلاثاء 6 فبراير 202411:57 ص

كنت أتصفح الواجهة الرئيسية لفيسبوك في بداية اليوم كعادتي، أبحر في أمواج تتنصل من الترابط، لكنها ترتطم جميعاً عند حافة واقعنا المأزوم، فوجدت نفسي أمام مجموعة من الصور شاركها أحد الأصدقاء من ذكرياته على فيسبوك. الصور تعود لمرحلة الدراسة الجامعية، لفترة ليست بعيدة زمنياً، فلا تتجاوز أقدم صورة ثماني سنوات. فتحت الصور إذعاناً للحنين الذي أخذ ينمو في صدري تجاه لحظات لم أعشها، ووجوه لم أرها في حياتي، وأخذت أفحص بنهم، وأنتقل من صورة للثانية، وإذا بي أجد نفسي أمام شخصية أعرفها جيداً! سرعان ما تبدّد الحنين، وطفرت من وجداني أول ذكرى عشتها تربطني بالصور. هذه الشخصية أعرفها معرفة مزدوجة، فهي معرفة سطحية من حيث المساحة الزمنية والمكانية، وعميقة من حيث إدراك دلالاتها الاجتماعية والنفسية وموقفها الوجودي.

لا أظن أنني أحتاج لأن أنبه القارئ لطبيعة العلاقة التي جمعتني بهذه الشخصية، فمن سياق الكلام لابد أنه قد فهم طبيعتها، وحَزر أنها لم تكن إيجابية ولا خلّفت شعوراً أخلاقياً حميداً، بل ربما خلفت النقيض لكل ذلك. لكني سأكتفي بأن أشير للإطار الاجتماعي الذي جمعني بها، وهو العمل.

ما أدهشني هو هيئة هذه الشخصية في هذه الصورة، التي تعود لفترة قديمة من حياتها، ربما نسيَتْها تماماً، وأهالت عليها مجارف من التراب عامدة. أخذتني الحاجة لأن أرسل الصورة لأحد أقرب الناس إليّ، قرينتي في حب النميمة، ويتصادف أيضاً أنها تعرف هذه الشخصية على نحو يشابه معرفتي المزدوجة عنها، ولو انتهت لنتائج تختلف عمّا انتهيت أنا إليه.

أرسلت الصورة وانتظرت على أحرّ من الجمر، وجاءني الرد بعدها بلحظات أو ساعات أو أيام، فلا أتذكر الآن سوى الانتظار الطويل. جاء الرد مهذباً، ينطوي على نظرة شديدة التحضّر، ويكيل قدراً من الملامة التي تكتسي باللطف: "عادي، كلنا لينا صور كده زمان".

ينطوي الرد على تعاطف نبيل مع المظهر البسيط الذي تظهر به هذه الشخصية في هذه المرحلة من حياتها، الذي لا يختلف كثيراً عن مظهر الكثيرين من شباب المجتمع المصري "الريفعشوائي"، إذا صح التعبير. هنا وجدت نفسي في حاجة لأن أوضح موقفي من هذه الشخصية، خاصة وأن لي أنا أيضاً صوراً توثق ماضيَّ القريب الريفعشوائي!

نحن لسنا أمام ذات متعالية، ضجرت من خفة الوجود وخلوّه من المعنى، إنما أمام ذات انضغطت مئات المرات نتيجة كونها ملاحقة بإحساس الخزي والعار وهاجس الخصاء

قلق الفناء الذاتي

ودار حوار بيني وبين صديقتي وبين نفسي، وَعدتُ صديقتي الغالية أن أعيد كتابته وأن أطلعها عليه فور انتهائي من الكتابة، وها هو:

- "عادي، كل منا له صور نظهر فيها بهذا الشكل!"

- "هذا صحيح، ولكن ليس كل منا يتنكر لماضيه، حتى لو لم نكن راضين عنه ولا عن ذواتنا، لا نخلق كلنا مظاهر زائفة لأنفسنا تتماشى مع أحلامنا الانتهازية ووجودنا الذي قيّدناه باعتبارات الوصول فقط، ولم نجعل كلنا من هذه الاعتبارات البراغماتية مقياساً أوحد يقيم الوجود بل ويحاكمه أيضاً، ونافذة يُنظَر من خلالها للآخر بتعالٍ طوال الوقت؛ ننهشه ونستغله ومن ثم نتجاوزه ونحن مطمئنون وهادئون لأن الآخر لم يكن على قدر نجاحنا وهمتنا العملية. 

لذلك، صورة هذه الشخصية في هذا الزمان لها دلالة مختلفة، فقد أصبحت الآن النقيض التام لما كانت عليه وقتذاك، أو هكذا تظن. فهي لا تزال تحمل هذا النموذج النقيض داخلها، رمز الفشل العملي والاجتماعي، في حالة إنكار وتنكر له، وهذا تحديداً ما يدفعها بعنف في طريقها الحالي، لأن أي تراخٍ أو أي تهاونٍ قد يتسبب في رجوع هذه الشخصية وكل ما تنطوي عليه من دلالات ضعف وفشل! هذا هو هاجسها، قلق الفناء الخاص بها يتمثل في هذه الصورة، بينما انحصر رمز التحقق الذاتي والحياتي عندها في صورة مادية بحتة، كما هو حال أي انسان متخلف وجاهل ومقهور، يحاول أن يزيح القهر عن نفسه من خلال تلبس شخصية المستغِل والاحتياط بأدواته.

هذه القصة هي الحكاية التقليدية لأناس كثيرين، وليست حكراً ولا ميزة تعود على الشخصية التي نتحدث عنها، لا جديد ولا غريب تحت الشمس، ولا من شيء يدهش. لكن فهم هذا النموذج ضروري للتعامل معه عملياً، وفي نفس الوقت مهم لنا حتى لا نحذو حذوها وتَزِلُ أقدامنا في نفس المنزلق. والسخرية بحقها شيء مشروع بصراحة، لأنها نموذج أو نمط يعبر جداً عن البرجوازية المصرية المعاصرة ومن يحاولون الظهور على نمطها الثقافي الاستهلاكي والأخلاقي".

انعكاس لا يشبهني

هنا انتهت رسالتي، وجاءني الرد سريعاً ومختصراً، بأنها فهمتني، ولم تناقشني في رأيي، ربما لأنها لم تتفق معي فيما ذهبت إليه حول هذه الشخصية التي تناولتها بمبضع التحليل، لكنها عبرت عن إعجابها بقدرتي على التحليل عموماً (ولو على الجانب النظري على الأقل) وسألتني : "لماذا لا تكتب؟"، فأجبتها: "ماذا أكتب، ولمن؟ العدمية تمنعني من ذلك". وهنا وجدت نفسي أمام مرآة، أنظر إلى انعكاس لا يشبهني، لكنه يقف هناك على الناحية المقابلة من الوجود، يقترب كلما اقتربت، ويبتعد إذا ابتعدت. هذا الانعكاس هو الشخصية الانتهازية التي أخذت أنكؤها بمبضع التحليل! أدركت مفارقة لم تخطر لي على بال، وهي إمكانية التقائنا نحن النقيضين (العدمي والبراغماتي) في مكان ما يوجد على المستوى المصيري المطلق تحت ظرف وجودي معين.

أخذت أتبين من هذه الخاطرة، كيف يمكن أن تلتقي بي هذه الشخصية وليس بيننا جامع قط! كيف تكون لي بمثابة انعكاس عقلي على الضفة المقابلة لي من الوجود؟ هل ستأخذني بها شفقة؟! وطافت الأفكار في رأسي، وهذا ما قر عليه العقل والوجدان في نهاية المطاف: "في ظروف اقتصادية، كالظرف الآني، وكل ما يخلقه من حوائط صد منيعة أمام الطموح البراغماتي، تصبح عملية تخيل ما يدور داخل هذه النفوس الأنوية egocentric ببساطة مشهدية مرعبة. العُقَد الآخذة في الاعتمال داخل هذه النفس المسكينة كنتيجة أكيدة لا منجى منها، لصراع طقوس التحول والانسلاخ الشرسة مع حوائط الصد التليدة، التي تعيقها عن إلباس الذات مظهر المستغِل، ستكون (هذه العقد) خطيرة بلا شك. إنها أشرس أشكال العدمية؛ الظهير الجهنمي للاستجابة الحرجة ومتراس آلياتها الدفاعية. ونحن هنا لسنا أمام عدمية سفيدرجايلوف (شخصية الجريمة والعقاب)، ولا عدمية (دون جوان) كيركجارد، الناشئتين في ظل بحبوحة العيش، والزمن المترهل الذي يتيح إمكانية الملل الوجودي! إنما نحن أمام عدمية البروليتاريا والطبقات العاملة، الناشئتين من انعدام الضمانات الاجتماعية والسحق الاجتماعي المستمر للإنسان، وغياب الإحساس بقيمة الفردانية الذي بدوره سيدمر الإحساس بقيمة الجماعة.

نحن لسنا أمام عدمية انتعشت بفضل نزوة الموت المتسامية على الوجود، بل أمام عدمية تفجّرت نتيجة صراع وجودي مع الموت الرمزي والفعلي. نحن لسنا أمام ذات متعالية، ضجرت من خفة الوجود وخلوّه من المعنى، إنما أمام ذات انضغطت مئات المرات نتيجة كونها ملاحقة بإحساس الخزي والعار وهاجس الخصاء. نحن لسنا أمام "هيفايستوس أو فولكان" إله النار والحديد، إنما أمام حشود عمال التعدين من تابعيه؛ إنها عدمية الإنسان العادي!

النموذجان يلتقيان في عجزهما عن الإيمان والتصديق، لكنهما يسلكان طريقين مختلفين تمام الاختلاف نحو العدمية. تتلبد السماء على الأول وتتوارى خلفها كل المعاني في ظلمات أبدية، بينما تمطر الثاني بحمولتها من المعاني والاعتبارات الزائفة، تغرقه في فوضى الإيمان الذي يتطلب الصبر والانتظار، ولا يأتي أبداً موسم القطاف.

كم نحتاج من النضال في زمن كادت تنفذ فيه كل أوراق اللعب؟ كم منا يسحقه الآن هذا الصراع وينتظر!؟ وإلى أين ستحط بنا هذه العاصفة؟

اضطراب الديمومة

يضاف إلى ذلك أن القيم العملية لا تصلح كركيزة منفردة تقوم عليها الذات، فهي لا تمنع القلق الوجودي الكامن في النفس المنسحقة (خاصة إذا توالت الإخفاقات)، بل ربما تساهم هذه القيم في تسرّب القلق وتفاقم هواجسه، ما يؤدي إلى استفحال اضطراب الديمومة (الارتباط المرضي بالماضي والشعور بتفلّت الحاضر والخوف العميق من المستقبل). وتأتي أوالية التأنيب الذاتي كعنصر مصاحب لبنية القيم العملية، التي تنطلق أساساً من إحساس مضني بعدم الكفاية، وتشحذها رغبة قوية في التخلص من الآلام النفسية والمادية والوجودية من خلال عملية صعود مستمرة تحقق حالة من الإلهاء. وكل هذا ينسجم تماماً مع المزاجية العدمية (السيزيفية) من حيث روحها الفاعلة داخل النفس وآثارها على الواقع المعاش، ويعبد الطريق نحو العدمية بعد رحلة طويلة من الإيمان والخذلان.

اجتمعت الأبحاث النفسية والاجتماعية على أن ما من تعارض مطلق بين الفرداني والجماعي، الذاتي والعام، بل الحق أن الأولى بإمكانها أن تغذي الثانية في إطار من سيادة القانون واحترامه؛ الإنسان الذي يحظى في مجتمعه بالقدر المطلوب من احترام وجوده الذاتي وينال حقوقه الشخصية على قدم المساواة مع غيره من المواطنين (وليس لكونه من أصحاب الحظوة والامتيازات)، هو الشخص الأكثر قدرة على احترام مجتمعه والإيمان به وبأفراده. ومن هنا تبدأ أولى عتبات الطريق نحو الديمقراطية التي ترفع من قيمة الحياة، فالديمقراطية تحتاج أولاً للإيمان بالآخر ولا سبيل إليها دون ذلك.

كم نحتاج من النضال في زمن كادت تنفذ فيه كل أوراق اللعب؟ كم منا يسحقه الآن هذا الصراع وينتظر!؟ وإلى أين ستحط بنا هذه العاصفة؟

إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.



* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

قد لا توافق على كل كلمة ننشرها…

لكن رصيف22، هو صوت الشعوب المضطهدة، وصوت الشجعان والمغامرين. لا نخاف من كشف الحقيقة، مهما كانت قبيحةً، أو قاسيةً، أو غير مريحة. ليست لدينا أي أجندات سياسية أو اقتصادية. نحن هنا لنكون صوتكم الحرّ.

قد لا توافق على كل كلمة ننشرها، ولكنك بضمّك صوتك إلينا، ستكون جزءاً من التغيير الذي ترغب في رؤيته في العالم.

في "ناس رصيف"، لن تستمتع بموقعنا من دون إعلانات فحسب، بل سيكون لصوتك ورأيك الأولوية في فعالياتنا، وفي ورش العمل التي ننظمها، وفي النقاشات مع فريق التحرير، وستتمكن من المساهمة في تشكيل رؤيتنا للتغيير ومهمتنا لتحدّي الوضع الحالي.

شاركنا رحلتنا من خلال انضمامك إلى "ناسنا"، لنواجه الرقابة والترهيب السياسي والديني والمجتمعي، ونخوض في القضايا التي لا يجرؤ أحد على الخوض فيها.

Website by WhiteBeard