شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

ادعم/ ي الصحافة الحرّة!
بنكهة هزلية آسيوية… رحلة عبر أزقة بيروت الثمانينية

بنكهة هزلية آسيوية… رحلة عبر أزقة بيروت الثمانينية

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

ثقافة نحن والتنوّع نحن والحقيقة

الثلاثاء 6 فبراير 202412:16 م

فيلم "الفدية" (Ransomed) الكوري (2023)، يشكّل خلطةً سينمائيةً هزليةً عابرةً للقارات في مضمونها، ونادرة الحدوث في أيامنا هذه، وإن كانت تعالج قضية اختطاف السكرتير الثاني في سفارة كوريا الجنوبية في بيروت، أواسط ثمانينيات القرن الماضي (كانون الثاني/يناير 1986)، من قبل جماعة غامضة ومجهولة ظهرت فجأةً في سياقات معقدة من فصول الحرب اللبنانية، وأطلقت على نفسها اسم "الخلايا الثورية". أما بحسب الفيلم، فهي كتائب "مقاتلي الجحيم".

المعضلة الأساسية في الفيلم، بغض النظر عن الخلطة الدرامية التي يجيء عليها، تكمن في الدرجة الأولى في اختيار أمكنة التصوير، حيث تدور المطاردات بين ميليشيات متقاتلة في ما بينها لتتقاسم فديةً ماليةً مقدمةً من وزارة الخارجية الكورية، عبر أقنية أمريكية وسويسرية لهؤلاء "الوحوش الآدميين"، تمَّ التلاعب برقمها لتتناسب مع أحداث الفيلم، وليس مع الواقع الحقيقي.

المعضلة الأساسية في الفيلم تكمن في الدرجة الأولى في اختيار أمكنة التصوير، حيث تدور المطاردات بين ميليشيات متقاتلة في ما بينها لتتقاسم فديةً ماليةً مقدمةً من وزارة الخارجية الكورية، عبر أقنية أمريكية وسويسرية لهؤلاء "الوحوش الآدميين"

والنكتة الأساسية أن من اختطفوه كانوا يظنونه يابانياً، ولهذا ربما جرى تغييبه ونسيانه في أقبية المختطفين (نحو عامين)، والعودة إلى مطالبتهم بفدية "سينمائية"، مقدارها خمسة ملايين دولار، فيما كان المطلوب في واقع الأمر عشرة ملايين دولار. عموماً، هي تفاصيل قد لا تهمّ المشاهد الذي يبحث عن الاسترخاء والمتعة والترفيه في نوع المطاردات والمطاردين وكميات الدم المراق في هذه التفجيرات التي تترافق مع أفعالهم الوحشية. وهو -أي المشاهد- المهتم بالنوع، سيبحث في الحبكة، ومدى اتساقها مع بقية الأحداث التي تنطلق أساساً من مبنى وزارة الخارجية الكورية الجنوبية في العاصمة سيول، قبل أن تتوسّع وتجرف معها البلاد التي كان يُطلَق عليها لؤلؤة الشرق الأوسط كما تنبّه تيترات البداية.

لقطة من الفيلم تظهر موظف الخارجية الكورية حين إطلاق النار

ولكن أكثر من نصف الفيلم سيصوَّر في أكواخ الصفيح والعشوائيات القبيحة المنتشرة حول المدن المغربية التي استضافت بطلَي الفيلم الكوري "ها جونغ-وو"، و"جو جي-هوون"، بجانب حشد من الممثلين المغاربة مثل أنس الباز، نسرين آدم، فهد بن شمسي وآخرين.

يلتقط الموظف في وزارة الخارجية الكورية لي مين جون (لعب دوره ها جونغ-وو)، رسالةً مشفرةً من المخطوف الكوري في بيروت عبر الهاتف، ويقوم بإعلام مديره ووزير الخارجية الكوري بها، ليقرروا في الوزارة إرساله إلى بيروت للتفاوض مع الخاطفين، وتسليمهم مبلغ الفدية مقابل إطلاق سراحه. تمر هذه المبادرة عبر أقنية عميل سابق للمخابرات الأمريكية يُدعى كارتر، الذي تحوّل إلى رجل أعمال جشع، بالإضافة إلى جامع للتحف الفنية مقيم في سويسرا اسمه هايز يقيم في قصر منيف على شاطئ إحدى البحيرات الجميلة، وهو يدير أعماله "الغامضة" المتعلقة بشكل أساسي بالحرب الأهلية ووكلائها من ميليشيات وتنظيمات وأحزاب في لبنان من مكانه، ويمكنه التدخل عند الخاطفين (أياً كانت هويتهم؟)، من أجل إطلاق المفاوضات مقابل نسبة عشرة في المئة من الفدية المقترحة، وهي خمسة ملايين دولار.

موظف الخارجية الكورية وسائقه في الفيلم

هناك طريقة واحدة لتفادي إرسال نصف الفدية نقداً عن طريق مطار بيروت لتفادي عمليات التفتيش من رجال الأمن "الفاسدين"، لذا يقوم هايز بإرسال لوحة فنية أصلية بهذا المبلغ إلى شخص مجهول في لبنان، على أن يقوم موظف في المطار بتسلّمها مقابل تسليم المبلغ المالي للموظف في وزارة الخارجية الكوري لي مين جون، لكن الأمور من حوله سوف تتعقد منذ لحظة وصوله، فثمة أخبار مسربة عن المهمة التي قدم من أجلها، وهو الأمر الذي سيجعله هدفاً متحركاً لجميع الميليشيات اللبنانية المتنافسة في ما بينها، وهي تسعى إلى الفدية الضخمة بعد أن أعيد ملف سكرتير السفارة الكورية المخطوف إلى الواجهة.

تزداد الأوضاع غرابةً منذ لحظة فراره من المطار، وركوبه في سيارة سائق يعمل على تاكسي للمطار، وتشاء الصدفة أن يكون كورياً محتالاً تقطعت به السبل في بيروت، وهو لا يمتلك أوراقاً تثبت شخصيته، لذا آثر العمل سائقاً، وسط هذه الفوضى التي يعيشها البلد في سنوات الحرب، وأصبحت لديه حبيبة لبنانية تُدعى ليلى يتردد عليها في أوقات فراغه. وعندما يستولي على الفدية، ويهرب بها، توبّخه ليلى وتطرده من بيتها في "موقف نبيل" منها وغير متوقع، وربما غير مفهوم في سياق هذه الفوضى الشاملة، لأنه غدر برفيقه، وسرق منه المال الذي سيسهم في تحرير الدبلوماسي المخطوف، فيصحو ضميره فجأةً، وهو الذي كان يتسوَّل خمسة دولارات من موظف الخارجية الكورية قبل عشر دقائق، ويعيد مليونين ونصف مليون دولار له بعد توبيخ حبيبته له!

موظف الخارجية الكورية أثناء حدث في الفيلم

يدخل على خط المطاردات زعيم ميليشيا قوية اسمه ناجي، بعد أن يتسلم كريم، زعيم ميليشيا "مقاتلي الجحيم"، نصف الفدية، ويطلق سراح الرهينة الكوري مع وعد بتسلم نصفها الآخر حتى يساعد بإخراج الكوريين من المطار إلى بلادهم، لكن الاستخبارات الكورية ترفض تسليم المبلغ المتبقي إلا في حال وصول الرهينة إلى الأردن أولاً، فهم يخافون على سمعة بلادهم، وهي أهم من حياة شخص واحد، خاصةً أنهم على أبواب استضافة أولمبياد سيول، والانتخابات الرئاسية قريبة، وهو ما يرفضه كريم الذي شعر ببعض الود والاستلطاف نحو لي مين جون. لكن هذا الأخير يتصرف بشجاعة ويتصل بهايز لتأمين المبلغ، في الوقت الذي يقوم فيه موظفو الوزارة بدفع ثلاثة أشهر من رواتبهم لإنقاذ رفيقهم الدبلوماسي وتأمين عودته سالماً إلى أرض الوطن.

يمكن تقبّل الفيلم بوصفه فيلماً كوميدياً "مسلياً" عن حرب دارت في زمن ما، وكان المتقاتلون فيها يتبادلون إطلاق الرصاص دون أن نعرف الأسباب التي دفعت بهم إلى ذلك

لا تكمن مشكلة الفيلم في تنفيذ المطاردات، أو في إعادة إنتاج المكان، لجهة الديكور والأكسسوارات اللازمة، ومن الواضح أن لديهم في طاقم الفيلم مستشارين دراميين لعبوا دوراً كبيراً في ضبط اللهجة اللبنانية، ووضع الإشارات والعلامات اللازمة للإيحاء بصحة مفردات الحرب الأهلية اللبنانية، وأمكنتها، لكن طبيعة التضاريس الجبلية الحمراء وجغرافية المغرب نفسها (صوِّر الفيلم في طنجة والدار البيضاء ومراكش)، وضعت اجتهادات الجهة المنتجة على كف عفريت لمن يعرف ما حدث في لبنان في سنوات الحرب.

موظف الخارجية الكورية وسائقه أمام حاجز أمني في الفيلم

أما بالنسبة لمن لا يعرف شيئاً عنها، فسيَّان عنده إن شاهد مغاربةً يتقاتلون في ما بينهم، وهم ينطقون بلهجة لبنانية معقولة إلى حدٍ ما، أو تحوَّلت طرقات وجبال المغرب إلى البوشرية وبشري وراشيا، لأن هناك من نصح باستخدامها ليضفي واقعيةً أكبر على الأحداث، أو أن يشاهد دون اكتراث فعلي لافتات تحمل بعض شعارات الميليشيات اللبنانية المتقاتلة من زمن الحرب الأهلية.

باستثناء أن الفيلم نفسه قد تحوَّل في جزء كبير منه إلى مطاردات كوميدية الطابع، وبعضها كان مبالغاً في هزليته، ما أفقده ذلك الحس التراجيدي الذي كان يفترض أن يحيط بحكاية الدبلوماسي المخطوف، لكن ما قد يشفع له بغض النظر عن الهنّات والسقطات التي رافقت تنفيذه، أنه فيلم يمكن تقبّله بوصفه فيلماً كوميدياً "مسلياً" عن حرب دارت في زمن ما، وكان المتقاتلون فيها يتبادلون إطلاق الرصاص دون أن نعرف الأسباب التي دفعت بهم إلى ذلك. لا أحد يعرف شيئاً عنهم، ولا لماذا كل هذا الكرّ والفرّ بين أزقة الفقراء التي لم تغيّر الحرب شيئاً من عشوائيتها، ومن مكانتهم كبشرٍ لا ناقة لهم ولا جمل في هذه المعمعة الرهيبة!


رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

WhatsApp Channel WhatsApp Channel

ألم يحن الوقت لتأديب الخدائع الكبرى؟

لا مكان للكلل أو الملل في رصيف22، إذ لا نتوانى البتّة في إسقاط القناع عن الأقاويل التّي يروّج لها أهل السّلطة وأنصارهم. معاً، يمكننا دحض الأكاذيب من دون خشية وخلق مجتمعٍ يتطلّع إلى الشفافيّة والوضوح كركيزةٍ لمبادئه وأفكاره. 

Website by WhiteBeard