شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

انضمّ/ ي إلى ناسك!
هل تستغل الصين

هل تستغل الصين "الحرب على غزة" في صراع النفوذ مع واشنطن؟

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

سياسة نحن والتاريخ

الخميس 1 فبراير 202403:55 م

امتنعت الصين عن إدانة الهجوم الذي نفذته حماس في مستوطنات غلاف غزة، في 7 تشرين الأول/ أكتوبر الماضي. في المقابل، وصفت الرد الإسرائيلي بـ"العقاب الجماعي للمدنيين"، في محاولة منها للحفاظ على توازن دقيق، و"تصوير نفسها وسيطاً، بجانب ممارسة نفوذها في المنطقة"، حسب المحاضِرة في كلية السياسة والعلاقات الدولية بجامعة إكستر، ماريا باباغورغيو، والباحث بجامعة مينهو، محمد إسلامي.

ففي بريد إلكتروني مشترك، يتوقع الباحثان، زيادة انخراط الصين في الشرق الأوسط، ولعب دور معزّز في جهود إنهاء الحرب، والإفادة من إحباط الدول العربية تجاه واشنطن لترسيخ نفسها باعتبارها قوة عظمى في المنطقة.

وأتت عملية "طوفان الأقصى" قبل زيارة مجدولة لرئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو أواخر تشرين الأول/ أكتوبر الماضي إلى بكين، التي استضافت الرئيس الفلسطيني، محمود عباس، في حزيران/ يونيو الماضي، في إطار تعظيم دورها في المنطقة، واستعدادها، وفق وزير خارجيتها السابق، تشين غانغ، إلى "تسهيل محادثات السلام لتسوية الصراع الإسرائيلي الفلسطيني المستمر منذ فترة طويلة"، والذي تصفه بكين ب "قلب قضية الشرق الأوسط". وعليه، كان "حل القضية الفلسطينية وتحقيق حل الدولتين أهم محك للعدالة والإنصاف في الشرق الأوسط، مع دعم عقد مؤتمر دولي ذي مصداقية" بنداً متقدماً في المبادرة الصينية لتحقيق الأمن والاستقرار في الشرق الأوسط عام 2021.

ولاستيعاب الموقف الصيني، لابد من العودة إلى خمسينيات القرن الماضي، وبداية انفتاح بكين على القضية الفلسطينية، والجهود الحثيثة التي بذلها شوان لاي، وزير خارجية الصين، آنذاك، لإدراج القضية الفلسطينية على جدول أعمال مؤتمر الدول الإفرو-آسيوية في باندونغ عام 1955.

فالصين، حسب شوان، تؤيد القضايا العربية عموماً، والقضية الفلسطينية خصوصاً، كونها تؤيد كفاح الشعوب المستعبَدة. لذا، رفضت الصين الاعتراف بإسرائيل، مقابِلةً اعتراف الأخيرة بها عام 1955، بالاعتراف الرسمي بمنظمة التحرير الفلسطينية عام 1965، في حالة "فريدة في العلاقات الدولية" و"حدث ثوري في القانون الدولي"، حسب رئيس المنظمة آنذاك، أحمد الشقيري. ومع ذلك، تعتبر إسرائيل المزود الثاني للصين بالأسلحة بعد روسيا.

امتنعت الصين عن إدانة الهجوم الذي نفذته حماس في مستوطنات غلاف غزة، في 7 تشرين الأول/ أكتوبر الماضي. في المقابل، وصفت الرد الإسرائيلي بـ"العقاب الجماعي للمدنيين"، في محاولة منها للحفاظ على توازن دقيق، و"تصوير نفسها وسيطاً، بجانب ممارسة نفوذها في المنطقة"

قطف الثمار المتدلية

يعتقد الخبراء الصينيون أن زيادة اهتمام واشنطن بالمسارح الاستراتيجية "غير الشرق آسيوية"، يمنح الوقت والمساحة لتأكيد هيمنة بكين الاستراتيجية في منطقة المحيطين الإندوباسيفيك، حسب الزميل المشارك في المعهد الملكي للشؤون الخارجية، أحمد أبو دوح. لذا، تسعد بكين بانجرار واشنطن لصراعات الشرق الأوسط.

يشير مدير مركز الدراسات والبحوث بالمعهد الدولي للدراسات الإيرانية في الرياض، اللواء أحمد الميموني، في حديثه لمركز ويلسون، إلى "حذر الموقف الصيني تجاه الأزمة الحالية في غزة، مع موازنته بين مصالحه الحالية والمستقبلية"، معتبراً أن "زيادة انشغال واشنطن بالأوضاع في الشرق الأوسط يخفف الضغوط الأمريكية على الصين، خصوصاً بما يتعلق بتايوان، ويحمّل واشنطن أعباء جديدة تخدم بكين".

"من خلال تأكيد حيادها، ترجو بكين التحقق من موقف واشنطن الأخلاقي، وتدويل القضية الفلسطينية، بالدعوة لمؤتمر دولي يشق الطريق لبدأ عملية سلام، مع إزاحة واشنطن عن موقعها المستمر كحكم وحيد للصراع"، حسب أبو دوح. تتلاقى معه الباحثة الأمريكية المتخصصة في السياسة الخارجية الصينية، دوان ميرفي، بقولها: "في ظل جودة العلاقات بين الولايات المتحدة وإسرائيل، يمكن لبكين وواشنطن معاً أن تُقنعا كل الأطراف المعنيّة بالجلوس إلى طاولة المفاوضات"، نظراً لعلاقة الصين الإيجابية مع إيران والعرب والفلسطينيين والأتراك.

"توترات كبيرة تخيّم على علاقة الصين مع البلدان المتشاطئة لها في بحر الصين الجنوبي، مع تصريحات قوية ضد تايوان ونشاط عسكري قوي في المنطقة، إلى جوار قلق بكين من التحالفات والمشاريع الجديدة، التي تراها موجهة ضدها، وآخرها الممر الهندي-الشرق أوسطي-الأوروبي"، كنواة لمشاريع أكبر تستهدف مبادرتها المسماة الحزام والطريق"، حسب الباحث في التاريخ والعلاقات الدولية، والمتخصص في الشؤون الروسية والأوراسية، أحمد دهشان.

"طول أمد الحرب في غزة يصب في مصلحة بكين، بفقدان الموثوقية لدى الأطراف الأوربية والشرق أوسطي والهند، بنجاح هذه المشاريع، أو أن تتم عبر إسرائيل. بالإضافة إلى أن زيادة التورط في الحرب، وتحولها إلى صراع، سيُشغل المنظومة الغربية ويكشف زيف ادعاءاتها في المسألة الحقوقية، ما يمنح بكين القدرة على مواجهتها الدبلوماسية واستنزافها، وجذب المزيد من الدول العربية والإسلامية والإفريقية والجنوب العالمي إليها"

وينوّه إلى أن "طول أمد الحرب في غزة يصب في مصلحة بكين، بفقدان الموثوقية لدى الأطراف الأوربية والشرق أوسطي والهند، بنجاح هذه المشاريع، أو أن تتم عبر إسرائيل. بالإضافة إلى أن زيادة التورط في الحرب، وتحولها إلى صراع، سيُشغل المنظومة الغربية ويكشف زيف ادعاءاتها في المسألة الحقوقية، ما يمنح بكين القدرة على مواجهتها الدبلوماسية واستنزافها، وجذب المزيد من الدول العربية والإسلامية والإفريقية والجنوب العالمي إليها. مع تعّطيل، إن لم يكن إلغاء، المشاريع الهادفة لجعل الهند مقابل الصين في المنافسة الجيو-سياسية والجيو-اقتصادية".

المصلحة موجودة والأدوات مفقودة

حسب الأستاذ في معهد دراسات الشرق الأوسط بجامعة شنغهاي للدراسات الدولية، ليو تشونغ مين، فإن "خطر نشوب حرب سادسة في الشرق الأوسط لايزال قائماً، في حال طغت رغبة إسرائيل بالانتقام، أو شعرت حماس أنها تخوض معركة أخيرة، أو بانجرار المزيد من الدول إلى الحرب. وهو خطر أعلى مما يدركه الكثيرون".

ووفق الباحث في أولويات الدفاع والمحلل السابق لمكافحة الإرهاب في وكالة المخابرات المركزية، مايكل ديمينو، فإنه "بالنظر لنشر أصولها العسكرية في المنطقة، قد يؤدي التزام أمريكا تجاه حلفائها وشركائها إلى التدخل، لاسيما بحال تجاوز خطوطها الحمراء، كدخول "حزب الله" الحرب".

تخشى الصين توسع دائرة الصراع، حسب الميموني، "ما يؤثر على مصالحها الاقتصادية، ومكاسبها السياسة، والعلاقات التي نسجتها في المنطقة، نتيجة الأوضاع المستجدة في الشرق الأوسط، وتركيز الولايات المتحدة على الصراع في أوكرانيا خلال الفترة الماضية". مشيراً إلى "عدم امتلاك الصين للقدرة السياسية أو التأثير على ما يجري في غزة. مع استمرارها بإظهار الدعم السياسي لإنهاء الحرب، وإظهار خطأ المجتمع الغربي في الانحياز اللا إنساني ضد الشعب الفلسطيني. مما يعزّز موقفها تجاه شركائها لدى الدول الإسلامية والشرق أوسطية".

و"لدى الصين مصلحة بالتأكيد في منع مواجهة مباشرة أمريكية إيرانية، لأنها مستهلكة كبيرة للنفط، وهذا سيرفع الأسعار"، حسب مدير برنامج الشرق الأوسط في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن جون ألترمان. مع ذلك "من غير المرجح أن يقوم الصينيون بجهد كبير في هذا الصدد"، قبل حجز "مقعد على الطاولة عندما يتم حل الصراع بين إسرائيل وغزة"، رغم غياب "الرغبة أو القدرة على التعجيل بالحل".

حوت السلام الأبيض

"كصديق لكل من إسرائيل وفلسطين، ما نأمل أن نراه هو أن البلدين يعيشان معاً في سلام"، حسب المتحدثة باسم وزارة الخارجية الصينية، ماو نينغ، إلا أن واشنطن تعرقل وساطة بكين، وتصفها بمحاولة وضع النفس كمنافس جيوسياسي لواشنطن، حسب الناشط في مجال السلام، كيه جيه نوه، قائلاً: "الصين تستخدم مساعيها الحميدة وتسعى جاهدة للقيام بدبلوماسية مكوكية لمحاولة وقف التصعيد وإيجاد حل سلمي".

أضحت الصين في وضع أفضل من الولايات المتحدة للوساطة في حل النزاعات، سواء بين السعودية وإيران، أم روسيا وأوكرانيا، أم إسرائيل والفلسطينيين، وفق أستاذ العلاقات الدولية أيضاً بجامعة رنمين، وانغ ييوي. في المقابل، يرى معهد السلام الأمريكي أن بكين لم تدخل بجدية إلى ما يعتبره كثيرون "الحوت الأبيض لصنع السلام"، من خلال وساطة بين إسرائيل والفلسطينيين بشأن قضايا الوضع النهائي. بالإضافة لاعتقاد بعض المراقبين أن بكين ترى أن علاقتها مع إسرائيل أكثر أهمية من الناحية الاستراتيجية من علاقاتها مع الفلسطينيين.

من المهم فتح باب مشاركة بكين لواشنطن في جهود وقف الحرب ومنع توسع الصراع، مع رعايتهما لعملية سلام نهائية بين الإسرائيليين والفلسطينيين، لاسيما وأن الدولتين تتشاركان المصلحة في شرق أوسط مستقر. كما أن مشاركة صينية في هذا المجال قد توسع التباينات الصينية-الروسية، وهي بالتأكيد ستخلق فجوة عميقة بينها وبين إيران، أقله، لمعارضة الأخيرة لحل الدولتين

حسب دهشان، "لا ترغب بكين بتوسع الصراع في منطقة تقع ضمن فضائها الاستراتيجي الأوسع وترتبط بممرات التجارة الدولية واستراتيجية أمن الطاقة الصينية. وعليه تصرف الجهود الممكنة لوقف الحرب ومنع توسّعها. إلا أن إصرار إسرائيل واندفاعها في حال خسارتها عدد كبير من الضحايا، قد يؤدي لطول أمد الحرب، وفتح جبهات أخرى تطال شمال لبنان والقوات الأمريكية في المنطقة، من قبل المليشيات الإيرانية، مع إمكانية تدخل إيران والحوثيين، وإغلاقهما للمضائق. مما يشكل فرصة مثالية للصين، تحاصر خلالها تايوان، وتفرض عليها شروط الاستسلام". ف

ويضيف أن "بكين تدرك حاجة واشنطن للوقت غير الطويل، لإكمال منظومة تحالفاتها الخاصة بالمحيطين الهندي والهادي، لإطباق هيمنتها على المنطقة، وفرض حصارها على الصين. فالوقت يعمل لصالح واشنطن، لكنه ليس بصالحها لو تم الضرب الاستباقي من الآن".

يرجح محمد الدوح في جيبوليتكال مونيتور، دفع الصين لأجندتها الخاصة على جبهات استراتيجية مختلفة، ومنها، بحر الصين الجنوبي وتايوان، في حال توسع الصراع، وتحول انتباه الغرب للصراع الإسرائيلي في غزة. والأهم برأيه، نظرة بكين للوضع الملتهب في غزة والشرق الأوسط كفرصة لفتح جبهة مواجهة إضافية مع واشنطن، وبالتالي السماح للصين بفرض نفوذها في المنطقة في إطار أجندتها الاستراتيجية الخاصة.

مع وجود شين جين بينج على هرم السلطة في الصين، يصعب تقدير الموقف الصيني، حسب دهشان، فهو رجل خارج التوقع، لا يحسم الأمور بالمنطق الصيني المتعارف عليه، وخالف كل سياسات دينغ شياو بينغ، سيما لجانب عدم إظهار القوة (أخفِ قوتك وأنتظر الوقت المناسب). فيما يقوم بينغ بتعمد إظهار قوة الصين بشكل كبير ومبالغ فيه. ويتحدث بوضوح عن إعادة دمج تايوان مع البر الصيني سلماً أو حرباً، بخلاف الزعماء الصينيين السابقين، الذين تحدثوا عن الصين الواحدة، ودولة واحدة ونظامين، ودون التلويح باستخدام القوة.

ختاماً، تجدر الإشارة إلى تداعيات القضية الفلسطينية العميقة والسلبية على دول المنطقة، سواءً لناحية تحفيز التطرف والإرهاب، أو لتفريخ ديكتاتوريات عسكرية اعتلت السلطة بعد انقلابات جعلت من القضية الفلسطينية شماعة لها، مع تعطيلها للديمقراطية والشرعة الحقوقية الوطنية والتنمية وتصليب الهوية الوطنية باسم فلسطين وقضيتها.

وعليه، من المهم فتح باب مشاركة بكين لواشنطن في جهود وقف الحرب ومنع توسع الصراع، مع رعايتهما لعملية سلام نهائية بين الإسرائيليين والفلسطينيين، لاسيما وأن الدولتين تتشاركان المصلحة في شرق أوسط مستقر. كما أن مشاركة صينية في هذا المجال قد توسع التباينات الصينية-الروسية، وهي بالتأكيد ستخلق فجوة عميقة بينها وبين إيران، أقله، لمعارضة الأخيرة لحل الدولتين. وفي المحصلة تقطف واشنطن ثمار المشاركة الصينية في حالتي النجاح والفشل.

هذا التقرير جزء من سلسلة تقارير هي ثمار تعاون مع ويلسون سنتر - برنامج الشرق الأوسط، ونُشر في الأصل على موقع wilsoncenter.org 


رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

WhatsApp Channel WhatsApp Channel

‎من يكتب تاريخنا؟

من يسيطر على ماضيه، هو الذي يقود الحاضر ويشكّل المستقبل. لبرهةٍ زمنيّة تمتد كتثاؤبٍ طويل، لم نكن نكتب تاريخنا بأيدينا، بل تمّت كتابته على يد من تغلّب علينا. تاريخٌ مُشوّه، حيك على قياس الحكّام والسّلطة.

وهنا يأتي دور رصيف22، لعكس الضرر الجسيم الذي أُلحق بثقافاتنا وذاكرتنا الجماعية، واسترجاع حقّنا المشروع في كتابة مستقبلنا ومستقبل منطقتنا العربية جمعاء.

Website by WhiteBeard