شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

قدّم/ ي دعمك!
بقرة عجوز تحرّر صغارها من الأمومة الغاشمة

بقرة عجوز تحرّر صغارها من الأمومة الغاشمة

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

مدونة نحن والنساء

الجمعة 2 فبراير 202411:26 ص

في أيامي السيئة يلح علي سؤال متكرّر: "من أنا؟"، وأتذكر أغنية مريم صالح "عندي طول الوقت غربة... عندي جوه الغربة حلم". لماذا أشعر بالغربة منذ ما يزيد عن 30 عاماً وعندي الآن 42 عاماً؟ يلازمني الشعور بالاغتراب منذ طفولتي المتأخرة. أشعر بالاغتراب عن العالم حولي وعن نفسي، وأحياناً أرى نفسي وأنا أتحرّك كأنني أنظر إلى إنسانة أخرى تتحرّك في مشهد لا يعنيني.

مررت بأوقات صعبة على مدار حياتي مثل الجميع، بعضها كان يفوق قدرتي على الاحتمال، لكنني احتملت، ليس باختياري، ولكن لأنه لم يوجد أمامي سوى الاحتمال. بكاء حزن وبكاء قهر وبكاء ألم، ثم تدريجياً يتضاءل الحزن والألم ويمرّ الوقت. لا يشفى قلبي تماماً لكنه يواصل العمل كمضخّة للدم، ثم يستعيد قدرته على الحب والحياة من جديد بعد وقت أطول، لكنني لا أتخلص أبداً من الشعور بالاغتراب عن نفسي وعن العالم.

أذكر المرة الأولى التي شعرت فيها بهذا الاغتراب (لم أكن أعرف اسمه أو وصفه بعد)، كنت في الحادية عشر من عمري، وكان أبي مريضاً منذ فترة قريبة في المستشفى. ذهبت أنا وأمي لزيارته، فعرفنا أنه مات. لم أعرف وقتها ماذا أقول لأمي، هل أقول لها: "متزعليش"، أم أبكي أم أصمت تماماً؟ كان الموقف شديد التعقيد، كنت أخشى أن تظن أمي أن حزني على أبي يعني أنني لا أحبها ولا أقدّر ما فعلته وتفعله لأجلي. منعت نفسي عن البكاء وبقى ذلك البكاء بعينه محبوساً بداخلي لسنوات، أبكي على كل شيء وأي شيء، دون أن أصرّح أنني أبكي موت أبي.

تعلّمت أن الأب الذي يترك أبناءه أب غير جدير بالحب، وتعلّمت أننا يجب ألا نظهر حبنا للأب حتى لا تغضب الأم التي هجرها الأب، وأصبحت تقوم وحيدة بكل الأدوار

تعلّمت أن الأب الذي يترك أبناءه أب غير جدير بالحب، وتعلّمت أننا يجب ألا نظهر حبنا للأب حتى لا تغضب الأم التي هجرها الأب وأصبحت تقوم وحيدة بكل الأدوار. تعلمت أننا يجب أن نخفي مشاعرنا وأفكارنا وأن نقول لماما: "حاضر ونعم"، وألا نرفع أصواتنا ولا نعترض، وأن نقول "شكراً" دائماً عندما يعزم علينا أحد الأقارب أو الأصدقاء بقطعة حلوى أو شوكلاتة، وألا نأخذها حتى لو كنا نريدها. يجب ألا نظهر أي رغبة لنا، لأن أغلب رغباتنا وأفكارنا التي تدور في فضاء عقولنا، كما علّمني المجتمع، إما عيب أو غلط أو حرام.

أحبه مهما أشوف منه

بعد عقود، اعترفت بيني وبين نفسي أنني أحب أبي رغم هجره لي ولأمي، ومازلت أحزن حتى الآن بسبب هذا الهجر، ومازلت أتمنى لو كنت قضيت معه وقتاً أطول. نعم أحبه رغم أنه هجرني، وحزنت لموته رغم الأوقات القليلة جداً التي قضيتها معه، ورغم ذكرياتنا الضئيلة معاً والتي أحاول التشبّث بها، لكنها تتلاشى تدريجياً بمرور الوقت.

هناك أجزاء مني جُبلت على إخفائها أو أجبرت على ذلك، لكنني قرّرت مع الوقت ألا أخفيها. اخترت أن أصرّح بما أشعر به وأقبل ما أفكر به، فعلت ذلك بداية من سنوات مراهقتي، أي منذ ثلاثة عقود تقريباً. لم يكن هناك وقتها سوشيال ميديا ولا مقاطع فيديو عن قبول الذات ولا حتى شخص ما ينصحني، لكنني شعرت بداخلي أن هناك شيئاً ما يدفعني لأن أقول "لا"، ربما ساعات الوحدة الطويلة أثناء الطفولة، والألعاب الفردية التي تحفّز العقل، وعدم وجود إخوة أقضي وقتي في الشجار معهم. ربما هي ذكريات التنمّر والسخرية من الطفلة الوحيدة التي لا تملك أصدقاء ولا تنتمي لجماعة هي ما دفعتني لأقول "لا" داخل نفسي أولاً وببطء.

كنت كلما رفضت شيئاً ما لا يعجبني أشعر بالفخر وأشعر بوجودي، خاصة أن أمي ربتني على "نعم" و"حاضر" واحترام الكبير مهما كان مخطئاً، وعلى خفض الصوت وعلى الخوف. نعم ربتني أمي على الخوف من العقاب والترهيب المستمرّ، وأجبرتني على الكذب عليها باستمرار حتى أستطيع تجربة الحياة. نعم اعتدت الكذب منذ صغري، فأصبحت ماهرة وبارعة وسريعة فيه، حتى دون تخطيط مثل باقي أصحابي الصغار وقتها. وثقت دائماً في قدرتي على الارتجال. لا أجهّز الكذبة ولا أخطط لها. أقف أمام أمي وأكذب بثقة وثبات. تحسّنت قدراتي في الكذب أكثر وأكثر مع كل شعور بالقهر أو التخويف، و تحوّلت حياتي إلى سلسلة مستمرة من الأكاذيب، حتى أنني اعتدت الكذب كهواية أو مزاج، أو لتجريب تقنيات كذب جديدة على إناس جدد، وكان الجميع يصدقني، وكلما أمعنت في الكذب، أمعنوا في تصديقي وأمعنت أكثر في الاغتراب عن نفسي.

لم ينقذني سوى الفن

مع بداية دراستي في كلية الفنون الجميلة، عرفت الفن، وتدريجياً عرفت معنى الفن وأهمية الفردانية والصدق أثناء ممارسة الفن، وأدركت أن الصدق نفسه فن ومهارة بحاجة إلى الممارسة والتمرين المستمر، مثل الكذب تماماً. الحياة الصادقة ليست سهلة، والأسهل منها الاختباء خلف مظهر متكلف وملابس متكلفة وشكل متكلف وطريقة كلام متكلفة، وتسريحات شعر وماكياج كاذب. كان اختياراً صعباً أن أقرّر إزالة أدوات التجميل تدريجياً، وأتوقف عن ارتداء الملابس التي لا أحبها لمجرد أنها تعجب الآخرين. توقفت حتى عن الرسم بالطريقة التي أعرف أنها تجمع أكبر عدد ممكن من الدرجات، واخترت اللعب والتجريب في كل لوحة.

بعد أن نضجت مثل بقرة عجوز، وأصبحت أمّاً لثلاث فتيات، حاولت، وما زلت أحاول قدر ما أستطيع، مساعدتهم على التحرّر من الخوف بكل أشكاله، التحرّر من الخوف من الاختلاف، ومواجهة الجموع المتشابهة بسلاح الفرادة والثقة

كانت مجازفة كبرى لفتاة مراهقة بلا أصدقاء تقريباً. مجازفة يمكنها أن تفقدني صداقاتي المحدودة، والتي كانت في الأساس تدفعني دفعاً نحو نمط وحيد وثابت للفتاة الجميلة المرغوبة، لكنني اكتشفت أنه بعد أن نبذني الناس لسنوات، و أجبرتني الحياة على العزلة في طفولتي ومراهقتي، أنني أصبحت أبحث عن العزلة ولا أخشاها، وكان هذا هو الاكتشاف الكبير الذي اكتشفته عن نفسي، أنا بالفعل لا أهتم لرأي الناس من حولي، يعجبني ما لا يعجبهم وأنتمي إلى مكان ما حيث لا ينتمون.

أحببت فرادتي

انتزعني ذلك الشعور بالفرادة من الوحدة ومن انعدام الثقة فيما يخصّ ملامحي وشكلي وطريقتي في الكلام، والأهم، تخلصت بصدق من انعدام الثقة فيما يخص أفكاري، وتحرّرت تدريجياً من الخوف من أفكاري ورغباتي وأمنياتي.

بعد أن نضجت مثل بقرة عجوز، وأصبحت أمّاً لثلاث فتيات، حاولت، وما زلت أحاول قدر ما أستطيع، مساعدتهم على التحرّر من الخوف بكل أشكاله، التحرّر من الخوف من الاختلاف، ومواجهة الجموع المتشابهة، بسلاح الفرادة والثقة، ساعدتهم على التخلص من الخوف من التهديدات المستمرة ومحاولات الردع في المدرسة وبين أفراد العائلة والأصدقاء، حولت نفسي بإرادتي إلى معمل تجارب لبناتي، يجربون فيّ قول "لا". يجربون فيّ رفض ما لا يناسبهم وما لا يعجبهم حتى لو خالفوني. لم تكن محاولاتي ناجحة كل الوقت، لأنني كبرت على التهديد والتخويف، لكنني آمنت أن تحرّرهم من سلطة الأمومة الغاشمة الظالمة، هو بداية التحرّر من الخوف ومواجهة أي ظلم بوضوح وقوة.

إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.



* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

فعلاً، ماذا تريد النساء في بلادٍ تموج بالنزاعات؟

"هل هذا وقت الحقوق، والأمّة العربية مشتعلة؟"

نحن في رصيف22، نُدرك أنّ حقوق المرأة، في عالمنا العربي تحديداً، لا تزال منقوصةً. وعليه، نسعى بكلّ ما أوتينا من عزمٍ وإيمان، إلى تكريس هذه الحقوق التي لا تتجزّأ، تحت أيّ ظرفٍ كان.

ونقوم بذلك يداً بيدٍ مع مختلف منظمات المجتمع المدني، لإعلاء الصوت النسوي من خلال حناجر وأقلام كاتباتنا الحريصات على إرساء العدالة التي تعلو ولا يُعلى عليها.

Website by WhiteBeard