شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

لنبدأ من هنا!
من تأسيس الدولة إلى

من تأسيس الدولة إلى "وعاء متعة"… المرأة المغربية بين عهدين

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

حياة نحن والنساء

السبت 27 يناير 202408:31 ص

بين دولة المرابطين ودولة المرينيين في المغرب قرن ونيف، لم يتغير خلالهما نظام بنظام، ودولة بدولة فقط، بل حدثَت تغيّرات مُجتمعية جذريّة، كان وضع المرأة والنظرة إليها من بين تجلياتها.

خلال حقبة المرابطين، تجاوزت المرأة نضالَ الحقوق والمساواة وما شابه إذ كانت فيها فاعلةً على الصعيد السياسي بحيث تجلّى تأثيرها في مراكز القرار، وعلى الصعيد الاجتماعي من خلال تكوين الناشئة ودروها داخل الأسرة، وعلى الصعيد الاقتصادي من خلال اشتغالها بالعديد من المهن. كياسة المرأة وحنكتها بوّأتها هذه المكانة العالية خلال العهد المرابطي.

لكن فترة المرينيين جاءت وجاءت معها سلطة الفقهاء، السلطة التي أعادت المرأة إلى مستويات دنيا استناداً إلى فتاوى وتأويلات لنصوص دينية تضعُ حدوداً لحرية المرأة، وتنزع عنها إنسانيتها وتُنزلها مرتبة أقل من الرجل. هذه الفتاوى أثرت بدورها على مكانة ودور المرأة داخل الأسرة، وبالطبع ساهمت في تشكيل ذهنية المجتمع المغربي ككل تجاه المرأة.

المرأة المرابطية في ميزان السياسة

ارتكزت قبائل صنهاجة (أصل المرابطين)، والقبائل الصحراوية عموماً، على الدور الفاعل للمرأة في ميادين الحياة المختلفة ما ساعد على أن تتمتع بالحرية والمساواة التامة، بما في ذلك مشاركتها في مجالس القبيلة، والإدلاء بمواقفها مثلها مثل الرجل. لم يشذ المرابطون عن هذه القاعدة عند تأسيس دولتهم، سيرة المرأة المرابطية في الشأن السياسي سيرة من ذهب، وصلت إلى حد تكريمها بالنسب والكُنية، فقد كان أمراء المرابطين وقادة الجيوش، يُكَنَّون بأسماء أمهاتهم (ابن فلانة)، عكس الجاري في العرف - أن يكون النسب إلى الأب.

سيرة المرأة المرابطية في الشأن السياسي سيرة من ذهب، وصلت إلى حد تكريمها بالنسب والكُنية، فقد كان أمراء المرابطين وقادة الجيوش، يُكَنَّون بأسماء أمهاتهم (ابن فلانة)، عكس الجاري في العرف - أن يكون النسب إلى الأب. لا أدل على لك من سيرة زينب النفزاوية

لا أدل على سطوة المرأة على المستوى السياسي، إبّان حكم المرابطين، مما فعلتهُ زينب النفزاوية، التي قال عنها ابن خلدون إنها "كانت إحدى نساء العالم المشهورات بالجمال والرياسة". بعد زواجها من يوسف بن تاشفين، ذكر أحمد بن محمد عذاري،  في كتابه البيانُ المُغرب في أخبار الأندلس والمغرب: "ودخل بها يوسف بن تاشفين، وأخبرته أنه يملك المغرب كله، فبسطت آماله وأصلحت أحواله وأعطته الأموال الغزيرة... وبتدبير زوجته زينب في كل يوم مع أمسه حتى سلك أهلُ المغرب في قانون الضغط فتأتّى من ملكه ما لم يتأت". يكشف لنا هذا النص وعديدُ المصادر التاريخية أن زينب كانت طالع سعد على الدولة إبان بداياتها حيث جمعت الفطنة والدهاء والرأي الحكيم والسديد. زد على ذلك درايتها بالمنطقة، فما كان منها إلا توجيه زوجها لإخضاع القبائل، كنا أن تجنيد الجيوش وتدبيرها – بحسب ابن عذاري أيضاً- كان من تخطيطها. ليست النفزاوية إلا نموذجاً من نماذج عديدة للمرأة المرابطية التي فرضت رأيها، وتقلدت المناصب الرفيعة، وساندت الحكام، وأعانتهم على الحكم.

لم ينفصل الدور السياسي عن الحربي في الحكم وتثبيت السلطة، خصوصاً إذا علمنا حوادث التمرد والعصيان اللذين كانت تشهده الدول، لذلك طُعِّمَت الجيوش بالنساء المرابطيات، فتعلمن فنون الحرب والطعن والفروسية، وشاركن في عديد المعارك التي أظهرت بسالتهن.

المرأة المرابطية في ميدان العلم

حنكةُ المرأة المرابطية كانت وليدة السياسة التعليمية التي انتهجتها الدولة. شكّل تعليم المرأة عاملاً أساسياً في النهوض الحضاري الذي عرفته الدولة المرابطية، سواءً داخل المغرب أو في الأندلس، خصوصاً في مرحلة حكم علي بن يوسف.

وانقسمت طرق تعليم المرأة إلى نهجين؛ التعليم في الكُتَّاب وطلب العلم خارج بلدها برفقة "محرم". بالنسبة للتعليم في الكُتَّاب، برزت عديد النسوة اللاتي كُن يؤخذ العلم منهن، وذكر المقري في كتابه نفح الطيب في غصن الأندلس الرطيب، أم هانئ وحمدونة بنت زياد المؤدب التي كانت تُعلَّم النساء الأدب، فذاع بذلك صيتها وعظمت منزلتها. كما يذكر عبد اللطيف دندش في كتابه معاهد العلم والتعليم بالأندلس في عهد المرابطين أن بعض النساء اشتهرن بمهارتهن في الكتابة، إذ كن ينسخن المصاحف والكتب الدينية ويبعثنها إلى الوراقين، بل إن بعضهن أصبح من العالمات الجليلات اللاتي سطع نجمهن وطارت شهرتهن فقصدهن طلاب العلم للأخذ عنهن.

ولم تكن المرأة الأندلسية في عهد المرابطين، تقتصر على التعليم في الكُتَّاب فقط، بل عُرفت بطلب العلم خارج بلدها برفقة "محرم". فبرزت منهن الشاعرات، والطبيبات، نحو أم عمر بنت أبي مروان، التي وصفت بالماهرة في التدبير والعلاج، بل كانت تزور قصور الأمراء من أجل علاج نسائهم وأطفالهم. زد على ذلك اقتحامها المجالين التجاري والاقتصادي.

هذه بعض نماذج حياة المرأة في عهد المرابطين، ولعل توسع الدولة حتى الأندلس كان لها الأثر في هذا التوهج، لعامل التأثر بالحياة الأندلسية، فكانت الدولة أكثر مُعاصرة وانفتاحاً في عديد المجالات، رغم بعض التحديّات التي واجهتها المرأة القروية التي تعيش بعيداً عن الحضر.

المرأة في عيون فقهاء العهد المريني

على النقيض تماماً، بعد أزيد من قرن، قوّضت بعض الفتاوى في الدولة المرينية مكانة المرأة وأدوارها، وحوّلتها من المساهمة في تأسيس النظام إلى إخضاعها لتأويلات الفقهاء ورجالات الدين.

وبعد أن كان للمرأة إسهام واضح في الدولتين المرابطية والموحدية كان متوقعاً أن تخطو الدولة المرينية نفس الخطوات. بيد أن الفقهاء في ذلك العصر دأبوا على  الحط من قيمة المرأة والنيل من مكانتها.

واعتبر الفقهاء المرأة أقل شأناً من الرجل، يلزمُ تقويمها باعتبارها "أصلاً معوَّجاً" و"عنصراً ناقصاً لا قيمة له ولا دور يقوم به". وجودها الاجتماعي لا يتحقق إلا من خلال الرجل وتحت ظله. هكذا رسم الفقهاء صورتهم تجاه المرأة وحاولوا تعميمها داخل أوساط المجتمع.

فترة المرينيين جاءت وجاءت معها سلطة الفقهاء، السلطة التي أعادت المرأة إلى مستويات دنيا استناداً إلى فتاوى وتأويلات لنصوص دينية تضعُ حدوداً لحرية المرأة، وتنزع عنها إنسانيتها وتُنزلها مرتبة أقل من الرجل. هذه الفتاوى أثرت بدورها على مكانة ودور المرأة داخل الأسرة، وبالطبع ساهمت في تشكيل ذهنية المجتمع المغربي ككل تجاه المرأة

ذهب البعضُ إلى تكريس هذه النظرة في الفتاوى، من ذلك ما جاء عند أبي العباس الونشريسي، في كتابه "المعيار المعرب والجامع المغرب"، من حيث إقرارهم أن تدمية الزوجة على بعلها مائلة إلى الضعف ولا يقام عليها القول بها، لجواز ضربه لها، ومنه أيضاً ما أورده الحسن العبادي، في كتابه "فقه النوازل في سوس"، ما مفاده قبول دعوى سفه المرأة في التصرف بالمال، ومرد ذلك إلى الاعتقاد بـ"جهالتهن بما يرجع لصوان الأموال وتنميتها"، وأنهن "لا يعرفن سوى سياسية البهائم وتربية الأطفال وصناعة الطعام".

قمة احتقار هؤلاء للمرأة ظهرت في نظرتهم إليها باعتبارها "مصدر الشر ومكمناً للغدر". في هذا الصدد، قال ابن الحاج العبدري في كتابه "المدخل إلى تنمية الأعمال بتحسين النيات والتنبيه على بعض البدع والعوائد": "وحيلهن في هذا وغيره قلّ أن تنحصر، حتى لقد تلف كثير من الناس بسببهن، فبعض الناس أتلف عليهن دينه، وبعضهم نفسه، وبعضهم ماله".

ومنه أيضاً ما أورده عبد  الوهاب الدبيش في مقالته "المرأة في الأسطغرافية المرينية" إذ أوضح أن جل المعلومات بنوازل (أي فتاوى) العصر المريني حول المرأة تجعلها طرفاً غير فاعل في حياة المجتمع، ولذلك فقد جاءت أحكام نوازل العصر لتصفها تارةً بأنها ضعيفة أو "محدثة للبدع". وقد خصّ ابن الحاج في كتابه المدخل فصلاً خاصاً عن بدع النساء ودورهن في ممارسة اعتقادات اعتبرها "محرمة بموجب الشرع"

"مجال للمتعة الجنسية فقط"

وأعاد فقهاء تلك الحقبة فتاويهم عادةً إلى ممارسات مزعومة للرسول أو اعتماداً على تأويلهم لأحاديث منسوبة له، وبذلك شكّلت هذه الفتاوى مصدراً ومرجعاً مجتمعياً اعتمده الرجال في بسط سيطرتهم على النسوة خصوصاً داخل بيت الزوجية.

أورد عبد الوهاب الدبيش فكرة أساسية في مقالته حيث قال: "إن كمية المعلومات المقدمة عن المرأة في الكتابة التاريخية في عصر بني مرين، لا تخلو من تصور عن المرأة وحياتها الجنسية... ويمكن القول إن جل النصوص بما فيها ما سبقت الإشارة قد تناولت موضوع النساء من حيث أنهن مجال للمتعة الجنسية فقط".

تكبيل سلوك المرأة داخل منظومة الحياة الزوجية كان الهدف من عديد الفتاوى، يُظهر ذلك أن بعض الأزواج كانوا أشد صرامة مع زوجاتهم في رفض زيارة الأقارب سواء في الأفراح أو المآتم، بل والمنع من الظهور في الحياة العامة.

لا يخلو العصر المريني من ومضات مُشرقة للمرأة، خاصة نساءُ البلاط. لكن تلك المنزلة التي وصلت إليها المرأة المرابطية وبعدها الموحدية، جعلت الفقهاء يستشعرون خطر مشاركتهن إياهم في الحياة العامة بمختلف تلاوينها لذلك حاولوا بشتى الطرق أن يعيدوها – وفق منظورهم – إلى منزلة أدنى من الرجل، واعتبار ممارسات كانت من قبلُ بِدَعاً لا بد من نسفها ومنحها الصبغة الدينية حتى تنتشر داخل الأوساط المجتمعية.

إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

فعلاً، ماذا تريد النساء في بلادٍ تموج بالنزاعات؟

"هل هذا وقت الحقوق، والأمّة العربية مشتعلة؟"

نحن في رصيف22، نُدرك أنّ حقوق المرأة، في عالمنا العربي تحديداً، لا تزال منقوصةً. وعليه، نسعى بكلّ ما أوتينا من عزمٍ وإيمان، إلى تكريس هذه الحقوق التي لا تتجزّأ، تحت أيّ ظرفٍ كان.

ونقوم بذلك يداً بيدٍ مع مختلف منظمات المجتمع المدني، لإعلاء الصوت النسوي من خلال حناجر وأقلام كاتباتنا الحريصات على إرساء العدالة التي تعلو ولا يُعلى عليها.

Website by WhiteBeard