شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

ادعم/ ي الصحافة الحرّة!
غزّة... قراءة الديستوبيا خارج الروايات

غزّة... قراءة الديستوبيا خارج الروايات

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

أَحَبّ الكتب إلى قلبي هي الكتب التي تأخذ حيزاً من تفكيري ويومي بعد إغلاق دفة الكتاب وطيه في مخازن الذاكرة، بعد أن غرفت وشربت وهضمت وفهمت وذبت فيه. حينها فقط، أذهب إلى صفحتي على موقع goodreads، حيث قائمة كتبي التي ألازمها وتلازمني. هناك أضع الكتاب نصب عيني مجدداً وأحلله هذه المرّة من مداخل أساسها اللغة والفكرة والسرد والشخصيات وقدرتي على الاندماج فيها أو نبذها وأحاسيسي العامة والخاصة تجاه موضوعاته الأساسية والرفيدة، ودرجة استمتاعي به وما شابه ذلك. كل هذا في محاولة لإبقاء الكتاب معي فترة أطول. فأخرج من الكتاب وأتلقّفه هذه المرة من زاوية مغايرة جديدة. هذه عادتي مع الكتب بشكل عام. أما مع روايات الديستوبيا، فمتعتي من بين كلّ المعايير الأخرى المهمة تبقى الطاغية لأني أرحل إلى عالمٍ موازٍ واقعي، فيه يتعرّض البشر في المدينة المنكوبة والتي يُشار إليها أحياناً بالمدينة الفاسدة (شخصياً أفضّل وصفها بالمدينة المُفْسَدة) إلى الحرمان أو القمع أو الإرهاب أو إلى الحالات الثلاث في الوقت عينه. غزة اليوم هي مدينة الديستوبيا الأولى. والمخزي أنّ هذا الواقع الذي يعيشه مليوني بشري تقريباً ليس وليد خيال مبتكر، بل واقع نغتاله يومياً حين نهرب منه إلى دفة كتاب أو إلى هواتفنا الذكية.

نعيش رواية الديستوبيا في غزة بدل أن نقرأها وتبقى معنا بعدما نطفئ الإذاعة والتلفزيون والأنوار والهواتف، بعد أن نستودع أولادنا النوم. تبقى معنا ولا نبغى الانعتاق.

في العادة، تشمل العناصر المشتركة في كتب الديستوبيا المجتمعات المنخرطة في حروب أبدية، وتتميز بالانقسامات الطبقية الاجتماعية والاقتصادية الشديدة والفقر الجماعي والدمار البيئي والفوضى وفقدان الفردية.

نعيش رواية الديستوبيا في غزة بدل أن نقرأها وتبقى معنا بعدما نطفئ الإذاعة والتلفزيون والأنوار والهواتف، بعد أن نستودع أولادنا النوم. تبقى معنا ولا نبغى الانعتاق.

أولاً، الحرب الأبدية

عودوا الى أي من مصادر التاريخ وأقرأوا عن بدايات الحرب على فلسطين أو تناولوا رواية لأي كاتب أو كاتبة فلسطينية.

الدمار البيئي

الصورة رماديّة ورائحتها تشبه الموت. ترى الدمار جلياً من خلال مقارنة بسيطة بين صور الأقمار الصناعية المؤرخة قبل بدء العدوان في أكتوبر وبعدها ويمكن بسهولة تحديد كثافة الأضرار الجسيمة خاصة في شمال غزة. فبالإضافة إلى هدم المناطق والمباني السكنية وأحياناً أحياء بأكملها، هناك المدارس والمستشفيات والمساجد والكنائس والأفران والمحلات التجارية والمستوصفات. حتى المنشآت البيئية لم تسلم من القصف الإسرائيلي وفي "هذا النفاق الأكبر"، خصوصاًعلى خلفية مؤتمر المناخ 2023.

الفوضى

أي فوضى تفوق الاندماج الشكلي بين المستوطنين الإسرائيليين والمواطنين الفلسطينيين، بالأخص حين يحمل أحدهم في يده أحدث الأسلحة وأكثرها فتكاً والآخر قلماً أو كاميرا أو حجراً؟ في استجلاب هذه الفوضى ينجح المخرّب في الاستيلاء على موارد المدينة وعلى ناسها وأهلها ويغفل عن باله أنّ هناك من يراقبه ويراقب أفعاله فيمارس مختلف أشكال العنف كأنه يجرّبها جميعاً تحت ظلام الليل. هناك سكينة مخيفة يجلبها الموت معه ويغذّيها انقطاع الكهرباء والماء والانترنت والطاقة البديلة كالطاقة الشمسية ومحطات التحلية. تصبح المدينة منكوبة تحددّ مسارها قرارات الشخصيّة الشريرة في الرواية، كأن تقرر عدم إدخال مساعدات عينيّة لا تكفي أصلاً لردم الثغرة بين الحاجة والموجود. ويمعن البطل الشرير في تصويب شرّه نحو البيئة، فلا تسلم حتى التربة وما انتجت. إذ يقوم باستهدافها من خلال حرق حقول الزيتون والمنتوجات الزراعية أو سلبها، كما يقصد، وعن سابق تصميم، القضاء على فرص الزراعة المستقبلية من خلال استخدام الفوسوفور الأبيض المحرّم دولياً.

الفقر الجماعي

دعوني أعيد الى ذاكرتكم صور الأطفال الذين جمعوا المطر حبة حبة لسد الرمق، أو صورة الأولاد في محاولاتهم لجمع غبار الطحين. أو لندع الأرقام تسعفنا، فقد تحدّث مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية الأونكتاد عن "تعمّق الفقر في الأرض الفلسطينية المحتلة، إذ تشير أحدث البيانات إلى أن 36 في المائة من السكان الفلسطينيين يعيشون تحت خط الفقر".

وبحسب المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان فإن نحو مليون ونصف فرد من سكان قطاع غزة البالغ عددهم مليونين و300 ألف نسمة باتوا فقراء عام 2022، بفعل الحصار والقيود الإسرائيلية المفروضة على القطاع منذ عام 2006.

إن التجويع الجماعي أسلوب قديم تنتهجه الحكومة الإسرائيلية. فقد حاصرت غزة جزئياً منذ عام 2005. ولأن الحصار أسلوب تستوجب نتائجه الانتظار، أوجدت إسرائيل أساليب احترازية ذات فاعلية سريعة تقضي على أكبر قدر ممكن من الناس بوصفهم إرهابيين مستقبليين وبذلك تلغي عنهم صفة الإنسانية، ليصبح الطفل غير مستحق للطعام، أو المأوى، أو الدواء، أو الاستشفاء، أو طفولته، أو إنسانيته.

واليوم، بالإضافة إلى التحكم بقرار إدخال المساعدات وإلى اعتماد الاقتصاد الفلسطيني على إسرائيل بصورة مباشرة وإلى تدمير البنى التحتية في مدن وقرى فلسطين، تحاول قوة الأخ الأكبر إسرائيل إيجاد استقلاليتها من العمالة الفلسطينية. هي التي عوّلت طويلاً على اليد الفلسطينية خاصةً في الضفة الغربية- وبصورة أقل في غزة- في قطاعات والزراعة والبناء والتشييد والتعدين والصناعات التحويلية ثم التجارة والفنادق والمطاعم والخدمات، تقرّر اليوم استقدام العمالة من الهند والصين لتحييد نفسها من الحاجة إلى اليد العاملة الفلسطينية وإمعاناً في تشديد فقر الفلسطينيين وعوزهم. في الوقت عينه، تحاول إسرائيل سلب النتاج الثقافي الفلسطيني واعتباره من صلبها هي بدءاً من المطبخ الفلسطيني إلى الألحان الموسيقية مروراً بالتطريز والحرف اليدويّة. هذه المحاولات الممنهجة للاستيلاء الثقافي على كل ما هو فلسطيني وما تنتجه فلسطين هو دلالة على الإفلاس الثقافي لإسرائيل واعتماد هويّتها الثقافية المتأرجحة على نجاحات الآخرين الموّثقة.

الشمولية كأداة للسيطرة الاجتماعية

الشمولية، التي تُعرَّف بأنها السيطرة الاجتماعية الكاملة على مجموعة سكانية معينة من خلال تقنيات مثل شرطة الفكر والمراقبة، هي أيضاً سمة من سمات الخيال البائس. في هذا الإطار يمكن مقارنة الحياة اليومية في غزة وفلسطين عامةً بأي من مدن الديستوبيا. في مملكة الأخ الكبير أوسيانا مثلاً، تتم مراقبة عامة الناس بشكل مستمر في كل ساعات اليوم والنهار. فيصبح الأخ الكبير بمثابة الله القاهر بجبروته والموجود في كل مكان وفي كل لحظة. هذه الخاصية هي نفسها التي تحاول فيها إسرائيل إقناع مواطنيها والشعب الفلسطيني أنها قادرة على مراقبتهم وقمع وإيقاف سلوكيات وأفعال وأفكار الفلسطينيين في أي وقت. فتراها تهاجم وتنكّل بعائلات الصحافيين والصحافيات في بيوتهم أثناء تغطية الحرب المتلفزة والمباشرة وقتلهم قصداً لا عبثاً لبث الرعب في قلوب من نجا جسدياً حتى لا يجد للنجاة النفسية مخرجاً. والهدف الثاني هو الإيحاء بفرض سيطرة تدرك إسرائيل جيداً أنها تفلت من زمامها. بصورة مستمرة وخوف كبير، تحاول بكافة الطرق التحكّم بمواقع التواصل الاجتماعي ومستخدميها من خلال قمع مشاركات المستخدمين، بالأخص الفلسطينيين المقيمين في الداخل أو في غزة وحتى خارج البلاد، للأخبار والصور المعادية لإسرائيل، والوقوف لهم في المرصاد وتكميم أصواتهم ووأد أي معلومة تتنافى أو تتعارض مع الحقيقة من منظارها. الأمر نفسه تحاول فعله مع أي معادٍ لعدوان غزة بطريقة مباشرة عبر سَوْق المحتجين على الحرب إلى سجونها أو ترهيبهم عبر وضعهم في أطر معاداة السامية قانونياً أو نشر معلوماتهم الشخصية ومحاولة التأثير على عملهم وترقية مناصبهم من خلال قولبتهم في إطار النازية.

إن هذه اليوتوبيا التي نحلم بها ونرغب أن نعيشها من خلال الغوص في كتاب، تقف في مواجهة ديستوبيا غزة التي تجبرنا على محاسبة أنفسنا

هدف الديستوبيا

في جمهورية جلعاد التي ترسمها لنا مارغريت أتوود في A Handmaid's Tale لا وجود لتقنيات جديدة يتم من خلالها السيطرة على الناس بل إن السيطرة تتم من خلال أساليب تقليدية كبلورة أو استخدام لغة معيّنة للحفاظ على اضطهاد المرأة، أما الأسلوب الثاني الناجع فهو العنف. المجتمع القائم في الرواية هو مجتمع واقعي لدرجة أنه من الممكن إيجاده في بقعة ما في يومنا الحالي من دون الاضطرار إلى انتظار المستقبل لرسم صورة عنيفة للواقع. فهذا الواقع موجود هنا والآن. هذا ما يجعلنا نوقن أن جمهورية جلعاد أقرب مما نظّن.

في هذا السياق، ترى أتوود أنّ هذه العوالم البائسة التي نقرأ عنها يجب أن تحثّنا على أن نكون أكثر وعياً في حياتنا اليومية وانفتاحاً على جميع الاحتمالات. لذا فإن هذه اليوتوبيا التي نحلم بها ونرغب أن نعيشها من خلال الغوص في كتاب، تقف في مواجهة ديستوبيا غزة التي تجبرنا على محاسبة أنفسنا قبل الفاعلين والمحرّضين والساكتين والخانعين والمستفيدين. وتجبرنا بالأكثر على عدم استساغة هذه الصور والمعلومات والاستهزاء بهذا الملّف تحت عنوان أزمة الشرق الأوسط المستعصية. ينبغي لهذه الديستوبيا، الأشدّ عنفاً من أفلام الرعب ومن عالم الابتكار الفكري، أن تدفعنا إلى رفض الظلم بأي قوة أوتينا بها. فإن تعلمّنا شيئاً من الكتب فهو أن الحياة غالباً ما تكون أفظع من أيّ خيال. 

إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.



* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

ثورتنا على الموروث القديم

الإعلام التقليديّ محكومٌ بالعادات الرثّة والأعراف الاجتماعيّة القامعة للحريّات، لكنّ اطمئنّ/ ي، فنحن في رصيف22 نقف مع كلّ إنسانٍ حتى يتمتع بحقوقه كاملةً.

Website by WhiteBeard