شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

اشترك/ ي وشارك/ ي!

"حماس" و"السلطة" والحرب... عودٌ على بدء

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

سياسة نحن والتاريخ

الجمعة 12 يناير 202402:19 م

ظهرت في بيانات إسماعيل هنية- رئيس مكتب "حماس" السياسي، قيادة الخارج، إذا صح التعبير غير الرسمي- الأخيرة، غداة انقضاء نحو الشهرين على طوفان الأقصى" و"السيوف الحديد" إلماحات إلى "الدولة الوطنية" و"منظمة التحرير الفلسطينية" ووحدتها، ووحدة الشعب الفلسطيني. وشاعت أخبار غامضة عن مفاوضات بين وسطاء ومندوبين، من الطرفين، يناقشون شروط توحيد الهيكلين أو الجهازين المتعاديين والمتقاتلين إلى اليوم. وفي الأثناء تستعر حرب إسرائيلية- فلسطينية، متفاوتة العنف وجامعة، تتصدرها "حماس" وغزة اليوم، وتبلي فيها الحركة بلاءً يعلي مكانتها من غير منازعة، ويسدد فيها وجراءها الفلسطينيون أثماناً باهظة لم يأزف بعد ربما وقت حسابها.

وما يتردد اليوم على لسان رئيس قيادة الخارج، السياسي والإداري المدني والمقيم في دولة قطر الخليجية والكثيرة الصداقات المتناقضة، على نحو مبهم وخطابي، سبق أن كان مدار خلافات ونزاعات كثيرة في صفوف المنظمات الفلسطينية السياسية والعسكرية، وفي صفوف عموم الفلسطينيين. ونشأت "حماس"، وخرجت إلى العلن، وانفردت بهويتها العملية و"الفكرية" أو الأيديولوجية، في سياق الخلاف على صيغة الدولة الفلسطينية والسلطة في الأراضي المحتلة وعليها، والحكومة الموقتة، ووزاراتها وأجهزتها الأمنية والإعاشية، إلى الخلاف المزمن على حصص التمثيل في المجلس الوطني الفلسطيني، ومنظمة التحرير الفلسطينية، ولجنتها التنفيذية وصفة تمثيلها ("الوحيد والشرعي" أم غيرهما).

وعلى خلاف خط يحيى السنوار، رئيس جهاز "حماس" الفعلي، أي الأمني والعسكري، في غزة منذ ستة أعوام، ونهجه الساعي في الحلول محل منظمة التحرير و"سلطتها" و"فتحها"، واستقطاب ناشطيها ومقاتليها وموظفيها وأنصارها، بذريعة الانقلاب على الفصائلية ووحدة القواعد المقاتلة (ومن غير هذه الذريعة) تعالت دعوات دولية، وإقليمية ووطنية محلية، إلى تجديد منظمة التحرير (م.ت.ف)، راعية سلطة رام الله، والدخول في طاعتها وكنفها، والدعوة موجهة أولاً وأخيراً ربما إلى "حماس"، كفارة عن الفصل "المدني" من هجوم 7 أوكتوبر/ تشرين الأول، من وجه، ووراثة مشروعة لإحياء الهجوم نفسه القضية الفلسطينية، ونفخه في جسدها البارد والمتناثر، وطرحها على السياسات المتنصلة والمواربة التي أشاحت النظر عنها في صيغ متفرقة ومتواطئة، وتركتها أزمة معقّدة ومعلقة، تُدار ولا تُحل، من وجه آخر.

ظهرت في تصريحات إسماعيل هنية الأخيرة إلماحات إلى "الدولة الوطنية" و"منظمة التحرير الفلسطينية" ووحدتها، ووحدة الشعب الفلسطيني. على خلاف خط يحيى السنوار، رئيس جهاز "حماس" الفعلي، أي الأمني والعسكري، في غزة، ونهجه الساعي في الحلول محل منظمة التحرير و"سلطتها" و"فتحها"، واستقطاب ناشطيها ومقاتليها وموظفيها وأنصارها، بذريعة الانقلاب على الفصائلية ووحدة القواعد المقاتلة

وفي انتظار أن تملأ الأعمال العسكرية ونتائجها الكلام المتبادل والمتقاطع بوقائع ودلالات حاسمة، ميدانية على زعم بعضهم، تنهض على الأشلاء والدماء والأنقاض عادة، تُشْكل إشارات إسماعيل هنية، ودعوات الداعين إلى تجديد م.ت.ف. ووحدتها، وسلطة رام الله الوطنية و"دولتها"، على الفهم. ويفاقم الإشكال ويعظمه ترديده أفكار وشعارات وكلمات كانت طوال العقود الثلاثة وثلثي العقد (1987- 2023) المنصرمة مدار خلاف وتناحر حادّين. وولد الاستقطاب الفلسطيني السلطة/ "حماس"، رام الله/ غزة، الدولة/ المقاومة... منهما، ومن حوادثهما الكثيرة.

خلاف الأولويات

وسبق للكاتب الفلسطيني، خالد الحَروب، أن أرَّخ للأعوام الثمانية الأولى من سيرة حركة المقاومة الإسلامية في كتابه "حماس الفكر والممارسة السياسية" (مؤسسة الدراسات الفلسطينية، بيروت، 1996). وتتناول "خلاصة" الكتاب "مفترق" الحركة السياسي والعسكري أو "مأزقها"، في ضوء الفصول الخمسة السابقة، وختامها المؤقت يومها عمليات التفجير الكبيرة التي نظمتها الحركة في حافلات بتل أبيب والقدس وعسقلان، غداة الانتخابات الفلسطينية الأولى في الشهر الأول من 1996. وأفضت العمليات، فيما أفضت إليه، إلى تجميد مفاوضات المرحلة النهائية بين "سلطة" ياسر عرفات والحكومة الإسرائيلية، قبل دفنها. وحالت دون فوز شمعون بيريس، خليفة إسحق رابين (1922- 1995) على رئاسة الوزراء، في الانتخابات الفاصلة التي شهدت ولادة بنيامين نتانياهو السياسية والقيادية.

وتناول الكاتب أحوال السياسة الفلسطينية العامة، بعد عامين ونصف العام على إعلان "أوسلو" ونهاية الانتفاضة الأولى، ونحو العامين على انتقال م.ت.ف. ورئيسها ياسر عرفات إلى "عاصمتها" الأولى غزة، وترجّحها بين قطبين وضدين على طرفي نقيض. فرأى، على الجانب الحمساوي من المسألة، أن علاقة الحركة بالسلطة الفلسطينية الجديدة، وهذه تعهدت عهداً مغلظاً التخلي عن قتل المدنيين والعسكريين الإسرائيليين والتصدي للمنظمات الفلسطينية المخالفة، وبالعمل السياسي عموماً، أثقلت (العلاقة) على "عقل الحركة السياسي"، أي حيرت توجّه الحركة السياسي، وأربكت أولوياتها وتحالفاتها وصلة أطرها بقواعدها، وتصورها آفاق عملها ومراحله ومعاييره كلها.

فالعمل العسكري الذي قدمته "حماس" شيئاً فشيئاً على التعبئة الشعبية، وتظاهراتها واعتصاماتها وحجارتها ومولوتوفها، وعلى شعار العصيان المدني الجامع، وتوسلت به إلى تحصين جمعياتها ومدارسها ومستوصفاتها ومكتباتها ونواديها، "مجتمعها المدني" على قول تقريبي، من الرقابة الأمنية الإسرائيلية أثّر أثراً مزدوجاً:

- جر عليها تهمة الإرهاب، محلياً وإقليمياً، وقرّبها بعض الشيء من الحركات "الجهادية" الإرهابية أو الإخوانية الناشطة في أفغانستان وباكستان والجزائر والسودان، وفي المهاجر الأوروبية والأمريكية، في العشرية العاشرة من القرن العشرين، على رغم حرصها الصريح على حصره في فلسطين كلها؛

- ولولا العمل العسكري هذا، على ما كتب خالد الحَروب قبل 28 سنة، "لما كان لـ "حماس" الوزن السياسي والإعلامي الذي حظيت به". فمنذ 1992، غداة أربع سنوات على استواء الاحتجاجات المتفرقة انتفاضة عامة على رأسها هيئة عليا موحدة (ولو شكلاً) أنشأت الحركة جناحاً عسكرياً هو "كتائب الشهيد عز الدين القسّام" وسرعان ما استمدت "حماس" من أعمال "كتائبها"، قبل انتقال "السلطة" وبعده، شطراً راجحاً من توسع دالّتها أو شعبيتها، ومن مشروعيتها السياسية.

ووقعت "السلطة"، وقوامها أجهزة "فتح" وهيمنتها المتنازعة وغير الراسخة على الفصائل في الخارج وفي الداخل، بين مطرقة الأمن الإسرائيلي وسندان الجهاد الحمساوي، والإسلامي الشعبي عموماً. وأثقل على "السلطة" الوليدة وزران:- وزر الاحتلال، و"انتدابه" على سلطة لا محالة قاصرة ومقيدة، وعاجزة عن تلبية توقعات وحاجات شعب "منكوب"، ومقسم، ويُساس بأحكام عرفية منذ استفاقته على كيانه، ووزر الدولة الوطنية، والتزامها الأول "احتكار العنف المشروع" تجاه الداخل وجماعاته ومواطنيه، وتجاه "المجتمع الدولي" والقوانين التي ترعى سيادة دوله وجوارها، وحدودها، وأمنها.

الخارج والداخل

ولما افتقر إعلان قيام الدولة (أي الحكم الذاتي فعلاً)، غداة إعلان استقلالها المشروط باعترافها بالقرارين الأمميين الملتبسين 242 و338، في القمة العربية الاستثنائية في الجزائر، إلى إجلاء قوات الاحتلال، أو انتشارها في أماكن تعزلها فعلاً عن الأراضي "الوطنية" المحررة والمنخورة بالاستيطان- أصيبت "السلطة" بشبهة هي أقرب إلى الوصمة.

فالقراران العتيدان، وهما إلى القرار 181 (1947) مرجعية الحل المرحلي المباشرة والإجرائية، لا يقران للشعب الفلسطيني، وم.ت.ف. تنوب عنه، بحقوق سياسية صريحة. وعلى هذا، فـ "السلطة" إدارة، وليست بعد حكومة ذات سيادة ولو على جزءٍ من الأرض والسكان. والسيادة الموعودة، في ثنايا وقائع ونصوص ونوايا شديدة الالتواء والغموض، معلقة على مراحل وشروط في طي الغيب والمصائر.

وأرادت "السلطة" الظهور بمظهر "الدولة" (العربية؟ على ما يغمز الحَروب) والولاية منذ انتقالها إلى الوطن. فأكثر رئيسها من مراسم الاستقبال والوداع الرسمية، ومن استعراض الحرس "الملكي" عند الشاردة والواردة، حين لا يجهل عامة الفلسطينيين ضآلة ثقل سلطته النوعي أو السيادي. وربما كان التضخيم أو التعظيم الشكلي والظاهر لصاحب الرئاسة استدراكاً على واقعة شديد الأهمية هي مجيء رأس "السلطة"، ياسر عرفات، ومنظمته "فتح" وأطرها ومفاتيح هياكلها، من الخارج، من الشتات وملاجئه وتجاربه، وعلاقاته بالدول العربية وبأجهزتها الأمنية والعسكرية.

والحق أن انتفاضة الداخل الطويلة كانت العامل الحاسم في ابتداء العملية السياسية المتعرجة التي أدت إلى المفاوضة على السلطة الوطنية الفلسطينية، وإلى تولي ياسر عرفات رئاستها. أما الشق العائد إلى منظمة التحرير فهو الاعتراف المتدرّج بالقرارات الدولية، والنزول عند اشتراطها ترك الكفاح المسلح. وحتى هذا النزول توسّل بالداخل الفلسطيني، والمقدسي، وبأحد وجوهه، فيصل عبدالقادر الحسيني (ما عرف "بوثيقة الحسيني"، أو "وثيقة بسام أبو شريف"، وآذنت بقبول عرفات نبذ العنف وإلغاء بند "تحرير كامل التراب الفلسطيني" من ميثاق منظمة التحرير) إلى إعلانه.

وأخرج الإقرار بأولوية الداخل على الخارج- على ما نص عليه مؤتمر السومام الجزائري في 1956، من غير أن يفلح في لجم "جيش الحدود" وقائده هواري بو مدين الذي استولى على الحكم و"جمده" طوال ربع قرن عقيم- العمل العسكري الفلسطيني في بلدان الطوق من عبثه، وارتهانه لسياسات داخلية وإقليمية استنزفته من غير طائل. فولدت الانتفاضة، "المباركة"، من رحم المجتمع الفلسطيني والداخل المحتل، وكانت قرينة على انخراط فلسطيني، شعبي واجتماعي عريض في صوغ الهوية الوطنية.

واضطلعت "حماس" بدور راجح في الانقلاب من الخارج إلى الداخل، على قول المؤرخ الفرنسي هنري لورنس في "موسوعته"، مسألة فلسطين الجزء الخامس 1982- 2001 السلام المستحيل (فايار، باريس، 2015). وهي كانت حركة أو "حالة" اجتماعية قبل أن تنشئ هيكلاً سياسياً أنشأ بدوره، في وقت لاحق، بنيته العسكرية. والتزمت طويلاً، تحفظاً سياسياً واضحاً، عزته إلى حرصها على حماية "حماها"، أي المساجد والجمعيات والمدارس، إلخ، "القلاع التي كانت على الدوام محصِّن الثورات ضد كل أنواع الاحتلال، وهي أهم ركائز مجتمعنا الفلسطيني المدني وانفصاله عن أي احتلال أو طغيان، (وهي) خط أحمر ومؤسسات المعارضة الخاصة..."، على قول مؤسس "حماس"، الشيخ أحمد ياسين في إحدى رسائله من السجن.

وقعت "السلطة"، وقوامها أجهزة "فتح" وهيمنتها المتنازعة وغير الراسخة على الفصائل في الخارج وفي الداخل، بين مطرقة الأمن الإسرائيلي وسندان الجهاد الحمساوي، والإسلامي الشعبي عموماً. وأثقل على "السلطة" الوليدة وزران:- وزر الاحتلال، و"انتدابه" على سلطة لا محالة قاصرة ومقيدة، وعاجزة عن تلبية توقعات وحاجات شعب "منكوب"، ومقسم، ويُساس بأحكام عرفية منذ استفاقته على كيانه، ووزر الدولة الوطنية

وجمعُ الشيخ ياسين الطغيان، "السلطة" الوافدة، إلى الاحتلال، ليس اتفاقاً غير مقصود. وهو يصنّف إقدام جهاز أمن "السلطة" على قمع عمليات "حماس" العسكرية، عملاً بالاتفاق الذي أدخل المنظمات الفلسطينية السياسية والعسكرية إلى أراضي فلسطين المحتلة، ومحاولة هذا الجهاز مراقبة شبكة الحركة الاجتماعية والأهلية، وهي "حمى" الحركة على ما مر، في باب واحد.

فتنقلب م.ت.ف. إلى ديكتاتورية أمنية وعميلة، معاً وفي آن واحد. وتتولى، نيابة عن المحتل وفي شراكة معه، التصدي لسلاح المقاومة المجاهدة وعملياتها، وإسكات المجتمع الفلسطيني، وتوهين عرى تضامنه، وتداعي بعضه إلى رعاية بعضه الآخر، عملاً بالأمر بالمعروف. فإذا بـ "السلطة" أداة طغيان وآلة قمع بيد المحتل، وجهاز أيديولوجي علماني ومنافق إن لم يكن كافراً.

مجتمع الانتفاضة

والأرجح أن مثل هذا التحريض على "السلطة" لقي بعض الصدى في أوساط فلسطينية بلغت نحو 20 في المئة من المستفتين، في استفتاء لا إجماع على استقامة منهجية إجرائه، على قول خالد الحَروب. ونتيجته بعيدة من الـ40 في المئة من أعضاء مجالس النقابات والإدارات والمؤسسات الذين ترشحوا باسم "حماس" أو أيدتهم، وفازوا بالعضوية. وفي المفاوضات على انضمام "حماس" إلى هيئات منظمة التحرير كانت هذه الحصة من التمثيل الاجتماعي في المرتبة الأولى، هي سند مطالبة الحركة بنظير هذا التمثيل في الهيئات السياسية.

ولكن مهما كان من أمر التمثيل الكمي ومقداره، وهو غير حاسم في مجتمع سياسي تتقدم فيه موازين القوى العصبية الظرفية والمتقلبة على التكتلات والأحلاف التي تميل إلى الثبات، رسا خلاف "السلطة" و"حماس" على قاعدة أهلية مركبة صلبة، وقاطعة الحدة والبتر. فكان معظم أنصار "حماس" ومريديها ومقاتليها من الشباب المولودين في الأراضي المحتلة قبيل 1967، أو بعد عام "الهزيمة" هذا.

وهؤلاء لم يعرفوا غير الاحتلال والاستيطان. وشبوا على مشاهدة تدمير مجتمعهم وتمزيق عراه وعلاقاته، واستتباع أهله ومراتبه، وعلى إفقار موارده. وجاء إسلام شبانه وفتيانه ضيقاً وحرفياً و"حنبلياً" مقلداً، على شاكلة أحوال الشبان والفتيان هؤلاء. وإذا كان تصدّع سلطة الأسر والعائلات التقليدية النافذة هو العامل الأقوى في تكوين الأنظمة الحاكمة، العسكرية والأمنية العصبية والعامية، التي تسلطت على "الدول" العربية بعد الحرب الثانية، فلا شك في أن هذه السيرورات بلغت أقصى نتائجها في أراضي فلسطين المحتلة.

فأعملت الانتفاضتان (1987- 1993 و2000- 2005) في المجتمع الفلسطيني، وفي غزة ومخيماتها على الخصوص، عاملين متناقضتي، غذى الأول نازعاً قوياً إلى الاستقلال الشعبي الذاتي، وإلى القيام السياسي والتنظيمي بالنفس، واستلهام التجربة المشتركة واستنباط الأجوبة الظرفية. وهذا ما حمل إسرائيل على كسر المبادرة الذاتية أولاً، على ما لاحظ هنري لورنس، بينما أجمع الفلسطينيون على شعار العصيان المدني.

ونفخ العامل الثاني في تغليب تسوية أو مساواة عامية للجماعات الفلسطينية المتفرقة والمختلفة، وفي فرض معايير واحدة على أهل "الانتفاضة"، لُخصت في عمليات انتحارية مركزية، وفي عقيدة "جهادية" تدمج "الحل المرحلي" ("الدولتين") في "الحل التاريخي" ("الدولة الواحدة" وصيغها)، ولا تستبعد الإبادة من أفقها المتخيل وأهومتها المتضاربة. وأفضى هذا، تدريجاً ومن غير كابح، إلى الأضداد التناحرية، على قول ماوتسي تونغ (1893- 1976) الصيني، التي حاكت النسيج السياسي والاجتماعي والثقافي الفلسطيني في ثلث القرن الآتي (مذذاك)، إلى يومنا.

تاريخ احتمالي

وبعد أن وصف صاحب "حماس الفكر والممارسة السياسية"، خالد الحَروب، أحوال الفلسطينيين في مطلع النصف الثاني من العقد العاشر- ومشكلتها البارزة هي ترجح "حماس"، و"السلطة" معها حكماً وتالياً، بين إنشاء مركّب سياسي مشترك ومتنازع وبين ترك العنان للأضداد وعملها في الجسم الوطني-، حاول الكاتب استشراف الطور التالي من هذه الأحوال في ضوء الترجح هذا.

أعملت الانتفاضتان (1987- 1993 و2000- 2005) في المجتمع الفلسطيني، وفي غزة ومخيماتها على الخصوص، عاملين متناقضتي، غذى الأول نازعاً قوياً إلى الاستقلال الشعبي الذاتي، وإلى القيام السياسي والتنظيمي بالنفس، واستلهام التجربة المشتركة واستنباط الأجوبة الظرفية. وهذا ما حمل إسرائيل على كسر المبادرة الذاتية أولاً، على ما لاحظ هنري لورنس، بينما أجمع الفلسطينيون على شعار العصيان المدني

فذهب إلى أن مضي "حماس" على عملياتها "العسكرية"، وهي تشمل خطف الجنود وإطلاق النار على دورياتهم والإيقاع بها في كمائن إلى العمليات الانتحارية في حافلات تقل خليطاً من المدنيين والجنود- يرتّب صداماً دامياً مع "السلطة". وإذا تخلت الحركة عن عملياتها هذه خسرت ميزتها النضالية، وفرادتها الاستراتيجية. وخسرت معهما، على الأرجح، الشطر العريض من جمهورها، ودائرتها الغزاوية التي تجتمع فيها سمات الجمهور العامي هذا (ضعف المراتب والموارد، واختلاط المصادر، وعمومية العصبية الجامعة، والانكفاء على عالم "أبدي"...)، ولا سيما الشباب والفتيان من هذا الجمهور.

ولم يستبعد الكاتب، في 1996، احتمال نشوب حرب أهلية جراء العمل العسكري الحمساوي. وبعض القرينة على هذا أن "حماس" اضطرت- بعد موجات عمليات انتحارية في 1994 و1995 و1996، رداً على مجزرة الخليل (غولدشتاين)، واغتيال يحيى عياش، والانتخابات الفلسطينية، وبعد أن أغلقت إسرائيل قطاع غزة وحظرت دخول العمال المحليين إليه- (اضطرت) إلى تقويم العمل المسلح من جديد، وتجميد العمليات في مناطق السلطة. ورد "السلطة" على هذه العمليات، وهو شارف المجابهة بين الأهالي وانتصار فريق أهلي على فريق آخر، هو أحد الدواعي إلى تجديد التقويم، والخشية من انفجار نزاع أهلي.

وفي ختام موازنته المبكرة والحذرة يرجح خالد الحَروب ميل "حماس" إلى التخلي عن العمل العسكري، وتجميد عملياتها. ولكنه يقيد ترجيحه باستدراك مهم هو "افتراض دوام أوسلو". وهذا، أي الدوام، ما لم يقيض له الحصول. فآذنت الانتفاضة الثانية، وإسهام ياسر عرفات و"فتح" فيها وفي إشعال فتيلها لا شك فيه، بطي صفحة "أوسلو" الخائبة. ولكن قَيْدَ دَوامِ "أوسلو" يوم استحال تصور ملابساته، لا يلغي افتراض الكاتب رجحان الحل السياسي وتفادي الحرب الأهلية والقمع الإسرائيلي المدمر وتطاوله إلى "الخط الأحمر"، "قلاع" الحركة الأهلية. وبدا إعلانها "حزب الخلاص الوطني الإسلامي" في آذار/ مارس 1996، غداة العمليات الانتحارية الحاسمة، علامة على قوة التوجه السياسي.

ولكن نظير دواعي السياسة ثمة دواعي الانصراف عنها، وتركها إلى العمل المسلح. فدوامها حركة شعبية، وإسلامية، منوط باختصاصها بـ "الجهاد" وتمسكها به وبوازعه وفرضه الديني. وهذا التمسك، رغم الخسائر التي قد يرتبها على الحركة وأعظمها فشو "الفتنة" أو الحرب الأهلية، قد يكون أقل تكلفة من موتها و"ذهاب" دعوتها، وفي وسعها التعويل على قوة جذورها في الداخل، وعلى "التأييد الجماهيري" و"الدعم الشعبي" اللذين مهدت لهما منذ بداياتها "الإخوانية".

والخسارة الكبرى التي قد تبلى أو تمنى بها "حماس، إذا هي سارت على طريق "التسييس والتدجين"، على قول الحَروب الذي يستبعد، مع الحركة، صيغة أخرى للسياسة- هي جواز انشقاقها، وخروج مجموعات من العسكريين الغاضبين" من صفوفها. و"العسكريون"، المفترضون، يراهم الكاتب الفلسطيني "غير مسيسين"، وقد ينسجون على منوال "الحالة الجزائرية بشكل أو آخر..."، أو "الحالة الأفغانية".

وهذا لم يحدث. ولكن ما حدث يشبهه شبهاً يفوق الأصل، إذا جاز القول مع بعض المبالغة. فحملت الانتفاضة الثانية، وسهم "حماس" الغالب فيها، أرييل شارون على الخروج من الساحة الغزاوية والحمساوية، وسلخ القطاع عن الضفة والقدس وعزله. فعزل "حماس" عن أراضي السلطة وعن الحرب الأهلية حين أبطل وحدة المسرح الجغرافي (والأهلي). وأسلم مجتمع الغزاويين إلى جماح الحركة "الجهادي" على وجوه "الدولة" (في العبارة: "الإسلام دين ودولة") والعقيدة و"الحرب" (في العبارة "دار حرب").

واستدرك الفصلُ على انشقاق مقاتلين غاضبين وغير مسيسين عن جسم الحركة، وعلى إضعافهم جسمها ونزيفه. فتكتل هؤلاء المقاتلون، وتجاوزوا غضبهم الأعمى ودجنوه وطاولوه، واستولوا على قيادة الصيغة الأولى من "حماس"، من داخلها، على ما صنع الضيف والسنواران. وبلوروا "سياسات" حسبوا أن في مقدورها جمع تركيب السياسة وحسم الحرب، وغفلوا، ربما، عن أن حرباً تنتهي بربح كلي في كفة وصفر ربح في الكفة الأخرى، هي حرب في لعبة فيديو، ولا مسرح مادياً، بشرياً وعمرانياً لها، تحصل عليه، وتلحق به خسائر قد تودي به، بالمسرح، كله، وبالمقاتلين.

إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

فلنتشارك في إثراء مسيرة رصيف22

هل ترغب/ ين في:

  • الدخول إلى غرفة عمليّات محرّرينا ومحرراتنا، والاطلاع على ما يدور خلف الستارة؟
  • الاستمتاع بقراءاتٍ لا تشوبها الإعلانات؟
  • حضور ورشات وجلسات نقاش مقالات رصيف22؟
  • الانخراط في مجتمعٍ يشاركك ناسه قيمك ومبادئك؟

إذا أجبت بنعم، فماذا تنتظر/ ين؟

    Website by WhiteBeard