شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

ساهم/ ي في صياغة المستقبل!
هل تتعارض الحرب الدينية مع حرب التحرر الوطني؟... أجوبة من نوع آخر

هل تتعارض الحرب الدينية مع حرب التحرر الوطني؟... أجوبة من نوع آخر

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

سياسة نحن والخطاب الديني

الاثنين 8 يناير 202405:33 م

منطقة شائكة تلك التي تفصل بين أدبيات الفصائل الفلسطينية التي تتشارك في هدف التحرير، إنما تختلف في أدوات تحقيق هذا الهدف وتفاصيله، والأهم في رؤية ما بعد التحرير عما ستكون عليه فلسطين بدون ظل الاحتلال الجاثم فوقها.

يستدعي الأمر الكثير من الخيال والكثير من الأمل، وبالطبع الكثير من الفعل لتصوّر فلسطين بدون إسرائيل. وعلى الرغم من ظهور تماهٍ مبدئي، بسبب وحدة التاريخ والجغرافيا والثقافة بين مكونات الشعب الفلسطيني، فإن المصطلحات ومرجعياتها تشي بشرخ مخفي، كالفرق بين المناداة بـ"القدس عاصمة لفلسطين" وشعار "أقصانا لا هيكلهم"، أو بين مفهوم الجهاد ومفهوم النضال وما يحمله كل منهما من مرجعيات كبيرة.

مثال أوضح من كل ما سبق على التعارض أو الفرق بين الرؤيتين نراه بين المناداة بفلسطين إسلامية كما ورد في أدبيات حركة حماس التي وردت في ميثاق تأسيسها، ومنه:

"المادة 8: تكرر وثيقة حماس شعار جماعة الإخوان المسلمين (الله غايتها، والرسول قدوتها، والقرآن دستورها، والجهاد سبيلها، والموت في سبيل الله أسمى أمانيها)".

و"المادة 9: تلائم رؤية جماعة الإخوان المسلمين لربط الأزمة الفلسطينية بالحل الإسلامي، وتدعو إلى (منازلة الباطل وقهره ودحره، ليسود الحق)".

و"المادة 11 فلسطين مقدسة لجميع المسلمين في كل وقت، ولا يمكن أن يتخلى عنها أحد".

أو فلسطين علمانية كما ورد في نص وثيقة إعلان الاستقلال الفلسطيني الذي خطه الشاعر الراحل محمود درويش في العام 1988، ومنه:

"إن دولة فلسطين هي للفلسطينيين أينما كانوا فيها يطورون هويتهم الوطنية والثقافية، ويتمتعون بالمساواة الكاملة في الحقوق، تصان فيها معتقداتهم الدينية والسياسية وكرامتهم الإنسانية، في ظل نظام ديمقراطي برلماني يقوم على أساس حرية الرأي وحرية تكوين الأحزاب ورعاية الأغلبية حقوق الأقلية واحترام الأقلية قرارات الأغلبية، وعلى العدل الاجتماعي والمساواة وعدم التمييز في الحقوق العامة على أساس العرق أو الدين أو اللون أو بين المرأة والرجل، في ظل دستور يؤمن سيادة القانون والقضاء المستقل وعلى أساس الوفاء الكامل لتراث فلسطين الروحي والحضاري في التسامح والتعايش السمح بين الأديان عبر القرون."

لا يمكن إنكار وجود فروق جوهرية بين حرب التحرر الوطني والحرب الدينية، وبالأخص حين تكون فلسطين هي المثال، مع رمزية دينية فوقية لكل من أتباع الديانات الثلاث على أرضها. لكن السؤال ليس هل هناك فرق بين الحربين أو بين التوجهين إن صح التعبير، إنما السؤال هو هل هناك تعارض، فالفروق قابلة لخلق حالة تكامل بين أدوات النضال التحرري/ الجهاد الديني، أما التعارض فيؤسس لشكل أعمق من الانقسامات، حتى وإن توحد الهدف البعيد.

التعارض بين الجماعة القومية والدينية

يقول المفكر والكاتب الفلسطيني حسن خضر لرصيف22: "هناك فرق بين الحرب الدينية وحرب التحرير الوطنية، الفرق هنا هو النزوع الدولاني، فلا معنى لحرب التحرير الوطنية دون الاستقلال، ولا معنى للاستقلال خارج حدود الجماعة القومية. فكرة الاستقلال والدولة والجماعة القومية (كلها وثيقة الصلة بالحدود والجغرافيا) لا تحضر كمكونات تأسيسية في الحرب الدينية". 

المصطلحات ومرجعياتها تشي بشرخ مخفي بين الحرب الدينية وحرب التحرر الوطني، كالفرق بين المناداة بـ"القدس عاصمة لفلسطين" وشعار "أقصانا لا هيكلهم"، أو بين مفهوم الجهاد ومفهوم النضال وما يحمله كل منهما من مرجعيات كبيرة

وحول دور الإسلام السياسي في القضية الفلسطينية، وعمّا إذا كان تغييبه يعني تغييب جزء من الهوية الفلسطينية في عملية التحرر، يقول: "بما أن الديني حاضر في فكر القوميات الرومانسية، فمن المتوقع العثور على تجلياته دائماً. علاوة على هذا كله، نجح لاهوت التحرير في أمريكا اللاتينية في جسر الهوة بين القومي والديني، ولكن تجربة الإسلام السياسي تدل على اخفاق إسلامي فادح في جسر الهوة بين الوطني والديني. الدين الآخر الذي فشل في إنشاء توازن بين القومي والديني هو اليهودية".

ويختم: "خلاصة الخلاصة أسهَم الاسلام السياسي في تخريب كل الحقول السياسية التي نجح في اختراقها".

هل التخلص من الفكرة الدينية ممكن فلسطينياً؟

على الرغم من مناداة العديد من المفكرين والقوميين بتكريس الفكر العلماني في حرب التحرر الوطني، يرى البعض أن تطبيق هذه "الطوباوية السياسية" غير ممكن في النموذج الفلسطيني، ليس فقط لأن العدو يقوم على فكرة يمينية بتأسيس دولة لليهود، ولكن لأن معظم تاريخ الحروب التي قامت على الأرض الفلسطينية أو بسببها هو تاريخ حروب دينية.

يعلق الأكاديمي الفلسطيني غسان عبدالله: "كل الحق علينا، لقد خلقنا في منطقتنا من العالم فكرة إله لا يرى في السماء، في ثلاث طبعات: اليهودية والمسيحية والإسلام، وصدرناها للبشرية، ومنذ ذلك الحين لا يهنأ لنا بال". 

حسن خضر: "خلاصة الخلاصة أسهَم الإسلام السياسي في تخريب كل الحقول السياسية التي نجح في اختراقها".

ويقول لرصيف22: "المعضلة أو المصيبة اليوم ذات ثلاثة أوجه: الأصولية اليهودية التوراتية وادعاءاتها، والأصولية المسيحية الأنجليكانية وخرافاتها حول تجميع اليهود في فلسطين وأرماجدون، أو مجيدو، وعودة المشيح، ثم مرآتهما الأصولية الإسلامية التي نعرفها اليوم".

اليمين يغذّي اليمين

في مقال له بعنوان "فلسطين وأخطار الحرب الدينية" نشر في صحيفة "الشرق الأوسط" في تشرين الثاني/ نوفمبر 2023، يشير الكاتب والأكاديميّ اللبناني وأستاذ الدراسات الإسلامية في الجامعة اللبنانية رضوان السيد إلى فكرة مفادها "أنه في مواجهة الحضارة اليهودية - المسيحية المنتصرة في الحرب الباردة؛ فإنّ الإسلام يمتلك تخوماً دموية".

يقول: "عندما أغارت حماس على مستوطنات غلاف غزة في 7 تشرين الأول/ أكتوبر الماضي، نبّهنا الانحياز الغربي القاطع أكثر من الهياج الإسرائيلي، إلى أنّ الإسلاموفوبيا لا تزال قوية في سائر الأوساط، وبخاصة في أواسط السياسيين المخضرمين. وليس من الممكن التفريق القاطع بين السياسات والآيديولوجيات، لكن على كل حال كان المنطق السائد أنّ حماس وأحياناً العرب والمسلمين يكرهون اليهود ويريدون اقتلاعهم من الجذور؛ وهذا ما يأمر به دينهم أو على الأقلّ فئة منهم تعتقد ذلك. في الداخل الإسرائيلي يسود خوفٌ شديدٌ على الكيان، ويعود اليمين الديني إلى نُذُر التوراة وبشاراتها، والبشارات الدينية هي التي تظهر على ألسنة السياسيين أكثر من العسكريين. ومن ضمنها أوامر التوراة بالقتل ونبوءات أشعيا وغيره. وفي المقابل، تسود لدى حماس إيديولوجيا الاستشهاد، لكنها عادت لتختلط بقوميات ووطنيات التحرير، هل كان ذلك يكفي للقول إنّ هناك مساراً نحو الحرب الدينية من الطرفين، وبخاصة أنّ صوفة الإسلام حمراء كما يقال. أم أنها ظروف الحرب وحسب، والتي تقود كل النزعات إلى نهاياتها القصوى؟!".

ويتابع في المقالة نفسها : "الموجة الإسلاموية التي تصاعدت في السبعينات والثمانينات من القرن الماضي وصارت في التسعينيات مقولةً للأحزاب في تطبيق الشريعة، و(الدولة الإسلامية)، إضافةً إلى ضغوط المشكلات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، جعلت الرياح تستمر في الهبوب في أشرعة الإسلامويين. وترافق ذلك مع بداية فشل اتفاق أوسلو (1993) باغتيال إسحاق رابين في 1995، وتصاعد الهجمات الانتحارية في الداخل الإسرائيلي من جانب حماس وبدعم سوري فإيراني. كما ترافق ذلك مع الصعود التدريجي لليمين الإسرائيلي، بما في ذلك يمين المستوطنات واليمين الديني. وإلى هذا وذاك، إعلان بن لادن عن تشكيل جبهة لمصارعة (اليهود والصليبيين) ليصبّ الزيت على النار في 1998".

لا مشكلة مع اليهودية بل مع إسرائيل

يقول الصحافي والنقابي الأردني ماجد توبة: "لا شك أن ثمة فرقاً جوهرياً بين الحرب الدينية وبين حرب التحرير الوطني، أعتقد أن الحروب الدينية أو التي تقوم على دوافع دينية باتت من التاريخ السحيق، وحتى تلك الحروب التي غلفت بالدين لم تخل في أساسها من الأهداف السياسية والجيوسياسية والمصلحية".

ويضيف: "إذا أسقطنا هذا السؤال على الصراع العربي الإسرائيلي، فثمة من يحاول جره إلى الحرب الدينية بين الإسلام واليهودية، وهذا للأمانة من قبل الطرفين، وهو ليس كذلك، وإن وظّف الدين لدى الطرفين بجره لحلبة الصراع الديني". 

غسان عبدالله: ""المعضلة أو المصيبة اليوم ذات ثلاثة أوجه: الأصولية التوراتية اليهودية وادعاءاتها، والأصولية المسيحية الأنجليكانية وخرافاتها حول تجميع اليهود في فلسطين وأرماجدون، أو مجيدو، وعودة المشيح. ثم مرآتهما الأصولية الإسلامية التي نعرفها اليوم". 

ويرى توبة أن الصراع الفلسطيني الإسرائيلي هو صراع وطني سياسي بين جهة مُحتَّلة وشعب محتل، توظف فيه الخرافة والأساطير والأدبيات الدينية من قبل المحتل الإسرائيلي، فلم يجد الغرب الاستعماري وعصابات اليهود التي كانت تبحث عن احتلال أرض وتحقيقأاهداف سياسية بإقامة كيان لجأوا إلى الدين اليهودي وتوظيفه لجمع شتات الكيان المنشود، وهم ما يزالوا يوظفون الأساطير الدينية لجمع شتات المجتمع الاسرائيلي واعتباره الرابط القومي الأساس للإسرائيليين لتحقيق اهدافهم بالتوسع وابتلاع المزيد من الأراضي وعناصر القوة والنفوذ.

ويختم: "على الجانب الآخر، الفلسطيني العربي، ثمة من يحاول حَرْف الصراع مع الكيان الإسرائيلي إلى ساحة الصراع الديني وهو ليس كذلك، هو صراع وطني وحرب تحرير وطنية. ليست لنا مشكلة مع اليهودي كيهودي بقدر ما المشكلة مع الإسرائيلي المحتل الذي يسطو على حقوقي الوطنية".  


رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

WhatsApp Channel WhatsApp Channel

لا سلطان على الإنسان إلّا عقله

أُنزِلت الأديان رحمةً للعالمين، لكن هل كنّا نعلم أنّها ستُستعمل لمآرب متطرّفة لا تُشبه غايتها السامية؟ هل كنّا نعلم أنّها ستُستخدم ضدّنا، وعلينا، لتصبح خنجراً في الخاصرة، ليس بإمكاننا انتشاله كي لا يتفاقم نزفنا؟

بالإيمان الصوري، والتدين وجاهيّاً، والذكورية الصفيقة، والقداسة الموزعة "غبّ الطلب"؛ استعملت السلطات الدين، وسلّحته ضدّنا في العالم العربي، لتفريقنا، والسيطرة علينا وقمعنا.

"هذا ممنوعٌ وهذا مسموحٌ وذاك مرغوب، هذا حرامٌ وهذا حلال". لكن في رصيف22، شعارنا الوحيد هو "لا للعيش وفق تفسيرات الآخرين". 

Website by WhiteBeard