شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

ادعم/ ي الصحافة الحرّة!
أن ننظر في عين الحياة، ثم نبتلعها على مهل

أن ننظر في عين الحياة، ثم نبتلعها على مهل

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

مدونة نحن والتنوّع

الخميس 4 يناير 202411:39 ص

يبدو التغيير بالنسبة لنا نحن البشر، شبيهاً بتلك الوحوش الخرافية التي كنا نقرأ عنها في الروايات ونرى تماثيلها، سواء كانت ميدوسا، أبو الهول أو بيغاسوس، يشعرنا بالخوف وأن هناك شيئاً فظيعاً على وشك الحدوث، خوفنا وتوترنا من المجهول، سيرنا في غابة مظلمة، مليئة بالوحوش المسحورة، أو كما أحب أن أطلق عليها اسم "البشر".

التغيير بحد ذاته ليس شيئاً مخيفاً، من الطبيعي أن نتقدّم في العمر، من الطبيعي أن نغيّر مدننا، سواء أحببناها أم كرهناها، من الطبيعي أن نمشي قدماً في حيواتنا، لكن غالباً ما يرافق التغيير ضيوف غير مرحّب بهم، وحوش من صنع أدمغتنا اللعينة، أدمغتنا المليئة بالسواد، تجعلنا نتساءل عن أنفسنا وعن مدى صحّة قراراتنا وأهدافنا،  والكثير من الأسئلة الصعبة التي قضى الفلاسفة في البحث عن أجوبتها حيوات كاملة، هرشوا فيها رؤوسهم دون طائل، فيها زواجات وطلاقات وخيانات ومواجع وبكاء تحت الدرج، ولم يستطيعوا إيجاد أجوبة، وحقيقة الأمر أنني لا أظن أن لها أية اجابة.

تلك التفاصيل الصغيرة التي ترافق التغيير، من طعم مختلف لكوب القهوة أو ركن جديد مخصّص للاستمناء، إلى التفاصيل التي تعتبر أكبر نسبياً، من عدم الحتمية في مستقبل مجهول الهدى، إلى اختفاء أشخاص أحببناهم وعرفناهم جيداً، أولئك الذين ظننا أنهم لن يرحلوا أبداً، الثوابت كما أحب أن أدعوهم، سواء كانوا جدّة لا تغادر منزلها أبداً في انتظار الزوار، أو خالاً قام بدور العرّاب، أو خالة قامت بدور تلك الجدة، أم أو اب أو حتى مدرّب اعتدنا وجودهم في حيواتنا كأجزاء من لوحة متكاملة، كل يقوم بدور أساسي.

من الطبيعي جداً أن التغيير سيكون شبيهاً بفيضان نوحي يقوم بالتبوّل في منتصف قلبك، شعورنا بالغرابة، الضياع، عدم اليقين ولكأن شاحنة محملة بعشرين بقرة حامل صدمت معدتنا

لذلك من الطبيعي جداً أن هذا التغيير سيكون شبيهاً بفيضان نوحي يقوم بالتبوّل في منتصف قلبك، شعورنا بالغرابة، الضياع، عدم اليقين ولكأن شاحنة محملة بعشرين بقرة حامل صدمت معدتنا.

القشة الأخيرة

كنت دائماً أسمع مقولة "الشعرة التي قصمت ظهر البعير"، لربما فهمنا معناها الحرفي أو حاولنا تخيل ذلك المشهد، أن جملاً انهار على الأرض من شيء بلا وزن كشعرة، إنها واحدة من تلك الجمل التي نقولها دون التفكير فيها حقاً.

يتعبني مدى سرعة تغير الحياة ووقعها، من تغيير الطرق التي نتخذها يومياً، إلى المدن، إلى الناس، إلى طرق تعاملنا مع مواقف، نحن لم نكن نعرف أننا قادرون على مواجهتها، ناهيك عن التعامل معها أو تحمّلها بالأحرى، سواء كان ذلك من خلال الكثير من أغاني تايلور سويفت أو من خلال مجموعة داعمة من الأصدقاء والأهل، حيث تظن إنك قد تفهم ماذا يدور من حولك للحظة، وأنك ،لسخرية القدر أو سخرية شاحنة الأبقار التي تمرّ في هذه اللحظة، قد التمست أول كم من سترة السلام النفسي والقناعة، لتتفاجأ بموجة ضخمة قاتلة، أو الشاحنة نفسها، تصدم قاربك، مضاجعةً هراء "كل شيء سيكون على ما يرام".

أعلم أن ما أقوله قد يبدو مبالغة بعض الشيء، إلا أنه توجد بعض التغييرات التي نختار ألا ننظر مباشرة في عينيها، أن نتجاهلها أو لا نهتمّ بها أبداً ببساطة، إلا أنه، كما قلت سابقاً، توجد بعض التفاصيل الصغيرة التي تجعلنا ندرك حجم الخسارة الهائل أو ربما الكسب الذي حققناه ولم نعرفه بعد، ويا للغرابة.

بغضّ النظر عن كمية الأنفاس العميقة التي نأخذها، أو عدد أكواب الشاي المهدئة التي نشربها، عدد المرات التي مارسنا فيها رياضة الجري أو الجلوس مع موسيقى صاخبة بصحبة أحبائنا، التي تعطينا وهماً بأننا نسينا أو تخفّف من كثافة مشاعرنا، إلا أنها مجرّد ظلّ وهمي لذلك الشبح الذي يتسلّق أجسادنا مثل سواد سائل يجتازك بمجرد إطفائك لضوء غرفة المعيشة ،وبدئك بتسلق الدرج صعوداً إلى غرفة النوم. تطفئ الأضواء أثناء صعودك، ويبدأ الشبح بالارتفاع من قدميك صعوداً عبر جذعك، خلال عمودك الفقري حتى يصل معدتك، متخذاً إياها استراحة ريثما تقوم بتنظيف أسنانك (وكلا، إذا لم تنظف أسنانك لن ينخدع، لقد جرّبت ذلك) وكلما اقتربت من موعد استلقائك في السرير كلما ازدادت جاهزيته لكي ينقض على دماغك بأنياب شرهة للألم.

تستلقي في سريرك وتختبئ تحت الأغطية متمنياً أن يتركك هذا الشبح بسلام، إلا أنه بلا رحمة، و في تلك اللحظة تماماً ينقضّ عليك موجهاً الضربة القاضية إلى قلبك، بفكرة بسيطة جداً مثل: "اللعنة، إنها المرة الأخيرة التي سأقوم فيها بتمرين الساقين في هذا النادي" أو "هذه المرة الأخيرة التي سألعن استيقاظي في الثالثة صباحاً لدراسة الفيزياء".

المرات الأخيرة للكثير من الأشياء وما تمثله هذه التفاصيل من كل شيء وكل نتف من حياة تعيشها، حاملة ماضياً يعاش وحاضراً رمادياً ومستقبلاً مخيفاً. هذا الشعور سوف يضربك مهما حاولت الابتعاد عنه والهروب منه، إذ إنه سريع جداً، ودائماً في النهاية سيلحق بالركب، ونعم ستكون "القشة التي قصمت ظهر البعير".

امتلكت جواباً بسيطاً، ربما وجدته في حكمة مكتوبة على غلاف علبة بسكويت أو في دعاية لأحذية رياضية. أمزح... فالأمر أكثر جدية من الركون للرأسماليين في معرفة ما نفعل بحيواتنا البائسة: أن ننظر في عين الحياة، ثم نبتلعها على مهل

أن ننظر في وجه الحياة

في حلقة من مسلسل "غرايز أناتومي"، في الموسم الثالث في الحلقة 16 على وجه التحديد، عندما غرقت ميريديث، كانت تروي شيئاً يقول: "الاختفاء يحدث، الآلام تختفي، الدم يتوقف عن الجريان، والناس... الناس يتلاشون". قالت إن الناس يتلاشون، إنهم بالتأكيد يتلاشون بمرور الوقت، حتى أولئك الذين أحببناهم كثيراً، أولئك الذين ملأوا مكاناً لم يستطع أي أحد أن يملأه. أولئك الذين علمونا أشياء تعني العالم بالنسبة لنا، بدءاً من كيفية كتابة شيء يُقرأ، إلى كيفية الاعتناء بأجسادنا وعقولنا، وكيف نحب أنفسنا ونمجّدها بعد سنوات من الألم.

الوقت اللعين والحياة العاهرة اللعينة يعلماننا دائماً بأن لا شيء دائم على الإطلاق ولا شيء يبقى على حاله أبداً. أشخاص أردناهم أن يبقوا، أشياء أردناها أن تبقى على حالها دائماً، لا أن تتغير لأسباب لسنا قادرين على السيطرة عليها، أسباب أكبر منا.

ربما هذه التغييرات والخسائر التي نظنها هائلة ليست بالحجم الذي نتخيله، إلا أنه كما قلت: التفاصيل الصغيرة هي التي تلحق بنا دائماً عندما نهدأ أو نتباطأ.

تميل الأشياء إلى التغيير وتتركنا مسكونين، مرهقين، منهكين ومترقبين لما سيرمى في وجهنا لاحقاً، مع اللكمة في المعدة من حين إلى آخر. السؤال: ما الذي يمكننا فعله سوى المشاهدة والتمايل مع التقلبات؟

امتلكت جواباً بسيطاً، ربما وجدته في حكمة مكتوبة على غلاف علبة بسكويت أو في دعاية لأحذية رياضية. أمزح... فالأمر أكثر جدية من الركون للرأسماليين في معرفة ما نفعل بحيواتنا البائسة، لكن على الدوام، وجدت الجواب البسيط نفسه: أن ننظر في عين الحياة، ثم نبتلعها على مهل.

إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.



* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

نرفض أن نكون نسخاً مكررةً ومتشابهة. مجتمعاتنا فسيفسائية وتحتضن جماعات كثيرةً متنوّعةً إثنياً ولغوياً ودينياً، ناهيك عن التنوّعات الكثيرة داخل كل واحدة من هذه الجماعات، ولذلك لا سبيل إلى الاستقرار من دون الانطلاق من احترام كل الثقافات والخصوصيات وتقبّل الآخر كما هو! لا تكونوا مجرد زوّار عاديين، وانزلوا عن الرصيف معنا، بل قودوا مسيرتنا/ رحلتنا في إحداث الفرق. اكتبوا قصصكم، فكل تجربة جديرة بأن تُروى. أخبرونا بالذي يفوتنا. غيّروا، ولا تتأقلموا.

Website by WhiteBeard