شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

ضمّ/ ي صوتك إلينا!
حلم لاجئ خارج الحرب

حلم لاجئ خارج الحرب

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

مدونة نحن والمشرّدون

الجمعة 22 ديسمبر 202301:50 م

يتفاعل اللاجئون في مخيم نهر البارد، بشكل كبير، مع ما يتعرض له شعبنا الفلسطيني في غزة وفلسطين. تنعكس الحرب كثيراً في نفوس الشعب الفلسطيني في مخيمات لبنان، بوضوح، بعيداً عن المعارك والمقاومة والمجازر التي لا مثيل لها. يقرأ البعض المشهد من منظور آخر، ويعبّر عن مشاعره بطريقة أخرى؛ فمنهم من ينظر إلى المستقبل نظرة المتشائم من الوضع المظلم الذي نعيش فيه، ومنهم من يحضن أولاده وهو يسأل: كيف سيكون مصيرهم في هذا العالم الذي لا أمن فيه ولا أمان؟ ومنهم من يدخّن سيجارته، وهو يجلس على الرصيف غير مبالٍ بالغد، ومنهم من يعيش اليوم بعيون الأمس ويدّعي بأنّ كلّ شيءٍ على ما يرام، فاليوم مثل الأمس لا يختلف عنه كثيراً، وهناك أطفال يتحدثون مع بعضهم البعض عن الأحداث ببراءة الأطفال، وكلما سمعوا قصف الرعد في الخارج، يخافون ويحتمون في أحضان أمهاتهم، ويسألون وهم خائفون: هل انتقلت الحرب في غزة إلينا هنا؟ نزل الصاروخ أم لم ينزل بعد؟ فتجيبهم أمهاتهم الحاضنات قلوبهم: لا تخافوا، هذا فصل الشتاء الجديد، فيجيب الطفل الخائف: رأيت على شاشة التلفاز الطفل يصرخ مثلي، ويقول لأبيه: "هذا حلم ولا حقيقة؟ أنا بحلم قلّي؟ أنا بحِلم ولا بحقيقة".

الحرب هنا في عيون ووجوه الناس الذين يجلسون على الطرقات، رافعين أعلام فلسطين فوق بيوتهم، ولكنّهم ينظرون إلى بعضهم البعض ولا تخرج من أفواههم سوى كلمة:" غزة". كنتُ قد رأيت مجموعةً من الشباب والصبايا يتجهزون كي يخرجوا إلى المطعم لتناول الغذاء. نظرت إليهم وسألتهم: هل الوضع اليوم مناسب كي نخرج للترفيه وتناول الغذاء في مطعم، وشعبنا في غزة يتناول الصواريخ والقذائف ليل نهار؟ قالوا: نريد أن ننظر قليلاً إلى الخارج، أن نتأمل قليلاً، تعبنا من نشرة الأخبار التي ترفع الضغط، نحن بحاجة إلى العيش بسلام لحظةً واحدةً، أليست ممارسة الحياة في الحرب جزءاً من المقاومة؟ والانكسار هزيمة؟

رأيت مجموعةً من الشباب والصبايا يتجهزون للخروج إلى المطعم لتناول الغذاء. نظرت إليهم وسألتهم: هل الوضع اليوم مناسب كي نخرج للترفيه، وشعبنا في غزة يتناول الصواريخ والقذائف ليل نهار؟ قالوا: نريد أن ننظر قليلاً إلى الخارج، تعبنا من نشرة الأخبار، نحن بحاجة إلى العيش بسلام لحظةً واحدةً، أليست ممارسة الحياة في الحرب جزءاً من المقاومة؟

كان هذا نقاش الشباب في المطعم المجاور للمخيم، "مخيم نهر البارد/ شمال لبنان". فمنهم من لا يزال يدرس في الجامعة، ويقول: حين أتخرج سوف أسافر إلى أمريكا كي أدرس هناك. قلت له: ماذا؟ قال: الهندسة، كي أصبح مهندساً، وبالتأكيد لن أدرس المحاماة والقانون. لا يوجد قانون في هذا العالم الأعمى. فهمت قصده وصمتت. البنت العشرينية قالت: أريد أن أتزوج خارج لبنان، العريس يجب أن يكون في دبي. تذكرت ابن الجيران وهو يقول لي: جئت من دبي إلى لبنان وسط القصف والحرب في الجنوب، كي أخطب التي أحبّها. قلت له: هل تمزح معي؟ وحين فتحت فيسبوك رأيت صور خطبته أمس في المخيم، وأدركت جيّداً أنّ الموضوع جدّي. العالم فعلاً تغيّر بعد 7 تشرين الأول/ أكتوبر، فنحن نختنق من مشاهد المجازر اليومية، ولكنّنا بحاجة إلى أن نتخيّل حياتنا تسير على ما يرام. كلما أقدمت على فعل شيءٍ ما، مثل الذهاب في رحلة، أتذكر أنّ هناك حرباً. أتذكر الحرب فأتردد. كنتُ أمشي في الصباح كلما استيقظت باكراً، وخففت كثيراً من هذه العادة بعد 7 تشرين الأول/ أكتوبر، بسبب نشرة الأخبار الصباحية، ولكنني حاولت العودة إليها رويداً رويداً، لأنني لاحظت أنّني أسمن وأصاب بالثقل والخمول مع زيادة الوزن من كثرة الجلوس أمام التلفاز ومراقبة نشرات الأخبار الدامية، لذا أقنعت نفسي بأنّ الحياة سوف تستمر، فأكملت الرياضة الصباحية بذهنٍ شارد.

العالم فعلاً تغيّر بعد 7 تشرين الأول/ أكتوبر، فنحن نختنق من مشاهد المجازر اليومية، ولكنّنا بحاجة إلى أن نتخيّل حياتنا تسير على ما يرام. كلما أقدمت على فعل شيءٍ ما، مثل الذهاب في رحلة، أتذكر أنّ هناك حرباً. أتذكر الحرب فأتردد

تبكي طفلتنا بتول، حين نقول لها إنّ غداً يوم عطلة عن المدرسة بسبب الوضع في غزة، وتقول: "عندي وظيفة وحليتها كلها"، وتقول: "ما تعلمنا شي هاي السنة، كيف بدنا نكبر ونتخرج؟". نحاول أن نوضح لها أنّ العطلة عن المدرسة مؤقتة، وستعود الحياة المدرسية على طبيعتها إن شاء الله، ويوم العطلة فعلاً نستأنس بصراخ الأطفال في الحارة، وهم يلعبون الكرة فرحين بالعطلة، وفرحين أكثر برأيي لأنّهم لا يعرفون كثيراً ماذا يحدث في هذا العالم، بينما أمهاتهم يجلسن على عتبات المنازل ويتكلمن عن طبخة اليوم، ولكن تظهر على وجهوهن آثار الأخبار، أخبار ليلة أمس، وحين أمرّ من أمامهم أسمع صوت مذيعة الأخبار، وهي تنقل ما يحدث في غزة بصوتٍ عالٍ، فيختلط صوتها بصوت النساء وهن يتحدثن عن غلاء الخضروات والفاكهة في السوق، وكلما تكلّم أحدهم عن الحرب في لحظة اللهو القصيرة هنا في المخيم، تطل إحدى السيدات لتجيب: الشعب الفلسطيني يحب الحياة، كما يقول محمود درويش: نحن نحبّ الحياة إذا ما استطعنا إليها سبيلاً/ ونرقص بين شهيدين. هذه المرأة تقرأ الشعر الموجود في مكتبة روضة غسان كنفاني في المخيم، ومكتبة مركز زاوية "رؤية" الثقافية، التي تمتلئ بالقرّاء من مختلف الأعمار للقراءة والبحث عن القصص والروايات. تقول أمينة مكتبة "رؤية": إنّ أكثر القصص والروايات استعارةً في المخيم وطلباً في هذه الظروف، هي روايات الحب، ولا أعرف لماذا؟ ربّما لأنّ الناس تبحث عن فسحة حب وسط الجفاف! وتضيف: كانت هناك رواية وكنت أبحث عنها بين الكتب ولم أجدها، فوجدتها على طاولة زميلتي، وهي رواية "رشفة حب" للكاتب نهلا سكر، وهي تقرأها بتمعن وتشرح ما جاء فيها بشغف، فذهبت إلى المكتبة لكي أتفحص الكتب، فوجدت فعلاً، الكتب السياسية أقل مبيعاً، بينما الكتب الأخرى الغرامية والاجتماعية تأخذ الحيّز الأكبر من الطلب حتى في هذا الوضع الذي تمر به بلادنا.

بين الكبار والصغار، وبين الحرب والحب، نجد الأحلام كبيرةً في يوميات اللاجئ الذي يعيش تفاصيل حياته بحذرٍ شديدٍ، كأنّهُ يزداد حرصاً على مستقبله، فهو يريد أن ينجح كطالب كي يتخرج ويسافر، وهي تريد أن تتزوج كفتاة، وهو يريد أن يدخّن سيجارته على الشارع العام دون أن يتخيّل الدخان، دخان الحرب، والأم تريد أن تكمل طبختها التي تغلي على النار وتنتظر الأولاد كي يعودوا إلى البيت.

إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.



* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

لعلّ تعريفنا شعوباً ناطقةً بالعربية لم يعد يستقيم من دون الانتباه إلى أننا صرنا شعوباً متفلّتةً من الجغرافيا. الحروب الدائرة في منطقتنا والنزاعات الأهلية والقمع، حوّلتنا إلى مشردين، بين لاجئين ونازحين، وأي تفكير في مستقبلنا لم يعد ممكناً من دون متابعة تفاصيل حياة الجميع، أينما كانوا، وهو ما نحرص عليه في رصيف22. اكتبوا قصصكم. أخبرونا بالذي يفوتنا. غيّروا، ولا تتأقلموا.

Website by WhiteBeard