شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

قدّم/ ي دعمك!
هل يجب علينا أن نغفر أحياناً لمظالم آبائنا؟

هل يجب علينا أن نغفر أحياناً لمظالم آبائنا؟

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

رأي نحن والطفولة

الأربعاء 20 ديسمبر 202312:13 م

هل يجب علينا أن نغفر أحياناً لآبائنا كي تستقيم لنا حياتنا، وقد تحرّرت من مظالم الطفولة نحو شخصية أكثر نضجاً ورحمة؟ أعلم بالطبع أن كلاً منا يملك قصة طفولة مختلفة عن الآخر، تتفاوت فيها درجات السعادة والشقاء، العطف والقسوة، من الدرجات الأدنى إلى ما لا يمكن تخيله، وأن ليس لأحد أن يحدّد لشخص ما الذي يجب غفرانه أو الإصرار على تذكره.

لا أتفق مع مقولة الموسيقار الروسي ديمتري شوستاكوفيتش، في مذكراته، التي كتب فيها أنه يرى شيئاً من الخسّة في رمي الآباء الدائم بكل ما هو قبيح، لكني أفهم شيئاً من منطقه، بسبب حوادث إنسانية مباشرة، تعرّضت لها ونبّهتني إلى أن مظالم الآباء قد تكون مشجباً غير عادل، نعلّق عليه خطايانا وقسوتنا تجاه الآخرين، كأن ذنوب آبائنا تجاهنا تمنحنا صكّ غفران أبدياً، بما فيها تحويل الآخرين إلى أشياء، يغلب على علاقتنا أداءات مفهوم الصفقة والمسرح، حيث لا شيء حقيقي كالحب أو الصداقة، بل صفقة محكومة بالربح والخسارة، وأدوار على الآخرين أن يلعبوها، إما تعويضاً عن مظالم الطفولة أو تكراراً أبدياً لها.

هل يجب علينا أن نغفر أحياناً لآبائنا كي تستقيم لنا حياتنا، وقد تحرّرت من مظالم الطفولة نحو شخصية أكثر نضجاً ورحمة؟

طبعاً هناك نتائج أخرى لترومات الطفولة، فهي قد تخلق أيضاً أشخاصاً أكثر رهافة وشعوراً بالآخرين، كما أعي أن بعض التجارب هي جرائم مكتملة الأركان من الصعب غفرانها، وإن كان المطلوب هو تجاوزها والتعافي من آثارها، كالتحرّش الجنسي والعنف المفرط على سبيل المثال، وجميعها لا تمنح صكاً لغفران أفعالنا تجاه الآخرين.

ما يشغلني تحديداً، وهو موضوع كان تيمة روايتي "إخضاع الكلب"، الصادرة عن دار الشروق عام 2021، هو فكرة التحوّل إلى القسوة التي يبرّرها ظلم سابق تعرّضنا له، إذ لا يمنعنا ذلك فقط من النضج، بل يجعل قسوتنا في حق الآخرين غير مرئية في أعيننا، بل يغيب أيضاً الشعور بجرائم الحاضر التي تحدق بنا في مرحلة الكبر ومواجهتها، بما فيها جرائمنا الشخصية.

*****

تظل علاقة الإنسان بأبيه، واحدة من أكثر العلاقات الحساسة والملتبسة في حيواتنا، حتى في أكثر حالاتها صفاء وبعداً عن القسوة المسببة لترومات الطفولة، وهي علاقة متعدّدة الجوانب، فهي من ناحية علاقة سلطة، تحدّد لنا منذ الصغر ما ينبغي أو ما لا ينبغي فعله، ومن جانب آخر، هي علاقة حب أسري، فقد تصل العلاقات مع الآباء إلى درجة عالية من التوتر والاختلاف، لكن ذلك لا ينفي أن يتأثر المرء إذا ما أحس برضا الأب أو فخره، بل أن مسافات طويلة قد نقطعها في الحياة في مطاردة اعترافه بنا، طوعاً إذا جاء أو قسراً إذا لم يأت، على هيئة لحظات تحد تختلط بالأحقاد.

علاقة بالنسبة للبعض قد يسكنها الأذى ومشاعر النقمة الدفينة، وقد تنتظر لحظة يعترف فيها الأب بخطئه تجاهك أو قلة تقديره لك، وهي لحظة أيضاً قد تأتي أو لا تأتي. علاقة أيضاً هي على النقيض قد تتحوّل إلى علاقة صداقة حقيقية، تحكمنا بسحرها ومثلها، سحر قد يكون نافعاً وقد يكون محض فخ.

هل نكبر لنتحول إلى نسخة من آبائنا؟ وحتى لو أفلتنا من شبح التطابق، وصرنا آباء أفضل، فهل تظل مظالم الطفولة تتحكّم دون وعي منا في سلوكنا مع الآخرين؟

ورغم أن الكثير من أفكار فرويد، في فهم العلاقة بين الأبناء والآباء، صارت منذ زمن بعيد محل شك، خاصة تلك التي تتعلّق بعقدة أوديب والخوف من الإخصاء، لكن تظل فكرته عن اللاوعي، التي غيرت شكل علم النفس بشكل كلي، واحدة من أهم الأفكار الهامة والباقية.

الطفولة المثالية، هي وهم، وغالباً يكذب من يخبروننا أنهم عاشوا طفولة سعيدة مثالية

ويصف فرويد اللاوعي بوصفه الجزء الذي ندفن فيه ما لا نستطيع مواجهته أو تحمله، لكنه رغم ذلك يتحكم في الكثير من سلوكياتنا التي قد تسبّب في أن نؤذي أنفسنا، أو من حولنا، دون أن نعي الأسباب.

أما كارل يونغ الذي حرّر نظرية فرويد عن عقدة الأب من المشاعر الجنسية، فقد رأى اللاوعي بطريقة أخرى، ويشبهه بالغرفة المظلمة التي نضطر أن نحبس داخلها "طفلنا الداخلي"، كي نتمكن من النضج، طفل ما زالت ردود أفعاله على احتياجاته العاطفية، سواء تلك التي لم تلب في الصغر أو لُبِّيَت بشكل مفرط، هي ردود أفعال طفولية وساذجة لطفل أبدي يرفض أن يكبر أو يتحمّل المسؤولية عن العالم أو نفسه، وتتسم تصرفاته، التي تظهر رغماً عنه، بالعشوائية تجاه من أحبوه على وجه التحديد.

هذا الطفل هو نفسه الذي قد يكون في منتصف الثلاثينيات من عمره، ويعمل بوظيفة ممتازة وراتب جيد، لكنه ما زال هو الشخص عينه الذي يخشى رئيسه وزملاءه في العمل، بالطريقة نفسها التي كان يخشى بها أبيه أو مدرسيه، أو أي من مصادر السلطة في الطفولة التي تعنفنا على أخطائنا، كأننا نظل مجرّد أطفال في أجساد كبار، لكن أطفالاً مجروحين يدّعون الاندماج في عالم الكبار، لكن ذلك الطفل المحبوس داخلنا لن يصمت، سيغضب أكثر عند تجاهله، وسيعبّر عن نفسه في سلوكيات مضطربة وغير متوقعة.

هذا الكلام عينه يسري على الأب، إذ هو نفسه يحيا وداخله ذلك الطفل الصغير المزعج، فالأب في النهاية هو جزء من دائرة أكبر قد يكون قد تعرّض فيها للإساءة في صغره، هنا لا تتساوى المسؤولية بين الطرفين بالطبع، لكن ذلك ينبهنا إلى أن الأشخاص الكبار قد تكون تصرفاتهم طفولية جداً، وأنهم أيضاً في رحلة لم تكتمل بعد، وأنهم قد ينضجون ويتعلمون كيف يعاملون أطفالهم بشكل أفضل مع الوقت، وأن بعضهم قد يستطيع أن يفهم أخطاءه، وأن يطلب الغفران عنها.

رجوعاً إلى فرويد، فكل ما تربينا عليه وحبسناه في لا وعينا، يظل موجوداً مهما نسيناه أو أنكرنا وجوده، وهو يعود في شكل اكتئاب واضطرابات ونوم وقلق وكوابيس وانعدام ثقة وإدمان لطعام أو لشراب، إدمان للتدخين وللعمل، وكل ما قد يجعلنا غير مضطرين للتفكير في جذور مشاكلنا المختبئة في اللاوعي.

هل نكبر لنتحول إلى نسخة من آبائنا؟ وحتى لو أفلتنا من شبح التطابق، وصرنا آباء أفضل، فهل تظل مظالم الطفولة تتحكّم دون وعي منا في سلوكنا مع الآخرين؟

تظل المشكلة هنا، أننا سنميل غالباً لتكرار دائرة ما تعرّضنا له في الطفولة، أو ما يسميه فرويد بـ"عودة المكبوت" عندما ننقل دائرة الإساءة إلى القريبين منا، وهم ليسوا بالضرورة أبناءنا، بل هي دائرة قد تمتد إلى الأصدقاء والمعارف وزملاء العمل والشركاء العاطفيين، إذ نجبرهم على لعب الأدوار التي اعتدناها في الطفولة، ونحاسبهم على أساس تلك الأدوار، والأسوأ هو أن نكون واعين بقسوتنا تجاههم، لكن نجد في ظلم آبائنا لنا ما يبرّره.

الطفولة المثالية، بحسب العالم النفسي أوليفر جيمس، هي وهم، وغالباً يكذب من يخبروننا أنهم عاشوا طفولة سعيدة مثالية. أغلب الآباء يربوننا حسب فهمهم وجهدهم، هذا يعني أن لا أحد يفلت من دائرة الإساءة، لكن حتى وإن كنت قد تعرّضت لإساءة متطرّفة، فعليك أن توقف تلك الدائرة، إنكار ما حدث أو الغضب الذي لا ينتهي تجاه ما حدث لنا في طفولتنا، لا يوقف دائرة الإساءة، بل يجعلنا جزءاً منها، لأن الإنكار مجرد آلية دفاعية، تحدث أحياناً كي لا نشوّه صور الآباء في مخيلتنا، لكنها سترتد نحونا على هيئة أمراض نفسية وسلوكيات مضطربة، والحل يكمن في مواجهة ذاتك والاعتراف بالتعرّض للإساءة، ليس بدافع الانتقام، بل لتحديد تلك الإساءة، لأن من ينسى الماضي محكوم عليه بتكراره.

أما الغضب، فمهما ظننا أنه يفصلنا عن دائرة الإساءة، ففي الحقيقة أنه يجعلنا أسرى لها، ندور في فلك من أساؤوا إلينا، فهم مازالوا رغماً هنا – هؤلاء القساة- يتحكمون في أفعالنا.

إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.



* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

فلنتشارك في إثراء مسيرة رصيف22

هل ترغب/ ين في:

  • الدخول إلى غرفة عمليّات محرّرينا ومحرراتنا، والاطلاع على ما يدور خلف الستارة؟
  • الاستمتاع بقراءاتٍ لا تشوبها الإعلانات؟
  • حضور ورشات وجلسات نقاش مقالات رصيف22؟
  • الانخراط في مجتمعٍ يشاركك ناسه قيمك ومبادئك؟

إذا أجبت بنعم، فماذا تنتظر/ ين؟

    Website by WhiteBeard