شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

ضمّ/ ي صوتك إلينا!
في كوب28 تحدثنا كثيراً عن المناخ... والأهم: عن العدالة

في كوب28 تحدثنا كثيراً عن المناخ... والأهم: عن العدالة

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

مدونة نحن والحقوق الأساسية

الجمعة 15 ديسمبر 202301:20 م

وأنا أركض ضائعة لأبحث عن الباص الذي يجب أن أركبه من محطة الميترو إلى مدينة إكسبو دبي، حيث يُعقد مؤتمر المناخ كوب28، ابتسم لي أحد العمال المسؤولين عن إرشاد الناس لاتجاهات الطريق، وقال وهو ينظر إلى الكوفية التي أرتديها: Free Palestine. شعرت بألفةٍ تناقض إحساسي في الساعات الأولى لوصولي قبل ليلة.

عندما كانت الطائرة تهبط في المطار، قلت في نفسي: "ليه عندهم كل هالقد كهربا؟". تبدو المدينة مشعّة أكثر من أي مدينة رأيتها في حياتي، وهو انطباع استمر طوال أيام إقامتي في دبي.

اعتقدتُ بأنه ناجم عن كوني قادمة من "بلد العتمة"، سوريا، وقد اعتدنا الحياة تقريباً دون كهرباء، لكني سمعت الملاحظة نفسها من كثيرين قابلتهم: المدينة مليئة بالإضاءة إلى حد مزعج أحياناً. قررنا أن نخترع مصطلحاً جديداً وهو "عدالة الكهرباء"، بما أننا في واحد من أكبر المؤتمرات العالمية التي يفترض أن تسعى لتحقيق العدالة، من بين أهداف أخرى.

قررنا أن نخترع مصطلح "عدالة الكهرباء"، بما أننا في واحد من أكبر المؤتمرات العالمية التي يفترض أن تسعى لتحقيق العدالة.

ابتسامة ذلك العامل اللطيف لم تكن الوحيدة. على طول الطريق الطويل الذي يتعيّن على المشاركين السير فيه ومن ثم ركوب الحافلات والسير مجدداً، فيما يبدو أنه عملية مرهقة لمن يحضر يومياً للمؤتمر، التقيتُ بعمال وعاملات من جنسيات مختلفة يمتلئ بها البلد الصغير، وتبادلنا الابتسامات وعبارات التحية والشكر. تبدو علامات الإرهاق على عدد منهم بعد الوقوف لساعات طويلة في طقس حار تحت المظلات، ورغم أننا في كانون الأول/ ديسمبر، فإن الحرارة تلامس الثلاثين مئوية في ساعات الظهيرة.

في الطريق نفسه، لافتات ولوحات تمتلئ بعبارات عن "العمل المناخي والتغيير"، مثل: أفكار ملهمة، كوكب محمي، نحوّل الوعود إلى تقدم والاتفاقات إلى إجراءات والخطاب إلى نتائج، لنعزز الشمول واحتواء الجميع، لنكن شجعان وجريئين، الأمل يلهم العمل.

مع الوصول إلى "المنطقة الخضراء"، وهي "مركز الأشخاص والحلول التي تحوّل اتفاقيات المناخ إلى عمل واقعي"، و"المركز النابض بالحياة في العمل المناخي" وفق تعريفات إدارة المؤتمر، تتكّشف مساحة من الأجنحة والحدائق متفاوتة الأحجام، بعضها لدول تعرض عملها ومبادراتها البيئية و"الخضراء"، وأخرى مخصصة لمفاهيم معينة مثل التمويل المناخي وانتقال الطاقة والمعرفة والتكنولوجيا، أو لمبادرات وشركات ناشئة صغيرة يسعى كل منها على طريقته للتصدي لأزمة المناخ التي تقض مضجع العالم، كما نعتقد. إنتاج للحوم من جذور الفطر، تحويل ثاني أوكسيد الكربون إلى صخور، الزراعة العامودية والمائية، وغيرها من الأفكار. في بعض الزوايا فنانون وناشطون يعبرون عن مطالبهم بالغناء أحياناً، وصناعة الأوريغامي على شكل نحلٍ مهدد بالانقراض، وغيرها من الأنشطة.

في المنطقة الزرقاء المخصصة للقادة والوفود الرسمية والمنظمات الحكومية وغير الحكومية والإعلاميين، يبدو الزخم مختلفاً: اجتماعات وتحركات ومظاهرات تتناول أهم النقاط التي تتمحور حولها المفاوضات لهذا العام، مثل صندوق الخسائر والأضرار الذي يفترض من خلاله أن تعوّض الدول الغنية للدول النامية عن الخسائر المناخية، والتخلص التدريجي من الوقود الأحفوري، والانتقال العادل للطاقة، والتكيّف مع تداعيات التغير المناخي، وتمويل العمل المناخي والأمن الغذائي.

البعض يشعر بالإحباط وهم يحضرون كل عام منذ أكثر من عقد، ليعيدوا صياغة ذات الرسائل، والبعض الآخر يبدو متفائلاً أو لأقل "واقعياً"، "فهذا هو حال المفاوضات على الدوام، علينا أن نستمر بالضغط لنحصّل ما نريده من مكاسب"، كما يقولون

ناشطون/ات وإعلاميون/ات من كل الدول، خاصة تلك الأكثر تضرراً من الكوارث البيئية كالفيضانات والجفاف والحرائق، يحاولون كل يوم بفعاليات وتحركات مختلفة، التأكيد على مطالبهم بتحقيق العدالة المناخية، والضغط على "كبار الملوّثين" كي يتحملوا مسؤولياتهم إزاء الكوارث المناخية التي يعيشها الكوكب.

البعض يشعر بالإحباط وهم يحضرون كل عام منذ أكثر من عقد، ليعيدوا صياغة ذات الرسائل، وهذا العام، وهو الأكثر حرارة على مر التاريخ، يبدو الإحباط أعلى عندهم مع الأخذ في الاعتبار الأنباء التي تتحدث عن حضور غير مسبوق لجماعات الضغط التابعة لشركات الوقود، ووجود جناح لمنظمة البلدان المصدّرة للنفط "أوبك"، والتي عقدت فعاليات على هامش المفاوضات للترويج لأهمية دعم استخدام الوقود الأحفوري، أهم مسبب لانبعاثات غازات الاحتباس الحراري والتغير المناخي. يقولون بأن المؤتمر يبدو وكأنه "أشبه بفعالية للعلاقات العامة".

منبع آخر للإحباط برأي آخرين، ضعف تمثيل النساء والشباب ضمن الوفود المتفاوضة، ما يعني إقصاء كثير من المطالب المهمة عن أن تكون تحت الضوء.

البعض الآخر يبدو متفائلاً أو لأقل "واقعياً"، "فهذا هو حال المفاوضات على الدوام، علينا أن نستمر بالضغط لنحصّل ما نريده من مكاسب"، كما يقولون. التقيت بإينس واسّي، وهي خبيرة بيئية قادمة من بنين. تأتي كل عام مع مبادرتها "المقهى البيئي"، وهو مشروع يسعون من خلاله لنشر التوعية بأهمية البيئة وكارثية آثار التغير المناخي التي تضرب بلدهم من فيضانات وتناقص لمعدلات الأمطار، وأيضاً للتعريف بثقافة بلدهم بمجال الطعام، من خلال تقديم وجبات ومشروبات محلية للزوار، بالتزامن مع جهود وفد بلدها ضمن المفاوضات.

تقول لي: "نعم لدي أمل. لو لم يكن لدي تفاؤل، ستكون تلك النهاية".

لم تغب قضية فلسطين عن كل هذه التحركات، خاصة في المنطقة الزرقاء التي تخضع لإدارة الأمم المتحدة، وبالتالي يسمح فيها التظاهر، فيما هو محظور عموماً في الإمارات. منذ اليوم الأول للمؤتمر خرجت تجمعات ومظاهرات بأعداد متباينة تطالب بوقف إطلاق النار في غزة، وإنهاء الاحتلال، وتحقيق العدالة المناخية وهي جزء لا يتجزأ من حقوق الإنسان، وكانت أكبر هذه المظاهرات في منتصف الأسبوع الثاني من المفاوضات، إذ شارك بها المئات من مختلف الجنسيات، واتخذ الحديث عن مفهوم العدالة المناخية زخماً أكبر.

وأنا أعود كل يوم من نفس الطريق، أعيد قراءة تلك العبارات التي تدعو للعمل والتغيير. أعيد التفكير بكل الأنوار التي تملأ المدينة. أتذكر ما قالته صديقة يمنية في اليوم الأول لوصولي: "نيالهم البنات الإماراتية. ما عندهم حرب". أفكر بأننا ما زلنا بعيدين جداً عن تحقيق العدالة

وفي المنطقة الخضراء، حيث لا مجال لتحركات مشابهة مع كونها منطقة مفتوحة للجميع، اختار كثيرون ارتداء رموز مختلفة تشير إلى التضامن مع فلسطين، كالكوفية والملابس المطرزة والإكسسوارات التي تحمل شكل البطيخ. ينظرون لبعضهم ويبتسمون ويشعرون بروابط لا يمكن تفسيرها.

وأنا أعود كل يوم من نفس الطريق، أعيد قراءة تلك العبارات التي تدعو للعمل والتغيير. أعيد التفكير بكل الأنوار التي تملأ المدينة. أتذكر ما قالته صديقة يمنية في اليوم الأول لوصولي: "نيالهم البنات الإماراتية. ما عندهم حرب". أتعثر كما كل يوم بأوراق صغيرة مرمية على الأرصفة تحمل صوراً لفتيات وأرقام هواتف تدعو للاتصال والحصول على خدمات "مسّاج". أحتفظ بواحدة منها أضيفها لكتيّبات وإعلانات حصلت عليها من أجنحة مختلفة من المؤتمر، واحدة منها عبارة عن ورقة صغيرة تحوي بذوراً يمكننا زراعتها والاستمتاع برؤيتها وهي تنمو. أفكر بأننا ما زلنا بعيدين جداً عن تحقيق العدالة.

إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.



* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

ما زلنا في عين العاصفة، والمعركة في أوجها

كيف تقاس العدالة في المجتمعات؟ أبقدرة الأفراد على التعبير عن أنفسهم/ نّ، وعيش حياتهم/ نّ بحريّةٍ مطلقة، والتماس السلامة والأمن من طيف الأذى والعقاب المجحف؟

للأسف، أوضاع حقوق الإنسان اليوم لا تزال متردّيةً في منطقتنا، إذ تُكرّس على مزاج من يعتلي سدّة الحكم. إلّا أنّ الأمر متروك لنا لإحداث فارق، ومراكمة وعينا لحقوقنا.

Website by WhiteBeard