شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

لنبدأ من هنا!

"وكأن الفلسطينيين كانوا هناك بالصدفة"... المفكرون الغربيون والقضية الفلسطينية

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

ثقافة نحن والحقيقة

الأربعاء 13 ديسمبر 202310:58 ص

منذ النصف الثاني من القرن العشرين وحتى يومنا هذا الذي يشهد العالم بأسره العدوان الإسرائيلي على غزة، كانت للمفكرين الغربيين مواقف متباينة بشأن فلسطين وإسرائيل. تستعرض هذه المادة آراء مختلفةً للكتّاب والفلاسفة والمثقفين المعاصرين الغربيين حول هذه القضية.

1 – جورجيو أغامبين

يُعدّ الفيلسوف الإيطالي اليساري البارز جورجيو أغامبين، أحد المفكرين القلائل في الغرب، الذين ردّوا على جرائم إسرائيل الأخيرة في غزة، إذ كتب في مذكرة قصيرة في 30 تشرين الأول/أكتوبر 2023، التالي: "خلال الأيام الأخيرة، أعلن علماء كلية علم النباتات في جامعة تل أبيب عن تسجيل الصرخات التي تصدرها النباتات عندما يتم قطعها أو تجفيفها، وذلك بمساعدة ميكروفونات خاصة حساسة تجاه الموجات فوق الصوتية، لكن أينما تنظر في غزة، لن تجد ميكروفوناً".

منذ النصف الثاني من القرن العشرين وحتى يومنا هذا الذي يشهد العالم بأسره العدوانَ الإسرائيلي على غزة، كانت للمفكرين الغربيين مواقف متباينة بشأن فلسطين وإسرائيل

وُلد أغامبين في 22 نيسان/أبريل 1942، في مدينة روما الإيطالية، ويُعدّ من أهم الشارحين لنظريات الفلاسفة الألمان، حنة أرندت ومارتن هايدغر ووالتر بنيامين، كما يُعدّ من الشخصيات البارزة في الفلسفة والنظريات السياسية الراديكالية في إيطاليا، إذ أسس فصلاً جديداً في الفلسفة المعاصرة بكتابه "المذبحة المثلية" (homo sacer).

أكمل دراسته في مجال الفلسفة والقانون عام 1965، وكتب أطروحته للدكتوراه حول الفكر السياسي للكاتبة والفيلسوفة الفرنسية سيمون فايل، وخلال عامي 1966 و1968، شارك أغامبين كطالب ما بعد الدكتوراه، في ندوات هايدغر، حيث تحدث عن هيغل وهرقليطس.

بعد نشر كتابه "المذبحة المثلية"، عام 1995، اكتسب أغامبين شهرةً عالميةً. تُرجم هذا الكتاب إلى اللغة الإنكليزية في عام 1998، والذي حلل فيه مفاهيم من قبيل القانون والحياة والسلطة والحكومة ومواضيع مماثلة، كما تنبأ في كتابه هذا بأحداث هجمات 11 أيلول/سبتمبر 2001 على نيويورك وواشنطن والتغيرات التي طرأت على المشهد الجيو-سياسي، وأثار هذا الأمر موجةً من الاهتمام بأعمال وأنشطة جورجيو أغامبين. كان هذا الكتاب بدايةً لمشروع دام عشرين عاماً، ويُعدّ أهم إنجازات أغامبين وأبرزها في مجال الفلسفة السياسية.

2 – إدوارد سعيد وجان بول سارتر

إدوارد سعيد (1935-2003)، كاتب وفيلسوف فلسطيني-أمريكي، اشتهر بعد إصدار كتابه الشهير "الاستشراق"، الذي يُعدّ أحد أهم مصادر دراسات ما بعد الاستعمار. وُلد إدوارد سعيد في القدس عام 1935، وتنقل بين القاهرة والقدس حتى بلغ الثانية عشرة من عمره، وفي 1947 بعد تشكيل الحكومة الإسرائيلية وبدء الصراعات، هاجر مع عائلته إلى القاهرة ثم إلى أمريكا.

درس في جامعة برينستون الأمريكية، ثم في جامعة هارفارد، وحصل على شهادة الدكتوراه عام 1964، ومنذ ذلك الوقت بدأ التدريس في جامعة كولومبيا الواقعة في نيويورك. وبقي أستاذاً للّغة الإنكليزية والأدب المقارن في هذه الجامعة إلى أن توفي عام 2003.

يعرض سعيد في كتابه "الاستشراق" ثلاثة تعريفات للاستشراق، هي على النحو التالي: "أولاً، الاستشراق كتقليد أكاديمي، يتكون من أي شخص يبحث أو يعلم أو يكتب عن الشرق"؛ "ثانياً، الاستشراق كشكل من أشكال التفكير الذي يؤمن بالتمييز الأساسي بين الشرق والغرب"؛ و"ثالثاً، الاستشراق كفكر غربي يحكم الشرق بالهيمنة ورغبته في استيلاء الغرب على الشرق". ويؤكد أن الاستشراق ليس مجرد فكرة مغلوطة أو أسطورة ستختفي، بل هو مجموعة من النظريات وطرائق التنفيذ التي تطورت على مر السنين والقرون، وقد تم تنفيذ ذلك الاستثمار المادي وأصبح بمثابة نظام المعرفة حول الشرق.

وفي أحد مقالاته، يصف سعيد، لقاءه مع الأب الروحي للوجودية جان بول سارتر (1905-1980)، في شقة ميشال فوكو في باريس، ويقول: "في تلك الفترة، كنت ناشطاً في مجال السياسة الفلسطينية، فقد أصبحت عضواً في المجلس الوطني عام 1979، وفي رحلاتي المتكررة إلى بيروت (التي كانت في فترة الحرب الأهلية اللبنانية)، لرؤية والدتي، كنت بانتظام أرى ياسر عرفات ومعظم زعماء ذلك الوقت، واعتقدت أنه إذا تمكنت من استخلاص كلمة أو بيان من سارتر دفاعاً عن الفلسطينيين في هذه البرهة الحساسة، فسيُعدّ ذلك إنجازاً عظيماً".

لكن سارتر لم يبدِ أي تعاطف مع الفلسطينيين، وهو نفسه الذي أصبح من أهم داعمي الشعب العربي الجزائري في قضية استقلال الجزائر، وحول هذا يقول سعيد: "قبل عشرين عاماً، ذهب سارتر إلى روما للقاء فرانتس فانون الذي كان يحتضر، وحدّثه لمدة ست عشرة ساعةً عن قصة الجزائر المفجعة... سارتر هذا رحل عنا إلى الأبد".

لطالما رفض جزءٌ كبير من المثقفين الغربيين انتقادَ الحكومات الإسرائيلية، قد يكون هذا الرفض خوفاً من وصمة "معاداة السامية"،ك وربنا هو موقف أصيل، برغم أنه من الواضح أن انتقاد الدولة الإسرائيلية لا يُعدّ معاداةً للسامية على الإطلاق، بينما قسم كبير من اليهود كانوا دائماً ضد الصهيونية والسياسات العنصرية للدولة الإسرائيلية.

يتناول إدوارد سعيد رفضَ سارتر الحديثَ عن حقوق الفلسطينيين كالتالي: "لأسباب لا يمكننا التأكد منها، كان سارتر ثابتاً بالفعل في دعمه الأساسي للصهيونية. لا أعرف ولن أعرف ما هو السبب، فهل كان يخشى أن يُنظر إليه على أنه معادٍ للسامية، أو أنه شعر بالذنب تجاه كارثة الهولوكوست، أو أنه لا يريد أن يرى الفلسطينيين ضحايا لإسرائيل وظلمها. وكل ما أعرفه هو أنه كان سبب يأس وخيبة أمل مريرة لكل عربي، وذلك باستثناء الجزائريين".

3 – ميشال فوكو

ميشال فوكو (1926-1984)، الذي التقى في منزله سارتر وإدوارد سعيد، هو فيلسوف وعالم اجتماع فرنسي، يُعدّ من أبرز الباحثين وأكثرهم إثارةً للجدل بعد الحرب العالمية الثانية. له شخصية مؤثرة ليس فقط في الفلسفة فحسب، ولكن أيضاً في مجموعة واسعة من مجالات العلوم الإنسانية والتاريخ والعلوم الاجتماعية، حيث ألّف كتباً كثيرةً، أشهرها "تاريخ الجنون"، و"الكلمات والأشياء"، و"إرادة المعرفة".

أمضى فوكو حياته المهنية في تشريح وتحليل مفهوم القوة في الحكومات الحديثة، بما في ذلك الشرطة والقانون والمحاكم والسجون والطب والطب النفسي. كان هدفه النهائي توضيح كيفية عمل مفهوم "السلطة"، ومن ثم تغيير مساره نحو المدينة الفاضلة الماركسية الفوضوية. وبالرغم من أنه قضى معظم حياته في المكتبات والندوات، إلا أنه كان يُعدّ شخصيةً ثوريةً ملتزمةً، ويتمتع بشعبية كبيرة بين المثقفين والنخب في باريس، وكان جان بول سارتر معجباً به بشدة.

كان ميشال فوكو مؤيداً لإسرائيل وسياساتها، وخلال فترة تدريسه في تونس، غادر تلك البلاد بحجة "معاداة السامية المتطرفة"، برغم أن روايات أخرى تقول إن سبب مغادرته تونس، علاقاته الجنسية المثلية المثيرة للجدل مع طلابه. ولقد أدى دعم فوكو للحكومة الإسرائيلية إلى خلق مسافة كبيرة بينه وبين صديقه القديم الفيلسوف الفرنسي جيل دولوز، الذي كان من أشد المؤيدين لفلسطين وقضيتها.

4 – جيل دولوز

يُعدّ جيل دولوز (1925-1995)، من أهم فلاسفة القرن العشرين. كان يدرّس تاريخ الفلسفة في جامعة السوربون منذ عام 1957. لدولوز موقف مستنير بشأن فلسطين، يؤكد فيه أن اليهود تعرضوا لأعظم مذبحة في التاريخ في الهولوكوست وفي أثناء الحرب العالمية الثانية، وتوضيحاً لهذا الأمر يشرح: "لقد اضطرت أمريكا وأوروبا إلى تعويض الأضرار التي لحقت باليهود. لكن ماذا فعلوا؟ أجبروا أمةً أخرى على دفع تلك الأضرار؟ وأي أمة؟ الأمة التي لم يكن لها دور في المذبحة، لا بل لم تكن تعلم حتى أن مثل هذا الأمر قد حدث. من هذا المكان تبدأ البشاعة، وفي الوقت عينه يبدأ العنف، فتبدأ الصهيونية، ومن ثم الدولة الإسرائيلية، التي تريد أن يعترف الفلسطينيون بها، وذلك برغم إنكارها للشعب الفلسطيني، ويتم الحديث عن العرب الفلسطينيين كما لو أنهم كانوا موجودين هناك بالصدفة أو عن طريق الخطأ".

يُعدّ الفيلسوف الإيطالي جورجيو أغامبين، أحد المفكرين القلائل في الغرب، الذين ردّوا على جرائم إسرائيل الأخيرة في غزة، والفيلسوف الفرنسي المعاصر إتيان باليبار، هو أحد المثقفين القلائل في فرنسا والعالم، الذين لديهم مواقف واضحة تجاه فلسطين

ويتابع: "وبعد ذلك يظهرون الأمر كما لو أن النازحين الفلسطينيين يأتون من الخارج، ولا أحد يتحدث عن الحرب الأولى، وعن المقاومة التي أظهرها الشعب الفلسطيني وحده. يتم تعريفهم كأبناء هتلر. لماذا؟ لأنهم لا يعترفون بحق إسرائيل. لكن إسرائيل تعتبر هذا الحق نافياً لوجودها عملياً. وهنا تبدأ القصة، وتتوسع تدريجياً وتُثقل كاهل كل من يدافع عن القضية الفلسطينية. وتقابلهم إسرائيل بالسيناريو المعروف، حيث كل من يعترض على الظروف القائمة وعمل الكيان الصهيوني، يُعدّ معادياً للسامية. وتأتي هذه العملية نتيجةً لسياسة إسرائيل الباردة تجاه الفلسطينيين".

5 – إتيان باليبار

الفيلسوف الفرنسي المعاصر إتيان باليبار، هو أحد المثقفين القلائل في فرنسا والعالم، الذين لديهم مواقف واضحة تجاه فلسطين، إذ بعد الهجوم الإرهابي الأخير الذي شنّته إسرائيل على غزة، أدان باليبار في مقالته الأولى حركة حماس، التي يعدّها "العدو المرغوب فيه" لإسرائيل، وجاء في المقال: "إن غريزة الموت تغزو أرض فلسطين وتقتل سكانها، ومن بين مليوني لاجئ، دخلت قوات كوماندوس حماس إلى أنفاق تحت الأرض في ما يسمى 'السجن المفتوح'، وهم يستعدون على المدى الطويل، في حين تدعمهم القوى الإقليمية الأخرى، وإسرائيل نفسها راضية عن هذا، إذ تنظر إليهم كعدو مرغوب فيه’، لقد شنّوا هجمات فاجأت قوات الدفاع الإسرائيلية، التي كانت مشغولةً بمساعدة المستوطنين اليهود ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية، وأثارت العاطفة بين الشباب الفلسطينيين ولفتت أنظار العالم العربي، إلا أن ذلك قد ترافق مع جرائم فظيعة ضد شعب إسرائيل، جرائم كقتل الصغار والكبار، التعذيب، والاغتصاب والاختطاف، ولا يمكن تبرير مثل هذه الجرائم بأي شكل من الأشكال".

ومع ذلك، فإن لدى باليبار منظوراً تاريخياً تجاه قطاع غزة، إذ يكتب: "ولكن لماذا تحدث كلّ هذه الأشياء؟ لأن دولة إسرائيل، التي قدّمت نفسها رسمياً على أنها ’الدولة القومية للشعب اليهودي’ منذ عام 2018، لم تكن لديها أي خطة سياسية سوى تدمير أو إخضاع الشعب الفلسطيني بطرق مختلفة، منها: التهجير ومصادرة الأراضي والاغتيال والاعتقال وهي باختصار ’إرهاب حكومي ممنهج’".

إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

بالوصول إلى الذين لا يتفقون/ ن معنا، تكمن قوّتنا الفعليّة

مبدأ التحرر من الأفكار التقليدية، يرتكز على إشراك الجميع في عملية صنع التغيير. وما من طريقةٍ أفضل لنشر هذه القيم غير أن نُظهر للناس كيف بإمكان الاحترام والتسامح والحرية والانفتاح، تحسين حياتهم/ نّ.

من هنا ينبثق رصيف22، من منبع المهمّات الصعبة وعدم المساومة على قيمنا.

Website by WhiteBeard