شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

لنبدأ من هنا!
متى ينتخب المصري نفسه؟

متى ينتخب المصري نفسه؟

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

رأي نحن والحقوق الأساسية

الأحد 10 ديسمبر 202311:40 ص

يقول موجز القصة، إن الإنسان في البداية، عاش حياته يوماً بيوم، يجمع طعامه ويصطاد فرائسه ويتنقل بحرية وبلا قلق، ثم اهتدى إلى طريقة أخرى للعيش بعد أن فهم كيف تجري أمور الزراعة، فقرّر الاستقرار في أرض أعجبته، حاوطها بسور يحدّدها، وزرعها وتبادل مع من وافقوه رؤيته حصادهم، وظلوا يتشاركون الاصطياد حتى أدخل الإنسان ماشيته داخل السور، وقال: أنا أملك ذلك وهؤلاء يملكون هذا. من هنا بدأ القلق، مترقباً للأمطار التي تُمثّل مستقبل أرضه، ومراقباً للأسوار من أجل أمنها. بدأ الإنسان في البحث عن فكرة أخرى تنظم ذلك القلق في أضيق حدوده، فكانت المجتمعات التي كبرت وتمدّدت فأصبحت وطناً.

رافقت فكرة الوطن تلك فكرة أخرى، كان الهدف منها أيضاً هزيمة القلق، إلى جانب تقديم تفسيرات لما يجهله هذا الإنسان" ما البرق وما الرعد ولم المطر وأين يذهب الموتى؟ هكذا لمعت فكرة جديدة في عقله، بدأت بتأملات وتوقعات وكبرت هي أيضاً لتصبح أدياناً.

إذن لولا الإنسان ما كانت الأديان ولا الأوطان، بل هي أشياء تخيّلها لتحميه وتنفعه وتُجيب عن بعض تساؤلاته، فماذا نفعل إذا توقفت تلك الأشياء عن حمايته، وعلى نقيض الهدف منها، تحولت من أفكار مضادة للقلق إلى مصدر الهلع في بعض الأحيان، وسلبت منه حياته مادياً أو معنوياً؟

لن تجد من يقول "يحيا المواطن" مثلاً، فالمواطن يشعر بأنه يحيا كي تحيا مصر أو كي يُنصر الإسلام، وإلا فما معنى أن يحيا هو في الأساس؟

نموت نموت ويحيا الوطن... لمن؟

من الطبيعي أحياناً أن يخاطر الإنسان -الذي أوجزنا قصته- بحياته، لحماية الأفكار التي اخترعها طالما نفعته، لكن أن يعيش ويموت من أجلها، سواء كانت نافعة له أو ضارة، أن يُنكر حقوقه نفسها إن تعارضت مع فكرتي الوطن والدين، فذلك لا يتعدّى كونه حماقة تتوارثها الأجيال في بلادنا، ولأن ذلك فعل غير طبيعي، فكالعادة، لن تسير الأمور على ما يرام، فللطبيعة معارضتها الضارية، إذ تجد الوطن الذي يسلب حقوق أفراده ضعيفاً بضعف الإنسان الذي يعيش فيه، والدين ضاعت مقاصده من الطمأنينة والعدالة والإخاء، وغيرها من المُثل، وبقيت بعض رموزه وطقوسه بلا هدف، لأن من ابتدع الفكرة هو القادر على تطويرها لتتناسب مع متطلباته، وحين يحدث أن تسيطر الفكرة على مقدراته وتتسلط عليه حد القهر، فكيف تنتظر منه أن يبني وطناً مثلاً؟

في مصر يولد الإنسان وهو يحمل همّين، حماية الوطن ونصرة الدين، حماية الوطن من من ونصرة الدين على من؟ تلك العناصر الإضافية لا تهم، والمهم فقط أن يشعر هو بذلك إلى حين يحتاج من لقنه أهداف حياته تلك لابتزازه عاطفياً يوماً ما: اصمتْ لتحمي الوطن، تقبّلْ الإهانات في سبيله، توقفْ عن الأسئلة نصرة للدين فهي فتنة، قائدنا وشيخنا... حامينا ومرشدنا... رئيسنا ومولانا... ثنائية دائمة في عقل المصري، أفقدته التركيز حول التفكير في الطرف الأساسي في حياته: هو نفسه، حريته وأفكاره وحقوقه ورغباته. أشعر أحياناً أن المصري في نهاية حياته يموت دون أن يقطع أي خطوات في طريق بحثه عن ذاته، رغم سعيه المستمر للبحث عن زعيم وطنه وطائفته.

لذلك لا تتعجّب إذا وجدت مواطناً مصرياً يبرّر انتهاك حقوق الإنسان في بلادنا، بأن تلك الحقوق هي خدعة اخترعها العدو للنيل من وطنه أو دينه، فلو كانت حقوق الوطن لفهمها، ولو كانت حقوق الدين لطالب بها، لكن ما الإنسان خارج حدود الوطن والدين؟ ربما هو لم يفكر في ذلك من قبل.

في الانتخابات أيضاً غاب الإنسان

انطلاقاً مما سبق، تجد المرشحين في الانتخابات المصرية، رئاسية أو برلمانية، يؤكدون في شعاراتهم على اللافتات وأسماء أحزابهم، ما يداعب مشاعر الإنسان المصري وليس الإنسان المصري نفسه، فقط مشاعره، مروراً بـ"مصر فوق الجميع" و"الإسلام هو الحل" و"مستقبل وطن" و"مصر القوية"، وصولاً إلى شعار الرئيس الحالي والقادم "تحيا مصر"، ومن أراد التجويد سيتحدث عن العروبة. لن تجد من يقول يحيا المواطن مثلاً، فالمواطن يشعر بأنه يحيا كي تحيا مصر أو كي يُنصر الإسلام، وإلا فما معنى أن يحيا هو في الأساس؟

والأمر يتعدّى مجرد شعارات طبعت على اللافتات، فحتى برامج المرشحين الانتخابية استغلت نكران المواطن المصري المتصاعد لذاته، وبدلاً من أن تحدثنا حتى عن خطط أقرب نتائجها ستظهر بعد خمس أو عشر سنوات مثل السابق، باتت تعدنا بالفقر ومزيد من الألم مباشرة، مُبشّرة بوطن قوي، يوماً ما غير معلوم، ولو استبدلنا مرشح الوطن بمرشح الدين، فلن يحتاج حتى للتبشير بمستقبل محدّد للوطن، فهيئته وخطاباته الدينية تعدنا بالجنة في حياة أخرى، إذا تقابلنا مجدداً.

قليلة هي المرات التي يذهب فيها مواطن مصري بغرض انتخاب مرشح يتحدث عن بناء الإنسان، دون إضافات قومية، اعتدنا هنا أن ننتخب الوطن أو الدين، ولم نهتم بانتخاب أنفسنا في أي مرة، حتى في خضم تألم المواطنين من الأوضاع المتردية، في شتى مجالات حياتهم من الاقتصاد والحريات، تسببت أحداث غزة في تراجع الجميع عن التفكير في طرق إيجاد بديل جدي للرئيس الحالي. بعضهم بسبب اليأس بعد استبعاد أحمد الطنطاوي، وكثير منهم تبنوا وجهة النظر التي تقول إن هناك عدواً للوطن والدين معاً على أبواب مصر، ومن سيقف له غير حملة لواء الوطن أبناء المؤسسة العسكرية؟

إذا حدثك أحدهم أن حريتك وقوتك وسلامتك تتعارض مع الوطن أو الدين، طالبه بتفسير كيف يكون الوطن بخير إذا حفل بشعب ضعيف مقيد يعاني، واسأله لمَ قال الله إنه يحب المؤمن القوي إذن؟

ما المطلوب منا؟

أظن أن تغذية التفكير الفردي سيكون كافياً كبداية لتغيير يحدث، وأقصد هنا أن يضع المواطن حقوقه خارج مداولات الوطن والدين ودون نقاش، وإذا كنا لا نملك الإجابات، فعلى الأقل لنطرح الأسئلة الصحيحة، لماذا يحتاج الوطن لإهانتي؟ إذا كان الوطن هو تجمّع لعدد من المواطنين، فكيف تقولون لي إن حقوق المواطنين تتعارض مع حقوق الوطن؟ فلو أن حقوق الوطن ليست حقوق مواطنيه فما هي الحقوق التي تتحدثون عنها؟ هل أمرني الله بطاعة أولي الأمر ولم يأمرهم بإطعامي؟ إذا سُلب حقي في المعرفة والتغذية والصحة في سبيل نصرة الدين، فكيف تقولون إن الدين صالح لكل عصر إذن؟ ألا يعني ذلك أنه يتعارض مع الصلاح؟ وكيف أكون مخيّراً بين طريق الجنة والنار أمام الله دون أن يكون لي حرية الاختيار أمام الرئيس؟

كل تلك الأسئلة وغيرها تهدف في نهايتها إلى صنع إنسان قوي حر سليم، وإذا حدثك أحدهم أن حريتك وقوتك وسلامتك تتعارض مع الوطن أو الدين، طالبه بتفسير كيف يكون الوطن بخير إذا حفل بشعب ضعيف مقيد يعاني، واسأله لم قال الله إنه يحب المؤمن القوي إذن؟

وبالنسبة للخير، فالقاعدة التي أؤمن بها هي أن الوطن كما قال أريستوفان، هو حيث يكون المرء بخير، ونحن لسنا بخير، فلا بد إذن أن نُعيد التفكير مرة أخرى في شكل الوطن.


رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

WhatsApp Channel WhatsApp Channel


* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

ما زلنا في عين العاصفة، والمعركة في أوجها

كيف تقاس العدالة في المجتمعات؟ أبقدرة الأفراد على التعبير عن أنفسهم/ نّ، وعيش حياتهم/ نّ بحريّةٍ مطلقة، والتماس السلامة والأمن من طيف الأذى والعقاب المجحف؟

للأسف، أوضاع حقوق الإنسان اليوم لا تزال متردّيةً في منطقتنا، إذ تُكرّس على مزاج من يعتلي سدّة الحكم. إلّا أنّ الأمر متروك لنا لإحداث فارق، ومراكمة وعينا لحقوقنا.

Website by WhiteBeard