شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

اشترك/ ي وشارك/ ي!
منظمات حقوقية توثق قتل إسرائيل لعصام عبد الله... من يحقق العدالة؟

منظمات حقوقية توثق قتل إسرائيل لعصام عبد الله... من يحقق العدالة؟

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

سياسة نحن وحرية التعبير

الجمعة 8 ديسمبر 202306:09 م

لدى إسرائيل سجل حافل من الاغتيالات التي استهدفت الصحافيين/ ات على مر التاريخ. استهداف الإعلاميين/ ات يشكّل جزءاً من إستراتيجيتها وسياساتها المستمرة لكبت صوت الحقيقة وتشويه الصورة الكاملة التي تكشف عن جرائمها المتكررة.

تتجاوز إسرائيل اعتداءاتها على الصحافيين/ ات، من اعتقالات واعتداءات جسدية، إلى مستوى الاغتيال والقتل المتعمد. في 11 أيار/ مايو 2022، تعمدت إسرائيل اغتيال الصحافية شيرين بو عاقلة، على يد أحد قنّاصيها، في أثناء تغطية مراسلة الجزيرة لاقتحام جنين في فلسطين. كان الخبر يومها صادماً للعالم بأسره، والمشاهد كذلك. لكن شيئاً لم يردعها.

اليوم، تسجل إسرائيل رقماً قياسياً في قتل الصحافيين/ ات، إذ تجاوز عددهم/ ن 73 ضحيةً منذ بدء حربها على قطاع غزة في 7 تشرين الأول/ أكتوبر الماضي، ويُعدّ هذا العدد رقماً كبيراً مقارنةً مع الحروب الكبيرة السابقة التي شهدها العالم، ومنها الحرب العالمية الثانية على سبيل المثال.

وتوسعت الجرائم الإسرائيلية أيضاً لتشمل الصحافيين/ ات اللبنانيين/ ات، وكان آخرها اغتيال مراسلة الميادين فرح عمر والمصوّر ربيع معماري بعد استهداف إسرائيل مجموعةً من المدنيين/ ات من بينهم/ نّ صحافيين/ ات في بلدة علما الشعب في 21 تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي، وقبلها كانت قد استهدفت مصور رويترز عصام عبد الله، الذي كان متواجداً مع مجموعة من الصحافيين في أثناء تغطيتهم/ نّ للأحداث في الجنوب اللبناني، في 13 تشرين الأول/ أكتوبر الماضي.

اليوم، تسجل إسرائيل رقماً قياسياً في قتل الصحافيين/ ات، إذ تجاوز عددهم/ ن 73 ضحيةً منذ بدء حربها على قطاع غزة

مع هذا التاريخ الدموي والوحشية المستمرة، يظل السؤال الذي يطرح نفسه هو: من يحاسب إسرائيل على جرائمها ضد المدنيين/ ات والصحافيين/ ات، خاصةً مع استمرار الدعم الدولي والتمويل العسكري لها؟

مسار التحقيقات وآلياتها

بعد انقضاء نحو شهرين على اغتيال الصحافي عصام عبد الله، أصدرت كل من منظمة العفو الدولية، وهيومن رايتس ووتش، ورويترز ووكالة الصحافة الفرنسية تقاريرها حول الضربتين الإسرائيليتين اللتين استهدفتا مجموعةً تضم سبعة صحافيين في جنوب لبنان، في 13 تشرين الأول/ أكتوبر الماضي. وقد كشفت هذه التحقيقات أن الهجوم، الذي أسفر عن وفاة الصحافي عصام عبد الله وإصابة ستة آخرين، يُشتبه في أنه كان هجوماً مباشراً على المدنيين، وهناك ضرورة للتحقيق فيه كجريمة حرب.

وتشير نتائج التحقيق إلى أن المجموعة التي استهدفها الهجوم كانت تضم صحافيين/ ات، وأن الجيش الإسرائيلي كان يعلم أو كان عليه أن يعلم بوجود مدنيين في المنطقة، ومع ذلك، فقد هاجمهم بضربتين تفصل بينهما 37 ثانيةً.

يقول المحامي فاروق المغربي، لرصيف22، إنه "بعد استهداف مجموعة الصحافيين/ ات في 13 تشرين الأول/ أكتوبر الماضي، كانت هناك تحقيقات مستقلة من قبل أربع جهات، هي منظمة العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش بالإضافة إلى المؤسستين الإعلاميتين المعنيتين، أي رويترز وAFP، وقد أصدرت تقاريرها بالأمس، وبناءً عليها ستقوم نقابة الصحافة البديلة بالتوجه إلى جهات دولية، من ضمنها الأونيسكو، والمفوض السامي لحقوق الإنسان، لمطالبتها بفتح تحقيق مستقل في القضية".

ويلفت إلى أن "قضية المصور عصام عبد الله لم تُرفع بشكل مباشر إلى المحكمة الجنائية الدولية للتحقيق فيها مثل قضية الصحافية شيرين أبو عاقلة، نظراً إلى أن لبنان ليس من بين الدول التي وقعت على نظام روما الصادر في 17 تموز/ يوليو 1998، والذي أنشئت بموجبه المحكمة الجنائية الدولية. وتتم المتابعة مع مقررين خاصين للأمم المتحدة تم التواصل معهم وهم حالياً يعملون على هذا الملف ووجهوا مراسلةً إلى الحكومة الإسرائيلية لطلب توضيح حول ما حدث، ومن المنتظر أن يخرج بيان عما جرى ويؤكد على جريمة الحرب في مطلع السنة القادمة".

وحول دور الحكومة اللبنانية في التحقيقات، يروي المغربي أن "الحكومة اللبنانية حتى اللحظة لم تتخذ أي موقف بالرغم من أنه كان من المفترض أن تعمل على توثيق هذه الجرائم، خاصةً أنها تتمتع بمستوى رفيع ومهم في التوثيق، إلا أنها لم تقدم على أي خطوة ضرورية".

"ذاك اليوم تركنا جميعنا بندوبات كثيرة والتحقيقات لن تعيد لنا عصام ولن تجعل كريستينا (مراسلة وكالة الصحافة الفرنسية) تمشي مجدداً، ولكن العدالة يجب أن تتحقق"

ويتحدث عن "أهمية التحقيق التقني الذي كان يجب أن تقوم به الجهات الأمنية ومن بينها الجيش اللبناني واليونيفيل، لكن هذه الجهات لم تقم بالتعاون مع الجهات التي تولت التحقيق، كما لم يصدر أي تقرير عنها، ولم نفهم لماذا الجيش اللبناني حتى اللحظة لم يصدر أي تقرير بالرغم من أنه قام بالتحقيق الميداني وتحقيقاته تُعدّ مهمةً على المستوى الدولي". أما عن التحقيق في اغتيال مراسلة قناة الميادين فرح عمر، ومصورها ربيع المعماري، فإنه سيتم أخذ الموافقة من قناة الميادين والأهل لاحقاً لمعرفة ما إذا كانوا يريدون الانضمام إلى هذا المسار.

تحقيق دولي منصف

"عندما وقع الانفجار الثاني صُعقت وشعرت بالدوار، ولكن في ذاكرتي المشوشة أتذكر سقوط ساق عصام أمامي، وأتذكر أنني نظرت إلى الأعلى وشاهدت كارمن (جوخدار-مراسلة الجزيرة)، بجوار السيارة. كان وجهها أسود وكانت تمشي مترنحةً وكان ظهرها بكامله مغطى بالشظايا"، يقول ديلان كولنز، وهو يروي ما حدث في 13 تشرين الأول/ أكتوبر 2023، مضيفاً أن "ذاك اليوم تركنا جميعنا بندوبات كثيرة والتحقيقات لن تعيد لنا عصام ولن تجعل كريستينا (مراسلة وكالة الصحافة الفرنسية) تمشي مجدداً، ولكن العدالة يجب أن تتحقق"، مؤكداً أنه في كل مرة يُقتل فيها صحافي/ ة يخسر العالم عيناً تشهد على الأحداث والحقيقة و"لحسن الحظ بقينا على قيد الحياة لنروي حقيقة ما حدث".

من جهتها، تلفت جوخدار إلى أن "ما حدث هو محاولة لإسكاتنا وإخافتنا من نقل ما يحدث وما ترتكبه إسرائيل من جرائم، وهذه التحقيقات مهمة بالنسبة لنا. نحن نعرف من استهدفنا، ولكن هذه التحقيقات ستنقلنا إلى مسار قانوني". وتضيف: "لن نصل إلى العدالة، وإن وصلنا نعرف أنها ستكون عدالةً منقوصةً كما شهدنا في اغتيال زميلتنا شيرين أبو عاقلة، لأن العدالة الحقيقية هي ألا نخسر أياً من زملائنا/ زميلاتنا".

يقول المغربي إن "كل ما نقوم به اليوم هو توثيق جرائم الحرب بشكل قانوني وواقعي وربما في ظرف سياسي معيّن قد ننجح من خلال هذه التوثيقات في الوصول إلى تحقيق العدالة، وتالياً هذه التحقيقات اليوم مدعمة ومهمة في تغيير سردية العدو الإسرائيلي وفي إدانتها من قبل خبراء مستقلين من الأمم المتحدة".

التحقيق ونتائجه

بالعودة إلى ما خلص إليه التحقيق، تشير صور ومقاطع فيديو لآثار الضربات، تحققت منظمة العفو الدولية من صحتها، إلى أن الهجوم الأول انطلق من التلال الواقعة بين قريتي النواقير والجرداح في إسرائيل. وقد أجرت منظمة العفو الدولية تحليلاً لموقع جثمان عصام عبد الله عقب الضربات، والاتجاه التي تبعثرت فيه الحجارة من الحافة التي كان يجلس عليها، فضلاً عن الاتجاه الذي كانت الكاميرا تهتز فيه وتسقط على الأرض عقب الضربات.

"كل ما نقوم به اليوم هو توثيق جرائم الحرب بشكل قانوني وواقعي وربما في ظرف سياسي معيّن قد ننجح من خلال هذه التوثيقات في الوصول إلى تحقيق العدالة"... فهل حقاً ستُحاسب إسرائيل؟ 

ويشير تحليل شظايا الأسلحة إلى أن الذخيرة التي أودت بحياة عصام كانت من قذيفة مدفعية من عيار 120 ملم، وهي على الأرجح مقذوف من طراز أم 339، من صنع شركة " آي أم آي سيستمز" الإسرائيلية، وتم التعرف عليها في التحقيقات الأخرى التي أجرتها منظمة العفو الدولية في الهجمات التي شنّها الجيش الإسرائيلي.

أما الضربة الثانية التي وقعت بعد 37 ثانيةً، فقد أحدثت حفرةً ضحلةً صغيرةً بالقرب من الإطار الأمامي لسيارة الجزيرة. وبناءً على صور شظايا الأسلحة، من المرجح جداً أن تكون هذه الذخيرة صاروخاً صغيراً موجهاً، لكن منظمة العفو الدولية لم تتمكن من تحديد الطراز، أو اتجاه النار، أو منصة الإطلاق على وجه الدقة.

كما تبيّن مقاطع الفيديو والصور أن الصحافيين/ ات السبعة، كانوا يرتدون دروعاً على أجسادهم دُوّنت عليها كلمة "صحافة"، وأن السيارة الزرقاء التابعة لطاقم رويترز كانت معلّمةً بكلمة "تلفزيون" مع شريط أصفر على غطاء محركها. ووصف إيلي برخيا (الذي كان موجوداً وقت الاعتداء)، لمنظمة العفو الدولية، الإجراءات الاحترازية التي اتخذها الصحافيون/ ات، مؤكداً على إبقاء جميع أبواب سيارتهم البيضاء مفتوحةً عن قصد لإعلان أنهم صحافيون/ ات يقفون على تلة خالية من أي وجود عسكري، "نحن الصحافيين/ ات لا نختار مواقع تثير الشبهات، بل نختار مواقع مكشوفةً تماماً".

تذكر منظمة العفو الدولية في بيانها أن ثلاثة صحافيين/ ات لبنانيين/ ات قُتلوا وهم يغطون الأعمال القتالية في جنوب لبنان. و"بالإضافة إلى الحادثة الموثقة في هذا التقرير والتي قُتل فيها عصام عبد الله، قُتل ثلاثة مدنيين/ ات من بينهم صحافيان من قناة الميادين المحلية، هما المراسلة فرح عمر والمصوّر ربيع المعماري- ومرافقهما المواطن حسين عقيل في غارة على قرية طير حرفا في صور. وعليه، ينبغي إجراء تحقيق مستقل ونزيه في هذه الأحداث. أي أن المطلوب هو تحقيق العدالة ومحاسبة قتلة الصحافيين والمدنيين على حد سواء".

إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

ذرّ الرماد في عيون الحقيقة

ليس نبأً جديداً أنّ معظم الأخبار التي تصلنا من كلّ حدبٍ وصوبٍ في عالمنا العربي، تشوبها نفحةٌ مُسيّسة، هدفها أن تعمينا عن الحقيقة المُجرّدة من المصالح. وهذا لأنّ مختلف وكالات الأنباء في منطقتنا، هي الذراع الأقوى في تضليلنا نحن الشعوب المنكوبة، ومصادرة إرادتنا وقرارنا في التغيير.

Website by WhiteBeard