شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

اشترك/ ي وشارك/ ي!
ذات يوم لبستْ إحداهنّ فستاناً بسيطاً… عن دخول الموضة إلى إيران

ذات يوم لبستْ إحداهنّ فستاناً بسيطاً… عن دخول الموضة إلى إيران

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

بدأ كل شيء عندما نظمت الزوجة الأولى للملك الإيراني، فتح علي شاه القاجاري، حفلاً دعت إليه إليزابيث ماكنيل، زوجة جون ماكنيل، المبعوث البريطاني إلى إيران. كان هدف الحفل الذي أقيم عام 1827، بدءَ فصل جديد في العلاقات بين إيران وأوروبا.

خلال هذا الحفل، ارتدت إليزابيث فستاناً من الساتان الأبيض، مزيناً بطيّات الدانتيل، ورداءً من الحرير الأحمر. كان فستانها يختلف تماماً عن فساتين سيدات البلاط القاجاري ومجوهراتهنّ، لكن هذا الفستان البسيط لفت انتباه السيدة الإيرانية الأولى آنذاك، وأصبح نقطة بداية لتغيير ملابس نساء البلاط الملكي في إيران.

وفي وقت لاحق من عام 1850، التقت السيدة شيل، بوالدة ناصر الدين شاه القاجاري واسمها "ملك جهان"، وقد كتبت وصفاً رائعاً لثياب نساء البلاط، كما كتبت في مذكرة لها عن انبهار القاجاريات بالملابس الأوروبية البسيطة لتلك السيدة.

أول مصمم/ة أزياء في إيران؟

لعب الملك القاجاري الرابع، ناصر الدين شاه وابنته تاج السلطنة، الدور الأكثر أهميةً في تغيير ملابس سيدات البلاط، إذ أثّر ناصر الدين شاه على شكل التنانير وحجمها، كما ارتدت تاج السلطنة فستاناً مصنوعاً من الحرير الوردي مع الساتان الأبيض والدانتيل على طريقة العرائس الأوروبيات في ليلة خطوبتها وحفل زفافها، وكانت أول من ترتدي مثل هذه الأزياء في حفل زفاف داخل إيران.

جاءت الموضة الحديثة ذات الطراز الأوروبي إلى إيران في نهاية فترة القاجاريين، وتحديداً في عهد ناصر الدين شاه، ومن ساهمت في نشر هذه الموضة، هي ابنته تاج السلطنة المثقفة التي دعمت حرية المرأة الإيرانية

وفي أوائل القرن التاسع عشر، وللمرة الأولى، تعرّف الإيرانيون على الأزياء الأوروبية، وذلك حينما كان الملوك القاجاريون يسعون إلى توسيع العلاقات الدبلوماسية مع الغرب. فقبل العهد القاجاري، كانت المعرفة بالملابس الأوروبية بين النساء الإيرانيات محدودةً للغاية، وكان معظم الأوروبيين الذين زاروا إيران، من الدبلوماسيين والجنود والتجار والأطباء، وبطبيعة الحال كانوا يرتدون الثياب الأوروبية، ولكن عند الضرورة كانوا يخلعونها ويرتدون الملابس الإيرانية.

عُرفت أزياء النساء الأوروبيات من خلال الصور القديمة، التي التُقطت أو رُسمت على يد فنانين إيرانيين متخصصين في رسم الوجوه، بأنها مظهر للجمال والموضة في تلك الحقبة.

ناصر الدين شاه والموضة

وجاءت الموضة الحديثة ذات الطراز الأوروبي إلى إيران في نهاية فترة القاجاريين، وتحديداً في عهد ناصر الدين شاه، ومن ساهمت في نشر هذه الموضة، هي ابنته تاج السلطنة المثقفة التي دعمت حرية المرأة الإيرانية، ويمكن عد تاج السلطنة أول مصممة أزياء في إيران، إذ كتبت في مذكراتها عن الملابس التي كانت مظهراً للأوروبيين في الأسلوب والألوان الزاهية.

تطورت الملابس التقليدية تدريجياً منذ منتصف القرن التاسع عشر، وشملت التغييرات السراويل القصيرة والتنانير ذات الأحجام المختلفة التي يتم ارتداؤها فوق السراويل الضيقة أو الجوارب الخفيفة. كذلك انتشر الزي الأوروبي النسوي بين نساء البلاط تدريجياً، حيث بدأ يشيع منذ نهاية القرن التاسع عشر، وكان يُكيّف مع النمط التقليدي.

ناصر الدين شاه القاجاري

ونتيجة شغفه بالموضة، شجّع ناصر الدين شاه النساء على ارتداء الملابس الأوروبية. كما ذكرت ابنته تاج السلطنة في مذكراتها، أن والدها كان يأمرها منذ صغرها، بارتداء الملابس الأوروبية، ويفضّل أن تكون هذه الملابس ورديةً وبيضاء.

تاج السلطنة

هناك أيضاً صور فوتوغرافية لنساء البلاط وهن يرتدين فساتين رشيقةً بلا شرائط على الطراز الفرنسي في سبعينيات القرن التاسع عشر. وتنوعت أحجام التنانير في اللباس التقليدي حتى أصبحت قصيرةً وسميكةً جداً في ستينيات القرن التاسع عشر، ومن الممكن أن يكون ناصر الدين شاه قد أثّر في شكل هذه التنانير وحجمها، فخلال زيارته الأولى لأوروبا عام 1873، أشاد بتنانير راقصات الباليه في باريس، وعند عودته عرّف نساء البلاط عليها.

كانت النساء في البلاط القاجاري، أكثر عصريةً ورائدات في مجال الموضة كما كنّ الأكثر تأثراً بالملابس الأوروبية في ذلك الوقت، إذ كنّ بغالبيتهن على صلة مباشرة بالشاه، ولذلك يمكن القول إن ناصر الدين شاه ووالدته وابنته، يُعدّون أول مصممي أزياء في إيران.

ماذا عن زينت جهانشاه؟

الكثير من العاملين/ات في مجال الأزياء في إيران، يعدّون زينت جاهنشاه (فُرود)، أولَ مصممة أزياء إيرانية. هاجرت زينَت إلى ألمانيا عام 1931 مع والدها العقيد حبيب الله فرود، الذي كان رئيس قسم الطلاب في وزارة الدفاع في عهد حكم رضا شاه البهلوي.

في أثناء وجودها في ألمانيا، دَرَست في مدرسة "لتة فراين للبنات"، التي كانت مدرسةً دوليةً شهيرةً، وبعد مرور بعض الوقت، تزوجت من ضابط في الجيش الإيراني، وتوجهت إلى برن عاصمة سويسرا، وسكنت فيها لمدة عامين ونصف.

واصلت زينت اهتمامها بفن الخياطة بجدية أكثر من ذي قبل، وأمضت عاماً في تعلم كيفية قص القماش وتصميم الملابس على يد عارضة أزياء سويسرية، ولكن نوع عمل زوجها العسكري، دفعها للانتقال إلى مدينة باريس، التي كانت وما زالت أحد أهم المراكز الرئيسية في تصميم الأزياء وتصديرها إلى العالم أجمع.

زينت جهانشاه

اكتسبت خبرةً فريدةً من نوعها في الخياطة خلال وجودها في باريس، كما تعلمت التصميم والخياطة على يد مؤسس دار بالمان للأزياء المصمم الفرنسي بيير بالمان، الذي لم يكن معروفاً في تلك الأيام، وخلال شهر واحد فحسب تعلمت أسرار الخياطة الحديثة وكيفية إدارة البوتيك.

وفي عام 1952، عادت زينت إلى إيران مع زوجها، وبعد مرور عام أنشأت محل خياطة خاصاً بها في شارع أميرية وسط طهران، وقدمت برفقة 5 عاملات كل ما تعلّمته خلال رحلاتها وإقامتها في الغرب للسيدات الطهرانيات.

أزياء من تصميم زينت جهانشاه

ومن خلال إرسال بطاقات الدعوة والرسائل وبعض المكالمات الهاتفية مع النساء ذوات السمعة الطيبة من الطبقة المرفهة، تمكنت من دعوة نحو 15 امرأةً شهيرةً في المدينة، وذلك لحضور حفل افتتاح محلها للخياطة، ومعظم أولئك النساء كنّ قد زرن الدول الأوروبية، وكنّ على دراية بعروض الأزياء، وخلال هذا الحفل عرضت 90 قطعةً من الأزياء النسائية الصباحية والمسائية والليلية، وكانت زينت نفسها مسؤولةً عن الاستعراض، حيث كانت تعرّف الحاضرات بكل قطعة.

الكثير من العاملين/ات في مجال الأزياء في إيران، يعدّون زينت جاهنشاه (فرود)، أول مصممة أزياء إيرانية، إذ هاجرت إلى ألمانيا عام 1931 مع والدها العقيد حبيب الله فرود، الذي كان رئيس قسم الطلاب في وزارة الدفاع في عهد حكم رضا شاه البهلوي

واختارت أسماء كل تلك الفساتين من الفصول أو الزهور الإيرانية، وكانت مادة أقمشتها مثل جميع الأقمشة المستخدمة في أرقى مراكز التصميم والخياطة في العالم. الأزياء التي صممتها زينت كانت أكثر انسجاماً مع أزياء كريستيان ديور.

وكانت الملابس في الغالب باللونين الأسود والبني، وكان سعرها باهظاً في تلك الأيام، حيث كانت تباع كل قطعة مقابل مبلغ ما بين 50 إلى 100 تومان إيراني، واستمر هذا العرض لمدة ساعتين ونصف الساعة، أثنت خلالها جميع السيدات المتواجدات في العرض على سحر أزياء جهانشاه الشهيرة في تلك البرهة.

تم اختيار عارضات هذا الحفل من بين النساء والفتيات الحاضرات، وبما أن بيئة محل الخياطة والعرض كانت أنثويةً بالكامل، فلم يكن هناك أي اعتراض من أهالي العارضات، لكن تعليم كيفية المشي والوقوف وإظهار الملابس كان يمثل الكثير من المتاعب، إذ كانت تتراوح أعمار الفتيات بين 18 و25 عاماً، وخلافاً لتصور الجميع كان مظهر العارضات بسيطاً ومن دون مكياج، إذ لم يكن من الطبيعي حينها الذهاب إلى أي حفل أو زفاف، ووضع مكياج وفقاً لما هو الحال في ذلك الوقت. ومن المثير أن العارضات لم يتقاضين أي أجر مقابل عملهن، لا بل اشترين أيضاً بعض تلك الملابس.

واصلت زينت جهانشاه عملها حتى عام 1968، وخلال هذه الفترة قامت بتغيير موقع محل الخياطة الخاص بها مرات عدة، حتى تقاعدت أخيراً بعد إنجاب ابنتها زهراء. ولطالما عُرفت هذه السيدة بأنها البادئة بالمسار الذي تطور ببطء، وأسست الأرضية التي لم تكن موجودةً قبلها في إيران، وبهذا أنشئت العديد من محال الخياطة وانتشرت الموضة في إيران.


رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

WhatsApp Channel WhatsApp Channel

‎من يكتب تاريخنا؟

من يسيطر على ماضيه، هو الذي يقود الحاضر ويشكّل المستقبل. لبرهةٍ زمنيّة تمتد كتثاؤبٍ طويل، لم نكن نكتب تاريخنا بأيدينا، بل تمّت كتابته على يد من تغلّب علينا. تاريخٌ مُشوّه، حيك على قياس الحكّام والسّلطة.

وهنا يأتي دور رصيف22، لعكس الضرر الجسيم الذي أُلحق بثقافاتنا وذاكرتنا الجماعية، واسترجاع حقّنا المشروع في كتابة مستقبلنا ومستقبل منطقتنا العربية جمعاء.

Website by WhiteBeard