زوجة الملك المفضلة التي أعيدت من منتصف الرحلة الأوروبية بسبب "الفارق الثقافي"... أنيس الدولة

الخميس 15 سبتمبر 202205:59 م


كان "ناصر الدین شاه" (1831-1896) رابع الملوك القاجاریین من حیث الترتیب، وأكثرهم قدرةً، مسك بمقالید الحكم في إیران لما یقارب خمسة عقود متتالیة، وكان أوّل ملك في السلسلة القاجاریة (1796-1925) یزور أوروبا .

وعندما قرر السفر إلی أوروبا لأول مرة (1873) اختار "أنیس الدولة" من بين نساء الحريم الملكي لتكون الملكة المرافقة له في رحلته تلك، بالرغم من أنها كانت زوجته وفق عقدٍ مؤقت، وليس عقد الزواج الدائم.

عین السلطنة ابن شقيق ناصر الدين شاه، والذي لم یرُق له تقرب أنيس الدولة من الملك، يكتب في مذكراته: "إلی أي حدّ تتطور هذه القذرة الأمّامية؟ -نسبة إلى قرية أمّامه في شمال شرقي طهران-. إنها لا تملك جمالاً ولا جاذبية ولا علماً، ولا هي تستطیع الكتابة حتی. سوداء قذرة عجوز، سيئة اللكنة -كانت تتحدث الفارسیة بلكنة سكّان شمال إيران-. كل النساء يعرفن ما تقوم به، ووضعها معلوم. إنها الآن ملكة إيران. هي في الحقيقة إمبراطورتنا اليوم! علینا أن نكون فخورین بهذه الإمبراطورة! ملكتا النمساء والمجر لا يرتقيان إلى مقامها في الجمال والجاذبية. راتبها في العام الواحد يبلغ 30 ألف تومان. وتحصل علی أكثر من 100 ألف تومان غير ذلك. يا للحظّ!".

اعتماد السلطنة، الكاتب والدبلوماسي الذي سجل مذكراته في عدة مجلدات، يكتب عنها: "السیدة فاطمة أنیس الدولة من أمّامه، إحدی قری شمال طهران، كان أبوها نور محمد جورجي النسب، وكانت لدیه ابنة واحدة، وهي فاطمة، وولدان هما حبیب الله ومحمد حسن. بعد وفاة نور محمد، تزوجت أم أنیس الدولة من رجل من منطقة ناصر آباد، كان نسبه یعود إلی قریش، وأنجبا سید عبد الكریم الذي لُقّب في ما بعد بـحسام لَشْكر (حسام الجیش)".

أنيس الدولة وجيران، هما الوحيدتان اللتان انحدرتا من أسرتین بسیطتین، فأصبحتا زوجتي الملك المقربتين، خلافاً للزوجات الأخريات اللواتي كنّ أمیرات أو من أسرٍ ثریة

ترعرعت أنیس الدولة عند عمّتها إلى أن هاجر زوج عمّتها الذي كان یسمی فتح الله من قرية أمّامه إلی قرية دولاب. بعد ذلك، طلبت يدّها للملك، نَباتُ، التي كانت حاضنة الملك ناصر شاه، ولكن بعد أن دخلتْ أنيس الدولة الحريمَ اتخذتها "جیران" زوجة الشاه المفضلة، خادمةً لها، وتروي ابنة ناصر الدین شاه "تاج السلطنة"، قصة تقرب أنیس الدولة من أبیها: "كانت تنحدر من أسرة فلاحة من منطقة أمّامه، وفي إحدی رحلات أبي إلی تلك المنطقة، رآها في السّهل، فسألها عن بعض الأمور، وأجابت بلسانٍ عذب، ولهذا أحبها أبي وأتی بها إلی الحريم الملكي".

وكان للشاه ما یقارب 70 أو 80 زوجة، وكانت هناك فتیات جمیلات یتمّ تعلیمهن من أجل الانضمام إلی الحريم، وتقدیمهن للملك، وكانت تقوم بهذا العمل زوجات الملك بغیةَ التقرب منه. جیران، زوجة الملك المفضلة بعد أن رأت أنیس الدولة اختارتها خادمة وقامت بتعلیمها حتی أن لفتت نظر الملك فيما بعد وقام بعقدها في إحدی الرحلات الملكیة. بعد وفاة جیران، حظيت أنیس الدولة بعطف كبیر من قبل الملك، وجعلها زوجته المقربة والمفضلة ومنحها مدینة كاشان بشكل كامل، وازداد حبّ الملك لها یوماً بعد یوم حتی قیل إن "أنیس الدولة قد حصلت على السّحر الذي كانت تحمله جیران من قبلها.

وتضيف تاج السلطنة عنها: "بعد وفاة جیران، حصلت تلك الفتاة (أنیس الدولة) علی بیتها وأثاثها، وحلّت مقامها المرموق".

في إحدی الصور التي صورها الملك ناصر الدین شاه بكاميرته الملكیة تظهر أنیس الدولة واقفة إلی جانب كرسي، وترتدي قبعة مزینة بالریش، ناظرة نحو الكامیرا. ترتدي في الصورة زیاً أسود طويلاً له أزرار كبیرة، وترتدي قفازين أبیضين، واضعةً ساعد یدها الیمنی بنعومة علی ظهر الكرسي، وتمسك بیدها الیسری باقةَ وردٍ أو مزهریة. وهناك أزهار منثورة علی الأرض من حولها توحي بوجود احتفال قبل التقاط الصورة. حزامها الأبیض لونُه متناسق مع قبعتها المزینة بالریش الأبیض.

كانت تتمتع أنيس الدولة برزانة تجذب الآخرين، وهذا ربما كان سبباً في تأثیرها علی من حولها.

بعد ذلك الحديث غير المتفائل عنها في مذكرات تاج السلطنة، تواصل ابنة الملك حديثها ببعض الإنصاف عن زوجة أبيها، فتقول: "إنها كانت عاقلة وخلوقة إلی حدّ كبیر، وبالرغم من أنها لا تتمتع بوجهٍ جميل، إنما هي امرأة جميلة بسیرتها، وسيدة محترمة. الآن وأنا أكتب لكم هي تقریباً في الثلاثین من عمرها، متوسطة القامة، هادئة، وقورة، سمراء، وجهها بسيط بل يمكن القول إنه قبیح، لكنها مقتدرة جداً. كانت ترحب في بیتها بنساء السفراء الأجانب، وتستضیفهن في الأعیاد والمواعید الرسمیة".

علی أي حال، سواء كان تأثیرها یأتي بسبب سحر ورثته من جیران أو صنعته بجاذبیتها، إلا أنها استطاعت إنجاز ما عجزت عنه السابقات، بأن تفرض نفسها علی الملك، وترافقه كملكةٍ في رحلته الأولى نحو أوروبا، وأن تجلس علی متن السفينة لتسافر معه عن طریق القوقاز.

في هذه الرحلة كانت الأمور تسیر في صالح أنیس الدولة إلى أن بلغوا موسكو، وفجأة بعد تلقیها باقةَ وردٍ من أحد الحكام المحلیین، انقلبت الأمور رأساً علی عقب، وتسبب ذلك في قرار الملك ومستشاره الأعظم في إعادة أنیس الدولة إلی البلاد بسبب ما اعتبراه "الفارق الثقافي"

في هذه الرحلة كانت الأمور تسیر في صالح أنیس الدولة إلى أن بلغوا موسكو، وفجأة بعد تلقیها باقةَ وردٍ من أحد الحكام المحلیین (مراعاةً منه للأدب وتودیعاً لها)، انقلبت الأمور رأساً علی عقب، وتسبب ذلك في قرار الملك ومستشاره الأعظم في إعادة أنیس الدولة إلی البلاد بسبب ما اعتبراه "الفارق الثقافي".

لاعتماد السلطنة قول آخر في أسباب إعادة أنیس الدولة للبلاد فیقول في مذكراته: "كانت أنیس الدولة ملتزمة بارتداء الحجاب في أوروبا، ولأن ذلك كان یجعلها ملفتة للأنظار، فأصاب المستشار الحاج میرزا حسین خان سِبَهسالار في قراره بإعادتها من موسكو إلی طهران. علی أي حال لم تستطع الملكة تجاوزَ موسكو، وزیارة فرنسا ومركز أوروبا، ما جعلها حاقدة علی المستشار الأعظم مشیر الدولة، الذي كانت تراه سبباً في إعادتها إلی طهران. بعد عودتها بفترة قصیرة استطاعت أن تنتقم من المستشار بمساعدة عددٍ من العلماء، وأن تجبر الملك علی عزله من الحكم".

وبقیت أنیس الدولة زوجة للملك بعقد مؤقت، وكانت ترفض عقد الزواج الدائم رغم عرض الملك علیها ذلك مراراً لأنها كانت تعتقد أن عقدها كان عقداً مباركاً، ولم تشأ أن تتخلی عن یُمنه وبركته.

كتب طبیب الملك الفرنسي "فبرایر" عنها: "أنیس الدولة التي كانت في العقد الخامس من عمرها كانت سمینة، ذات وجه مكتنز كبیر، ولكنه متناسق. هي بهذا الجمال كانت تعدّ عند الإیرانیین مصداقاً بارزاً للجمال. یقولون إنها سیدة ذكیة، ومحبة للخیر، ولم یشكك أحد في عطفها وعذوبة حدیثها. كانت دائمة الابتسامة، وتتمتع بصحة جیدة، ولم تحزن إلا عندما تتذكر أنها أصبحتْ بهذا العمر ولم تنجب أطفالاً، وكان موضوع الإنجاب معاناة الملك أصلاً".

أنيس الدولة وجيران، هما الوحيدتان اللتان انحدرتا من أسرتین بسیطتین، فأصبحتا زوجتي الملك المقربتين، خلافاً للزوجات الأخريات اللواتي كنّ أمیرات أو من أسرٍ ثریة. 

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard