شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

اشترك/ ي وشارك/ ي!
مرٌّ على الأعشاش أن تبقى.. ولا يبقى الحمام

مرٌّ على الأعشاش أن تبقى.. ولا يبقى الحمام

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

مدونة نحن والطفولة

الجمعة 1 ديسمبر 202311:54 ص

يا الله... أنا لا أراك وإن سبحت في جوف الليل ناظراً بالسماء، ولا أفهم ماورائيات الحكمة وإن تدبرت أمر السفينة والغلام والجدار. كأي إنسان يشبع شهوته في اللحظة، ويتمادى على الكون إن لحّت الرغبة دون أن تقابلها الاستجابة، وإن ثار لا يتخطّى مقدور فعله التمرّد، وإن رأى قابيل يبسط يديه لقتل أخيه، ما لعب في المشهد سوى دور الغراب.

أنا لستُ ندّاً للقدر، ولا أختار موقعي في الحدث، كل ما في الأمر أنني استنكرت الشعور، لما أدركت أنني أبحث في الأرض لأري العالم كيف يواري سوأة أخي.

تلك مناجاة وشرود انتاباني بينما كنت أقف على نافذة شرفتي، لما انقطع الاتصال مع الفلسطينية حنين قيشاوي، بعد مرثيتها لأوضاع الخلق في غزة عبر رسالتها لي. لاشعورياً، وجدتني أرتدي المعطف متجهاً صوب الشارع قرب الفجر، عابس الوجه، متلعثم اللسان، ضائعاً بين الطرقات، كالذي يبحث عن مفقود، ولا العنوان يعرف، ولا الأوصاف يذكر.

ترجّلت إلى مسافات تخطت عتبة الحي، من زقاق لشارع لميدان خافت الإضاءة، يحذو ناصيته مقهى ضم نحو سبعة أشخاص، منهم من جلس يُقامر بالورق في مجموعة مكونة من خمسة أفراد، وآخر يصاحب الشيشة، ووحيد يحدق بالتلفاز يشاهد إعادة القمة العربية والإسلامية، وأسفل الشاشة كانت الأخبار العاجلة من غزة تتوالى باللون الأصفر، وهو ما دفعني للانضمام إليه، لعلَّ العاجل يبدّد الشك.

ظللت نحو أكثر من ساعة واقفاً، لا أنصت لبيانات القادة ولا أنظر لهيئتهم، ليس عدم احترام لهيبة القاعة والبذلات المرموقة والكلمة السياسة المنمّقة "لا سمح الله"، كنت فحسب أبحث عن إنسان يحاصره الانفجار

وعلى هذا الحال ظللت نحو أكثر من ساعة واقفاً، لا أنصت لبيانات القادة ولا أنظر لهيئتهم، ليس عدم احترام لهيبة القاعة والبذلات المرموقة والكلمة السياسة المنمّقة "لا سمح الله"، كنت فحسب أبحث عن إنسان يحاصره الانفجار، وفي أي لحظة قد يلحق به ويحوله لرقم في خبر عاجل يجري أسفل عنوان القمة.

وما بين متابعة الأخبار العاجلة والأصوات المتداخلة من قرقرة الشيشة وورق المُقامِرين وأهازيجهم وبيانات القادة، والشيخ إمام من أثير الراديو يدندن "ياساير يا داير يا أبو المفهومية.. مفيش لك دليل غير عيون الكلام"، اهتز الهاتف لينبهني بوصول إشعار واتساب من الفلسطيني رامي شاهين، ابن الـ 19 ربيعاً، والقاطن بـ خانيونس، والذي استقبل حنين ونحو 30 نازحاً آخر من الشمال في منزل عائلته بعد تهجيرهم.

تركت قيشاوي لي رقم هاتفه للتواصل معه لشغفه في نشر مقالات قد كتبها، فكان أول من راسلته بعد انقطاع رسائلها للاطمئنان عن حالهم الذي وصفه لي بـ 100  كلمة فحسب.

"فجأة وبدون سابق إنذار، انقطع كل شيء عنا، حتى الإنترنت، الوسيلة الوحيدة التي كانت تُخبر العالم أننا أحياء. أمر فجّر بنا حالة من الهلع والخوف. كان الليل قد خيّم، لا نعرف ولا نرى ولا نسمع شيئاً، كالأموات نحتاج لقبر يأوينا. كل سيناريو سيء وبشع تخيلناه، حتى أثقل كاهلنا وأصيب بعضنا بحالات الإغماء. كلّ منا عالق في دوامته الخاصة. أُصبنا بالحيرة، كيف نطمئن على أحبابنا، إذا انقصف بيتنا شو هيصير فينا، هل الإسعاف هتعرف وتيجي تنقذنا؟ أصوات القصف تزداد وقنابل الإنارة تُضيء لهم مكان جريمتهم وارتكابهم للمجازر، فعلوا ما يحلو لهم، كان أقسى طموحاتنا أن نعبّر بالرضى أو الرفض لمن حولنا فقط".

"شو اسمك؟ - أحمد ثرية عندي 3 سنين. من أي مكان بغزة أنت جيت؟ - من الشاطئ. وإيش هي الحاجات اللي أخذتها من الدار لما طلعتم؟ - فرشات ومخدات وحرامات، وكل أشي. وإيش خدت من ألعابك؟ - مخدتش ألعاب، عندي لعبتين ما جابتهم

توقف شاهين عن الكتابة، وظهر لي أعلى الشاشة أنه يقوم بتسجيل صوتي، والذي ما إن أرسله، حتى قمت بسماعه بين رواد المقهى غير المنتبهين.

"أخوي أحمد.. معاناتنا خاصة الأطفال صادمة ومؤسفة، أحوالهم صعبة ومظلومين، أقصى طموحاتهم يعيشون بسلام، لما بتيجي الغارة نحشو القطن الطبي في آذانهم لعدم سماعهم صوت القصف، هلا بيلعبون أمام ساحة بيتنا، بدكش تسمع للعالم أحلامهم؟".

لم يغلق شاهين التسجيل، وأرتدى الشاب الذي يدرس إدارة الأعمال والتجارة الإلكترونية ثوب المراسلين الحربيين، ونزل إلى ساحة اللعب، حيث سمعت في خلفية المشهد غير الخيالي، أصوات محركات طائرات تأتي من بعيد. أما القريب كانت نداءات الأطفال لبعضهم وهم يركضون ويركلون الكرة بأقدامهم. بينما كانت أذناي تصغي لهمساتهم، وعيناي تراقب تحليق الطيور في السماء بعد أن غادرت أعشاشها، أخذ يتردّد في ذهني وصف السعودي علي عكور، للحظة بشطره الشعري: "مرٌّ على الأعشاش أن تبقى... ولا يبقى الحمام".

"شو اسمك؟ - أحمد ثرية عندي 3 سنين. من أي مكان بغزة أنت جيت؟ - من الشاطئ. وإيش هي الحاجات اللي أخذتها من الدار لما طلعتم؟ - فرشات ومخدات وحرامات، وكل أشي. وإيش خدت من ألعابك؟ - مخدتش ألعاب، عندي لعبتين ما جابتهم. وبتحس بإيش لما بتسمع صوت القصف؟ - برتعش وبروح عالأرض. ولما بتكبر إيش تريد تصير؟ - مهندس.

وأنت شو اسمك؟ - يامن سعادة. شاطر، وكم عمرك؟ - 10 سنين، جاي من بيت حانون، وماخدت حاجة من بيتنا بعد القصف غير الفرشات والحرامات والأوعية. إيش الشعور اللي بتحسه لما بتسمع صوت القصف؟ -بخاف وبروح عند بابا وماما. وإيش بتلعب لما بتكون فاضي أنت وأخواتك؟ - كرة القدم ولعبة إدريس. وأحلامك؟ - أكون محامي.

وأنت؟ أنا يزن، أخوه، عمري 12 عام، نفس الشيء ما أخدت ألعابي من بيتنا بسبب القصف، أخدت الأشياء الخصوصية اللي بتلزمني، فرشات عشان أنام عليها وأواعي شتوية عشان يدفوني، وبحب في أوقات فراغي ألعب الكرة ولعبة الـ بلو ويل (البيانير) ولعبة الحجارة والغماية والشاردة. أنا بحلم أحلام كتير، أكون ضابط، وأن أحنا نكون منتصرين عاليهود وراجعين ع بيتنا سالمين ورافعين الراس.

وإيش هي أكلتك المفضلة يا يزن؟ بحب الفواكه والخضروات والبطاطا والبطيخ والموز والبندورة والخيارة. وإيش الحياة هالجيتا ولما كنت عايش في بيتكم؟ - الحياة هالجيتا صعبة وبيكون في برد ومفيش سجادة ولا حاجة تدفينا، ولا ساترة علينا مثلاً باب والشبابيك مكسرات وبتخلي البرد علينا.

كيف حالك يا حبيبي؟ - الحمدلله والله مبسوط. شو اسمك؟ - عمر حفظ الله، 11 سنة، جيت من حي الرمال. وطالع عالصف السادس بقليش شهر، لما نزحت من بيتنا مخدتش غير الكرة عشان بحب ألعبها كتير مع ولاد جيراني. وين بتروح لما بيجي القصف؟ - بحس بالرعب وبروح عند ماما وبابا بقعد في حضنهم عشان في أي لحظة ممكن نستشهد. وما هي أحلامك قبل الحرب؟ كنت أحلم أن ما تيجي الحرب هذه، ومتضيعش علينا نقرأ في المدرسة ومرات نلعب مع الأساتذة، بس خلاص اتحطمت أحلامنا. وإيش أكلة نفسك تاكلها هالجيت؟ - المجدرة، اللي بنحط فيها بصل ورز وعدس.

وما الفرق بين الحياة قبل وهالحين؟ - وإحنا في دارنا كنت ألعب مع أولاد جيراني وأروح عالمدرسة وأحب أستاذتي كانوا يلاعبوني مرات. الحياة هالجيت خوف ورعب وأنه بحضن بابا وماما وبكون خايف أكون شهيد عشان هيك. إن شاء الله بنرجع ع بيتنا وممكن منرجعش، نبني بيت تاني.

"شو اسمك؟ - عمر حفظ الله، 11 سنة، جيت من حي الرمال. وطالع عالصف السادس بقليش شهر، لما نزحت من بيتنا مخدتش غير الكرة عشان بحب ألعبها كتير مع ولاد جيراني. وين بتروح لما بيجي القصف؟ - بحس بالرعب وبروح عند ماما وبابا بقعد في حضنهم عشان في أي لحظة ممكن نستشهد

سلامات يا حلو كيف حالك؟ - الحمدلله كويس بخير. شو اسمك؟ - كريم فهيم، عندي 10 سنين و 11 شهر. جاي من الشيخ رضوان، أبو أسكندر. مع أمي حنين قيشاوي. وأنا سايب بيتي أخدت أشيائي اللي أنا بحبها وهيك وكتبي نسيتا بالدار اللي إنقصفت من الحرب، ما كنش في كتير أكياس فاضطريت مخدش كتير أشياء إلي. وجبت شنطة وحطيت فيها أوعية ولبسي وبس الوضع هيك مش كويس كتير.

لما بسمع قصف بحس هيك بخوف شوية، بس يعني يعتبر شعور عادي أتعودت. وقت الفراغ بحب ألعب ألعاب سيارات وقتال على جوالي أو كرة. كنت نفسي أصير مهندس أو دكتور، بس مع هالحروب أحلامي بطلت مش قادر أعملها. غزة قبل الحرب كانت طبيعية ومفيش قصف. لكن حارتنا انقصفت وحالة أهل غزة كلها انقصفت وراحت وعلشان هيك إسرائيل دمرتنا. 11 ألف شهيد وأعلى، حالة صعبة. وإذا بدوهم يجوا بيجوا مشي. وإيش أكلة نفسك تأكلها؟ - مثلاً فاصوليا مع رز أبيض أو ملوخية. وهل بتفكر في يوم ترجع على داركم؟ - تفكيري مش كتير هيك أن نرجع، لأنه قالت إسرائيل مفيش رجوع لغزة، يمكن احتمال كبير منرجعش، أو يعني احتمال صغير نرجع.

انتهى التسجيل، ولملم القادة بياناتهم وأعلنوا ما في وسعهم من إدانة وشجب ورفض، ونفد دخان الشيشة، وتصالح المُقامِرون بالورق، وتنفّس الصبح فأغلق المقهى دكانه، وكعادة المصريين، ترك صاحبها أثير الراديو ليؤنس وحدة المكان والمارين أمثالي، الذين لم يزحزحهم من السكون سوى تعنيف محمد مُنير من وراء الأبواب الموصدة: "روح يا جمر الليل ونام، ده السكوت زي الكلام... في المدينة هنا".


رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

WhatsApp Channel WhatsApp Channel


* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

نفكر بالأطفال من أجل اليوم والغد

"هيك متعودين. هيك كانوا يعاملونا أهلنا"، وغيرها من الإجابات الجاهزة، تؤدي إلى تفادي التغيير.

المستقبل المشرق، هو أن يعيشوا في أيامنا هذه حياةً سليمةً.

كيف؟

عبر تسليط الضوء على قصصهم، وما يؤثر في حيواتهم، والمطالبة بحقوقهم وحسن تربيتهم.

من خلال التقارير والمقالات والحوارات، يمكن للإعلام أن يدفع نحو تغييرات في السياسات التربوية، وأن يعزز الحوار الاجتماعي حول قضايا الأطفال.

معاً نطرح القضايا الحساسة المتعلقة بسلامتهم النفسية والجسدية والبيئية والمجتمعية.

حين نرفع أطفالنا على أكتافنا، نرى الغد بعيونهم كما لو يكون الآن.

Website by WhiteBeard