شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

اشترك/ ي وشارك/ ي!
أطفال التوحد في غزة... بين جحيم القصف ومعاناة مراكز الإيواء

أطفال التوحد في غزة... بين جحيم القصف ومعاناة مراكز الإيواء

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

حياة نحن والطفولة

الأربعاء 29 نوفمبر 202310:47 ص

على مدار ثلاثة أعوام من تشخيص إصابة ابنها معاذ، باضطراب طيف التوحد، بذلت ميسون جهوداً مضنيةً وأنفقت الكثير من المال على علاجه وتأهيله، إلاّ أن اندلاع الحرب على غزة جعل تلك الجهود تذهب أدراج الرياح، وأعاد طفلها ذا الأعوام الخمسة إلى مربع الصفر.

"طوال الوقت صراخ وبكاء ويسكّر أذنيه ويدور حول نفسه، كتير مفزوع من أصوات القصف وضرب الرصاص، ومن يوم ما تركنا الدار ونزحنا لمركز الإيواء في الجنوب، وهو تايه مو معنا، بيخاف من كل شي، وإذا غفلت عنه ثانية ممكن يشرد ويضيع لا قدّر الله"؛ هذا ما تحكيه ميسون التي نزحت مع أسرتها من شمال غزة إلى أحد مراكز الإيواء في الجنوب بسبب عمليات الإبادة والقصف المتواصل التي تشنّها طائرات الاحتلال الإسرائيلي.

تتابع ميسون لرصيف22: "روتينه كله تغيّر، ترك مركز التأهيل اللي فيه معلمينه ورفقاته، وانقصفت دارنا، وصارلنا شهر بمدرسة إيواء مع النازحين، ما في خصوصية واتخربطت كل حياته، هو كتير خايف، شوي يرفرف وشوي يصرخ أو يبكي والأصوات المزعجة طول الوقت يصدرها وقطع الكلام نهائي ما عاد يحكي ولا يتواصل، ما بيطّلع بعيوننا"، كاشفةً أنه مُصاب بكهرباء زائدة في المخ، وبسبب الحرب لم تعد قادرةً على إحضار أدويته، مما أدى إلى عودة التشنجات لديه.

أدت الحرب إلى توقف أنشطة مراكز التأهيل والمدارس المخصصة لأطفال التوحد في قطاع غزة، ناهيك عن تعرّض بعضها للقصف والتدمير، بحسب ما أفادت به مصادر رصيف22 في غزة، وهو ما تسبب في تدهور حالة أطفال التوحد كونهم شديدي الحساسية للعوامل الخارجية، ولديهم روتين خاص بهم ويعيشون وأسرهم أوضاعاً استثنائيةً.

مع أطفال التوحد الوضع أصعب

تُعرف اضطرابات طيف التوحد، بأنها مجموعة من الاعتلالات المتنوعة المرتبطة بنمو الدماغ، وبحسب منظمة الصحة العالمية يعاني طفل من كل 100 طفل من التوحد.

ويُقدَّر عدد حالات التوحد في غزة بنحو ثلاثة آلاف إلى خمسة آلاف طفل توحدي، بحسب إحصائيات تقديرية غير رسمية، في ظل غياب وجود مؤسسات رسمية ترعى شؤونهم وتقدّم لهم خدمات التأهيل؛ حيث لا يوجد في القطاع سوى عدد محدود من مراكز التأهيل الخاصة التي تُقدّم خدمات مدفوعة الأجر، والقليل من الجمعيات الأهلية والخيرية.

"طوال الوقت صراخ وبكاء ويسكّر أذنيه ويدور حول نفسه، كتير مفزوع من أصوات القصف وضرب الرصاص، ومن يوم ما تركنا الدار ونزحنا لمركز الإيواء في الجنوب، وهو تايه مو معنا، بيخاف من كل شي، وإذا غفلت عنه ثانية ممكن يشرد ويضيع لا قدّر الله"

جودي ذات الأعوام الـ12، والتي شُخصت قبل سنوات عدة بالإصابة باضطراب طيف التوحد، لم تعد تذهب إلى مركز التأهيل بسبب الحرب، بينما نزحت هي مع عائلتها من شمال غزة إلى الجنوب، بعدما قطعت شوطاً جيداً من التدريب وأصبح بمقدورها أن تطلب الطعام والدخول إلى الحمام.

"الوضع صعب ومع أطفال التوحد أصعب وأصعب بس هما بيحسوا بالخوف من الأصوات اللي حواليهم وبيحطوا أيديهم على أذنهم لما يسمعوا صوت عالي ويصيروا يبكوا أو بيصيروا يصوتوا أو يركضوا أو يضحكوا حسب الخوف اللي بيشعروا فيه"؛ هذا ما تقوله رشا، والدة جودي التي لا تجيد التعامل مع ابنتها في ظل تلك الظروف، لكنها لا تفلت يدها خشية أن تهرب خوفاً من القصف فتضلّ الطريق.

مخاوف رشا قابلة للتحقق، كما حدث مع أب فلسطيني في مستشفى الشفاء، ظهر في بث حي على قناة الجزيرة مباشر قبل ثلاثة أسابيع، حاملاً صورة طفله ذي الأعوام الـ13 المصاب بالتوحد، على شاشة هاتفه المحمول، وهو يستغيث بالمشاهدين/ ات من أهالي غزة ليعيدوه إليه حال وجدوه، مُوضحاً أنه فزع من أصوات القصف وفرّ هارباً من البيت فجراً، وهو غير مدرك.

مراكز مُدمّرة

مراكز تأهيل أطفال التوحد في غزة على قلة عددها لم تسلم من القصف الإسرائيلي؛ حيث تعرّض بعضها للتدمير الكلّي، كما حدث مع مركز فلسطين للتربية الخاصة، والذي تواصل رصيف22 مع مالكه ومديره الإداري، محمود غانم.

"تم تدمير المركز بشكل كامل، بالإضافة إلى نزوح جميع الأخصائيات من مناطق الشمال إلى مناطق الجنوب، ولا نعلم من منهن أو من الأطفال لا يزال حياً أو استشهد لصعوبة التواصل بسبب سوء شبكة الجوال وعدم وجود الكهرباء... الأوضاع سيئة جداً، في هذه الأوقات العصيبة كان من واجبنا تقديم الدعم النفسي لأطفال التوحد، لكن لا نستطيع تقديم أي خدمات حالياً"، وفق ما يحكي غانم.

ويوضح محمود الذي نزح مضطراً إلى أحد مراكز الإيواء في خان يونس جنوب قطاع غزة، أن أطفال التوحد معاناتهم في ظل الحرب أضعاف معاناة سائر الأطفال، في ظل أصوات الانفجارات القوية، وبيئة النزوح الجديدة كونهم لا يتأقلمون بسهولة مع بيئات مختلفة؛ فحالة الطفل التوحدي تزداد سوءاً عند سماعه أصواتاً عاليةً في الظروف العادية، وفي ظروف الحرب حالته تكون سيئةً جدّاً وتحدث لديه انتكاسات وحالات صراخ هستيري.

"الوضع صعب ومع أطفال التوحد أصعب وأصعب بس هما بيحسوا بالخوف من الأصوات اللي حواليهم وبيحطوا أيديهم على أذنهم لما يسمعوا صوت عالي ويصيروا يبكوا أو بيصيروا يصوتوا أو يركضوا أو يضحكوا حسب الخوف اللي بيشعروا فيه"

قبل اندلاع الحرب، كان مركز فلسطين يقدم أنشطة التأهيل والرعاية للعديد من أطفال التوحد ويستقبل الحالات الإنسانية منهم، وقام بدمج طفلي توحد في المدارس هذه السنة، وكان يؤهل بعض الأطفال للدمج المدرسي خلال العام القادم؛ وذلك في الوقت الذي لا تعترف فيه وزارة الصحة الفلسطينية بأطفال التوحد كمرضى، بل تعدّهم مضطربين، ولا توفر لهم الخدمة العلاجية، أو التنمية الاجتماعية، وإن كانت وزارة الشؤون الاجتماعية قد بدأت بعمل سجل للأطفال المصابين بهذا الاضطراب، بحسب مدير المركز.

وبالإضافة إلى حالات التوحد الموجودة في مراكز الإيواء، فإن غانم يكشف أنه رأى بعينيه حالات لأطفال مصابين بالشلل دماغي، دون توفر أدنى إمكانيات تقيهم من البرد أو أي طعام صحي لهم، وقد فكّر في عمل مبادرات لمساعدة الأطفال وذويهم، ولكنه يحتاج إلى طاقم عمل وأدوات، مضيفاً أن أخصائيات مركزه يتوزعن بين مخيم جباليا والنصيرات ودير البلح ورفح وبقية فريق العمل لم يستطع التواصل معهم.

صعوبات التعايش في مراكز الإيواء

بعض أطفال التوحد قُتلوا خلال القصف الإسرائيلي على منازلهم/ نّ، ومن بينهم الشقيقان المصابان بالتوحد محمد وأحمد قرموط، اللذان استشهدا مع أفراد عائلتهم في قصف منزلهم في معسكر جباليا، وهو ما أكده الدكتور إسلام سعيد بركات، مدير برنامج ومدرسة الإرادة لتأهيل التوحد في غزة، الذي كان الطفلان الراحلان ضمن تلاميذه، قبل أن يتوقف عن العمل في ظل العدوان الإسرائيلي، بسبب تواصل القصف وانقطاع الكهرباء والمياه والإنترنت والتهجير من الشمال إلى الجنوب وعدم الاستعداد النفسي لدى المتخصصين/ ات لممارسة عملهم/ نّ.

ويوضح د. إسلام بركات، لرصيف22، أن ذوي أطفال التوحد يذوقون المرّ أضعافاً مضاعفةً بسبب السلوكيات السلبية لأطفالهم/ نّ الذين/ اللواتي قد يفتقدون/ ن خدمات التأهيل والعلاج والرعاية، في حين أن الطفل يخاف للغاية ولا يعي ما يدور حوله، وكل ما تعلّمه في السابق ضمن برامج التعليم مُسح من رأسه.

"الوضع في غزة مهول جداً، ما ترونه على الشاشة أقل بكثير من الواقع؛ فالجثث ملقاة في الشوارع بالمئات، ولا يتم تصوير ذلك لانقطاع الإنترنت، ويصاب الأطفال بصدمة كبيرة عند رؤيتهم تلك المشاهد، خاصةً أطفال الاحتياجات الخاصة"، بحسب ما يقول بركات، مضيفاً أن "الكثير من الأسر بلا مأوى أو ملابس في الشتاء، فينام الأفراد في الطرقات ويعانون الجوع والعطش، وحين يكون معهم طفل توحدي فإن المعاناة تتضاعف لكون السيطرة على طفل التوحد في الظروف العادية داخل البيت أمراً صعباً، فما بالك في ظروف كهذه؟".

ويتابع مدير البرنامج الذي يحاول التواصل مع أسر أطفال التوحد، وقام بزيارات بعض المدارس والمراكز التي تأوي نازحين/ ات، أنه تلقّى شكاوى بعض الأهالي: "الأم بتحكي لي أنا مش عارفة شو أعمل؟ ابني مش مستوعب شو عم بصير، وإذا بيشوف حاجة بده ياخدها... التصرفات العفوية السلبية لطفل التوحد في أماكن النزوح، الناس ما بيستوعبوها، وهم بالآلاف داخل المدرسة الواحدة، وإذا تحمّلوها اليوم ما بيتحملوها بعدين، لأنه كل أسرة عندها شهيد أو جريح أو بيت مهدوم... وللأسف ما في حلول، ونتمنى نقدر نساهم في التخفيف من أوجاع الأهالي".

في السياق نفسه، تقول وصال عكاشة، أخصائية تخاطب وتأهيل التوحد في غزة لرصيف22: "بغزة الناس مش لاقية الأكل والمية ومراكز الرعاية والتأهيل سكرت وما في أي خدمات بتوصلهم، الحروب بتزيد من الانتكاسات عند أطفال التوحد ويحصل تراجع في تطور الحالة، بس يصير حرب والمراكز بتوقف وبس يرجعو الأطفال تكون حالاتهم أسوء".

وبحسب وصال، فإن فئة أطفال التوحد كانت قبل الحرب مُهمشةً في غزة ولا توجد الكثير من مراكز التأهيل الخاصة بهم، وغالباً ما تكون أسعارها مرتفعةً، ولا يوجد وعي مجتمعي للتعامل معهم وتحيا أسرهم حياةً صعبةً، مؤكدةً أن الحرب تزيد من توتر طفل التوحد.

وتوضح الأخصائية أن طفل التوحد ليس لديه إدراك، ومع الحرب وأصوات الانفجارات تزداد عنده حالة الخوف والارتباك ويعاني من الصرع والهيجان والصراخ: "في هيك ظروف بتعيش الأسرة بدل الحرب حربين وبتحاول تتعامل مع الطفل، لكن في وجود حرب وقصف وأصوات صعب كتير تتعامل معه، ولك أن تتخيل الحالة النفسية اللي بتعيشها الأسرة".

الحالة مأساوية

في حديثها إلى رصيف22، تكشف هنادي خالد، رئيسة الجمعية الوطنية للتوحد، والمتحدثة السابقة باسم أهالي أطفال التوحد في فلسطين، أن تلك الفئة بالأساس مهمشة في فلسطين منذ البداية، ولا تعترف الحكومة في غزة بحقهم في التأهيل الوظيفي والعلاجي، وأن الحراك الذي قاموا به لتسليط الضوء على التوحد بدأ قبل 4 سنوات، وما زال الأهالي يتكبدون وحدهم التكاليف العالية: "في غزة لا ضل فيه مراكز ولا أي إشي يخص أطفال التوحد، الحالة جداً مأساوية... طفل التوحد عنده خصوصية في داره وارتباط بأهله وأشيائه، غير المشكلات الحسية عنده بالنسبة للأصوات... فجأةً بيلاقوا حالهم بالشوارع وأصوات القصف حولهم، هما ما بيدركوا إلاّ الأشياء العائلية اللي تعلموها، الأمور قاسية عليهم والأهل بيعانوا، عندهم الحرب حربين"، مشيرةً إلى أن تداعيات الحرب في غزة أثرت على أطفال التوحد في الضفة الغربية أيضاً بسبب الحصار والإغلاقات والاضرابات، التي تؤدي إلى تغيّب الكثيرين منهم، وإغلاق المراكز في بعض الأيام، وهو ما يؤدي إلى انتكاس الأطفال.

"طفل التوحد عنده خصوصية في داره وارتباط بأهله وأشيائه، غير المشكلات الحسية عنده بالنسبة للأصوات... فجأةً بيلاقوا حالهم بالشوارع وأصوات القصف حولهم، هما ما بيدركوا إلاّ الأشياء العائلية اللي تعلموها، الأمور قاسية عليهم والأهل بيعانوا، عندهم الحرب حربين"

وتضيف هنادي أن نائبتها في الجمعية المتواجدة في غزة، أمّ لطفل في السابعة من عمره كان لديه توحد خفيف وحالته تحت السيطرة بسبب برامج التأهيل، فاقمت الحرب من حالته، مما دفعها للقول إن "الحرب كلها كوم، وحالة محمد ابني كوم تاني، إحنا قاعدين في غرفة فيها 50 نفر، وهو صراخ طوال اليوم ويطلع من الشباك على السما، وصار عنده مشاكل نفسية كتير وتبول لا إرادي، ونادراً ما ينام أو يأكل... إذا الله نجانا من الحرب وكتبلنا عمر أنا راح أعاني مع ابني معاناة كبيرة، وأرجع أبلش من أول جديد".

سواء مُدّدت الهدنة القائمة في غزة بين إسرائيل وحماس، أو تجددت المعارك؛ فإن حرباً أخرى تنتظر الأطفال الذين يعانون من التوحد مثل: معاذ وجودي ومحمد، وأسرهم، بسبب تدمير مراكز التأهيل وتداعيات الدمار الذي لحق بالقطاع جراء العدوان الإسرائيلي، وغياب الدعم لفئتهم من الحكومة الفلسطينية، وسيكونون مضطرين إلى البدء من جديد بعدما عادوا إلى نقطة الصفر في مشوار التأهيل والعلاج.

إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

قد لا توافق على كل كلمة ننشرها…

لكن رصيف22، هو صوت الشعوب المضطهدة، وصوت الشجعان والمغامرين. لا نخاف من كشف الحقيقة، مهما كانت قبيحةً، أو قاسيةً، أو غير مريحة. ليست لدينا أي أجندات سياسية أو اقتصادية. نحن هنا لنكون صوتكم الحرّ.

قد لا توافق على كل كلمة ننشرها، ولكنك بضمّك صوتك إلينا، ستكون جزءاً من التغيير الذي ترغب في رؤيته في العالم.

في "ناس رصيف"، لن تستمتع بموقعنا من دون إعلانات فحسب، بل سيكون لصوتك ورأيك الأولوية في فعالياتنا، وفي ورش العمل التي ننظمها، وفي النقاشات مع فريق التحرير، وستتمكن من المساهمة في تشكيل رؤيتنا للتغيير ومهمتنا لتحدّي الوضع الحالي.

شاركنا رحلتنا من خلال انضمامك إلى "ناسنا"، لنواجه الرقابة والترهيب السياسي والديني والمجتمعي، ونخوض في القضايا التي لا يجرؤ أحد على الخوض فيها.

0:00 -0:00
Website by WhiteBeard