شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

ساهم/ ي في صياغة المستقبل!
يوميات من غزة (13)... رحلة صنع

يوميات من غزة (13)... رحلة صنع "حبة فلافل" من لا شيء

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

مدونة نحن والمشرّدون

الأحد 26 نوفمبر 202303:22 م

القيامة الصباحية في النزوح

جود، ابنة أخي، حزينة على شنطتها وكتاب التلوين ودفترها وقلمها وبرايتها وممحاتها، وبعض ملابسها التي ذهبت في قصف شقتهم، ضمن القصف الذي طال أبراج "تيكا" جنوب غزة.

لكن مهمّة العثور على بدائل للمفقودات السابقة تبدو أسهل بالنسبة لمهمة مستحيلة اسمها "رغيف خبز"، فقد أغلقت الكثير من المخابر أبوابها، إما لنفاد الوقود المشغّل لها، أو لنفاد الطحين، أو كلاهما، هذا بالإضافة إلى نفاد كل شيء يمكن أن يُؤكل من المحلات الكبيرة والصغيرة.

مهمة لا تقل صعوبة عن العثور على الخبز هي العثور على حبة فلافل ساخنة في قطاع مدمر، فالفلافل جزء أساسي من وجبة الإفطار التي غابت منذ شهر، والناس لم تعد تجد ما يمكن أن يؤكل، وزادت ندرة الطعام مع الأعداد الهائلة التي جاءت تحتمي من نيران غزة المدينة وشمالها وشرق المدن، في ما افتُرض أنه مأوى.

الصباح هنا قيامة للبحث عن رغيف الخبز، وقيامة للبحث عن شربة ماء. اقترحت على أخي أن حبات الفلافل يمكن أن توفّر غموساً للناس، ويمكن أن تؤكل وحدها، لا سيما إذا كانت هناك عائلات لم تتمكن من الحصول على الخبز. 

العثور على مكونات الفلافل 

بدأ بالتشكيك في القدرة على توفير ما يمكن أن يحقّق الفكرة: الحمّص وطحنه مسألة ليست سهلة، توفير الخضار التي يمكن أن تضاف، وكلفة "بهارات" الفلافل، وزيت القلي، ثم بديل الغاز للنار. 

كيف يمكن العثور على مكونات الفلافل في غزة؟ الحمص، الماء النظيف، البهارات، الزيت، والغاز؟ بصعوبة بالغة لكنها ليست مهمة مستحيلة

لندخل في التجربة، كان اقتراحي توفير كيس حمّص ونقعه، ثم في الصباح سييسّر الله الأمر. بالفعل، دبّر أخي الحمّص، وتمكنا من توفير المواعين لنقعه. بدا الأمر سهلاً.

دبّرنا ماكنة طحن يدوية. مرّ الليل. مع الفجر صحونا على أمل أن نتمكّن من تذوّق الفلافل اليوم. جربنا الطحن على الماكنة. إنها تعمل، لكنها تعمل ببطء، واحتمال أن ننتهي من الكمية بعد يوم القيامة. 

إقناع أمي بإعارتنا جرة الغاز 

لدينا ماكنة طحن كهربائية، لكنها تحتاج إلى مولد كهربائي خمس كليوات، إنما يمكن للمولد أن يعمل على الغاز. كان تدبير أمر المولد سهلاً، أما الأمر الثاني وهو الغاز، فسنحتاج لأن نقنع أمي أن نستخدم الغاز الخاص بفرن الخبز عندها. هذا الأمر ليس سهلاً.

لكن المدخل لإقناع أمي ليس صعباً، وكان واضحاً لنا على مرأى شبابيك البيت، فالناس لا تجد ما تأكله، والفلافل ستكون مساهمة لوجه الله تعالى، والمولّد لن يستهلك الكثير من الغاز... وأخيراً اقتنعت. 

أقنعنا أمي بإعارتنا جرة الغاز التي تستخدمها للخبز لتشغيل ماكينة الطحن بإخبارها أن الناس لا تجد ما تأكله، وبالفعل وافقت

بدأنا في طحن الحمّص بعد أن عمل المولد، وعلى نفس واحد، أنهينا طحن الكمية التي نقعناها خلال الليل. كان الشك أن الكمية كبيرة جداً على تجربة، لكنها ستنتهي ولو كانت عشرة أضعافها.

"جهّزوا النار ووعاء للزيت واتركوا الزيت يحمى ريثما نجهّز وجبة بالكلفة"، ومن ثم ظهر سؤال: من سيعمل على قالب الفلافل ورمي الحبات في الزيت؟ وأيضاً كان الجواب جاهزاً: "أبو يزن طبعاً"، أجابوا جميعاً. وأبو يزن هو خريج "أبو مازن"، أفضل مطعم في حي الأمل.

بحثوا عنه... أنا أخرج الفلافل من الزيت، وأخي يعبّئ الفلافل للناس. الأوراق جاهزة للتعبئة. الزيت قد حمى. فجأة اكتشفنا أن المكان ازدحم بالناس، وأن الأمر ليس سهلاً كما توقعنا، ولكن الله ييسّر.  

أكلنا وأكل الناس ونمنا وناموا 

كنا نحتاج لمزيد من الحطب أوراق الكرتون، فساهم الناس في إيقاد النار. أول وجبة من الزيت إلى المصفاة. طلبت قرص فلافل. "بدي أذوق"... يا إلهي ما ألذه، ومن هنا تجمّع الناس بالعشرات حول البسطة التي اتخذت جزيرة منتصف الشارع مكاناً لها، مقابل بوابة الهلال الأحمر الفلسطيني مباشرة.

القلي يأخذ وقتاً، والناس تزداد، ولكن الأمر يتحرّك إلى الأمام، ولا بد من صراخ هنا وصراخ هناك على الدور، والصراخ أمر صحي في وضع بائس، فيه الناس مضغوطة ولا تعرف ماذا ستفعل. 

 ظهر سؤال: من سيعمل على قالب الفلافل ورمي الحبات في الزيت من بين النازحين؟ وكان الجواب جاهزاً: "أبو يزن طبعاً"، قالوا جميعاً. وأبو يزن هو خريج  مطعم"أبو مازن" أفضل محل فلافل في حي الأمل.

بدأنا العمل في السابعة صباحاً، وظل العمل متواصلاً بلا أي راحة أو انقطاع حتى الخامسة عند غروب الشمس وانتهاء الكمية المطحونة تماماً، عشر ساعات بلا توقف.

بحلول الليل نمنا بلا هزّ، ولم ندر ما الذي يجري في كوكب الأرض، ولكنه شعور بالرضى لا يمكن وصفه. كأننا كنا جزءاً من فيلم، والفيلم عن أسراب من الناس تصل من غزة والشمال بعد رحلة رعب على الطريق وما رأوه، في ليلة كانت الأكثر عصفاً بالنيران من كل الاتجاهات.

إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.



* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

منبر الشجعان والشجاعات

تكثُر التابوهات التي حُيِّدت جانباً في عالمنا العربي، ومُنعنا طويلاً من تناولها. هذا الواقع هو الذي جعل أصوات كثرٍ منّا، تتهاوى على حافّة اليأس.

هنا تأتي مهمّة رصيف22، التّي نحملها في قلوبنا ونأخذها على عاتقنا، وهي التشكيك في المفاهيم المتهالكة، وإبراز التناقضات التي تكمن في صلبها، ومشاركة تجارب الشجعان والشجاعات، وتخبّطاتهم/ نّ، ورحلة سعيهم/ نّ إلى تغيير النمط السائد والفاسد أحياناً.

علّنا نجعل الملايين يرون عوالمهم/ نّ ونضالاتهم/ نّ وحيواتهم/ نّ، تنبض في صميم أعمالنا، ويشعرون بأنّنا منبرٌ لصوتهم/ نّ المسموع، برغم أنف الذين يحاولون قمعه.

Website by WhiteBeard