شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

ادعم/ ي الصحافة الحرّة!

"مش قادرة أمشي يمّا"... كم قست الحرب على جدّاتنا الطيبات؟

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

ملاحظة المحررة:

توفيت الحاجة هويدا التي شاركت قصتها في هذا التقرير، أمس، 24 تشرين الثاني/ نوفمبر، نتيجة تفاقم حالتها الصحية وتعذّر دخولها إلى المستشفى لإجراء العملية اللازمة.


في كل مرة تضطر للنزوح من بيتها بعد قصف قريب، تذهب الجدة سرية (85 عاماً) لتفقد دولابها، وتتأكد من توزيع قطع صابون الغار التركية بين أثوابها وطرحاتها البيضاء، وتغلقها بإحكام ثم تطمئن على غرفتها وساعة منبهها وتجمع بعض أدويتها وملابسها وبعض أقراص النعنع الذي تحبه ويحافظ على ضغطها.

تمضي الجدة وقتها، في سماع الراديو والتسبيح، والسؤال عن اقتراب القصف. أما شهيتها فقد سدها الخوف منذ الأيام الأولى للعدوان الإسرائيلي على قطاع غزّة حتى أمست تتألم من وجع معدتها، ربما هذه حجتها لتوفير الطعام الشحيح للباقيين، وربما سد الخوف مكان جوعها، فهي امرأة عزيزة النفس كما يصفها أحفادها، قضت عمرها يتيمة و(ترملت) مبكراً. ولقمتها كانت دائماً لأولادها، واليوم لأحفادها.

"تأمل جدتي أن تعود لأشيائها وموطنها الصغير، ونخاف كلنا بأن لا نعود، ولا تبقى الديار" تقول الحفيدة سميرة الحتو عن جدتها سرية.

تركت أدويتي ورائي

تكمل سميرة: "جدتي التي عاشت النكبة الأولى صغيرة تُحمل على الأكتاف، اضطرت للتنقل لأكثر من 6 بيوت من شمال قطاع غزة إلى جنوبه مشياً، تجلس تارة وتبكي تارة أخرى لعدم قدرتها على السير مزيداً (مش قادرة أمشي)، ونحثها نحن للاستمرار خوفاً من الاستهداف العشوائي. أكثر سؤال تطرحه بعد كل صمت هو (مطولة؟) ولا ندري إن كانت تقصد الحرب أم الحياة أم حالة الخوف أم غربة المكان والوجوه، فليس سهلاً على جدتي تغيير مكانها، جدتي التي تحب غرفتها وأشياءها وأحفادها، وصور الأحباب الغائبين عنها".

تقول سميرة إن جدّتها تتساءل باستمرار "مطولة؟" ولا تدري إن كانت تقصد الحرب أم الخوف أم غربة المكان والوجوه، أم الحياة نفسها. 

أما الحاجة خديجة مراد البالغة من العمر (79 عاماً) فكانت تقيم في منطقة أبراج الكرامة قبل أن تحولت المدينة لرمادٍ، ثم اضطرت اللجوء بعدها إلى أحد مراكز الإيواء للنازحين، في غرب غزة، وهو عبارة عن صفوف مدرسية وحمامان، يضم الآلاف.

تقول الحاجة خديجة لرصيف22 إنها فقدت الأجهزة المساعِدة والأدوية اللازمة عندما دمّرت الغارات الإسرائيلية منزلها. وخلال مكوثها داخل مركز الإيواء تضطر لوقوف  قد يستمر ساعات في طابور لدخول الحمام، مع افتقار المكان لأدوات النظافة.

وبسبب ذلك، تعرضت المرأة المسنة لنزلة معوية شديدة، تسببت بتفاقم وضعها الصحي ونزول وزنها بشكل سريع، وتشققات كثيرة في جلدها وأطرافها نتيجة الجفاف، كل ذلك حال دون قدرتها على النزوح مع أفراد عائلتها نحو مناطق الجنوب، لتبقى مع زوجها المسن واثنين مع أحفادها.

وزيادة في العناء تعاني من عدم توفر العلاج الخاص بها من أبر الانسولين والمحاليل وغيرها، ولأنها كثيرًا ما تدخل بحالة بكاء أثّر ذلك على عينها اليسرى وتسببت "بغباش" في الرؤية وفق وصفها.

الحاجة هويدا... رحمها الله

في صورة أكثر وجعاً، وبأنين متواصل خلال الليل لا ينقطع مع القصف الشديد وسقوط القذائف، لازم الحاجة هويدا شرّب ألم شديد لم ينقطع بسبب الكسر الذي تعرضت له في منطقة زر الفخذ أثناء محاولاتها الهروب من تناثر الشظايا بعد قصف لمنزل مجاورلمنزلها. 

توقفت الحاجة سرية عن الأكل منذ الأيام الأولى للحرب حتى أمست تتألم من وجع معدتها، ربما هذه حجتها لتوفير الطعام الشحيح للباقيين من أولاد وأحفاد، وربما حلّ الخوف مكان الجوع 

المسنة الثمانينية لم تتمكن من إجراء العملية الضرورية لأكثر من 10 أيام بعد الكسر، رغم محاولات عائلتها التواصل مع كل الجهات الطبية والإغاثية، لكن دون جدوى، نظراً لعدم وجود سرير شاغر في مستشفيات غزة، المكدسة بالمصابين والشهداء.

ضاعف من معاناتها عدم توافر الحفاضات اللازمة، لأجل ذلك امتنعت عن الأكل وشرب السوائل كيلا تُحرج نفسها أمام عائلتها، واكتفت بالتمر فقط، وبعض المسكنات لتخفيف آلامها خاصة خلال الليل، كما أنها لم تتمكن من الحصول على كرسي طبي متحرك يساعدها على التنقل.

كانت تشتاق للنوم المريح وللمشي في حاكورة بيتها، وتشتاق لقص النعناع، والجلوس مع جاراتها المسنات وتبادل أطراف الحديث على باب البيت، لكن خبر وفاتها بين كتابة هذا التقرير ونشره.

قسوة الترحال على المسنات

يعد التفكير بالرعاية الصحية أو النفسية للمسنات في مراكز الإيواء، أماكن وجودهن، ضرباً من الرفاهية إذ ينحصر العمل بتوفير الغذاء والماء، في هذه الحرب، وحتى توفير ذلك قد يغطي منطقة دون الوصول لعشرات المناطق. 

يشكل التنقل والإجلاء وسياسة الترحيل فعلاً فاسياً جداً على كبار السن، الأمر الذي قد يدفع الكثير من النساء المعمرات لاختيار البقاء في منازلهن في أوقات الحرب القاسية. كي لا يكنّ عبئاً على أسرهم، أو لحماية المنازل، أو ببساطة بسبب اضطرارهن للترحال مرات عديدة من قبل.

المسنون يحتاجون الكرامة كما الأدوية

وصفت المسنات اللواتي تمكن من النزوح بأعجوبة العذاب الذي شعرت به لاضطرارهن إلى مغادرة منازلهن التي صممت لتتكيف مع احتياجاتهن، وعن مشاق الطريق المحموم بالقصف وقطع 5 كيلومترات مشياً.

كما تتملكهن مخاوف بشأن عدم حصولهن على الأدوية الأساسية، رغم مرور أكثر من شهر، وتأثير ذلك على صحتهن الجسدية والنفسية. وقد اضطررن ومئات الآلاف غيرهن إلى اللجوء إلى مراكز إيواء طارئة مكتظة، معظمها في المراكز الصحية والمدارس والخيم التي لا تقي برد الشتاء ولا أمطاره، عدا الشح في المياه والغذاء وسوء حال مرافق الصرف الصحي.

"لأن هذه الحرب غير مسبوقة في قسوتها، فتداعياتها مختلفة عن الحروب السابقة وما عشناه من ظروف،  بالتالي كانت أكثر قسوة، وآثارها ستكون مضاعفة وأكثر قهراً ووجعاً وظلماً للفئات الهشة من نساء وأطفال ومسنين" هكذا تقول هداية شمعون الصحافية والناشطة في مجال حقوق المرأة الفلسطينية لرصيف22. 

العديد من المسنات لديهن أمراض مزمنة، مثل الضغط والسكري وأمراض القلب والكلى وغيرها، فالوضع الصحي لكبيرات السن يستدعي عناية يومية.

وتوضح أن العديد من المسنات لديهن بالأساس أمراض مزمنة، مثل الضغط والسكري وأمراض القلب والكلى وغيرها، فالوضع الصحي لكبيرات السن يستدعي عناية يومية مستمرة، إذ تعاني الكثيرات منهن من مضاعفات صحية نتيجة عدم توفر الماء وهو أبسط المتطلبات الحياتية، وتفاقم الأمراض والالتهابات.

تتابع شمعون: "زاد العبء الصحي عليهن نقص المياه الذي تسبب بجفاف كبير للكبيرات السن، وتوافر المياه الملوثة فقط سيضاعف المأساة وانتشار الالتهابات في أجسامهن النحيلة والهشة أصلاً. كما أن مناعة غالبيتهن ضعيفة، هذا عدا ظهور أمراض مختلفة بينهن مما ينذر بكارثة صحية وبتزايد الوفيات، بالإضافة إلى إنعدام الرعاية الصحية وإمكانية الوصول الآمن للمراكز الصحية وتعقيد فكرة الخروج من أماكنهم لأماكن الرعاية المتوفرة والتي قد تبعد مسافات كبيرة".

وتشير شمعون إلى أن النظافة الشخصية مشكلة أخرى تواجه الجدات، فغالبيتهن لديهن حساسية كبيرة، وتحتاج بعضهن للتغير المستمر للملابس الداخلية وغيرها مع انعدام كل البدائل، بالتالي فالأوضاع كارثية ويجب ادماج متطلباتهن ضمن المساعدات المقدمة لغزة. كحفاظات كبار السن، والملابس والمرطبات الخاصة للجلد، لأن نقص الماء تسبب للكثيرات منهن تشقق بالجلد تقرحات شديدة.

موت الكبار من سوء التغذية

يعد الموت والإصابة وسوء التغذية والمرض والإعاقة من بين أكثر مخاطر الحرب تهديداً للفئات الهشة كالمسنين والأطفال، في حين أن اضطراب ما بعد الصدمة والاكتئاب، والقلق هي بعض من الآثار العاطفية.

يوجد 197 ألف مسن في قطاع غزة معظمهم من النساء، وفق الوكالة الفلسطينية الرسمية وفا، هذه الفئة عاشت واقعاً أليماً امتد منذ طفولتها وشبابها وحتى كهولتها، ولا توجد تقارير عن أوضاعهم الصحية والجسدية خاصة بعد انقطاع الاتصالات والإنترنت. ثمة مشاهد قليلة رصدت أوضاعهن من خلال صرخات بعضهن، والنحيب على فراق الأبناء والأحفاد والأزواج عبر شاشات التلفزيون.

عن الجانب النفسي والصحي، تقول الدكتورة هبة عزيز استشارية أول طب المسنين جامعة عين شمس: "استمرار الحرب واتساع نطاقها وبشاعتها، وحالة التشريد وعدم الاستقرار تزيد من مخاطر الحالة الصحية للمسنات الفلسطينيات. وتترك مشاعر الفقد والتشرد جرحاً غائراً في نفوسهن، ما يتسبب بمشكلات صحية عديدة، وإلى إيقاظ الرواسب النفسية من مشاعر الحسرة والأسى والحزن والإحباط الكامن منذ بداية النكبة". 

رحلت الحاجة هويدا بين كتابة هذا التقرير ونشره، بعد تفاقم وضعها الصحي بسبب كسر في الفخذ أصيبت به في الحرب، لم تتمكن عائلتها من إدخالها المستشفى أو الحصول على كرسي متحرك لتخفيف ألمها أو حركتها 

المشكلة الأخرى أن كبار السن عموماً لديهم صعوبة بالغة في التكيف، وهو ما يدفع معظمهم لعدم ترك منازلهم، فتسيطر عليهم مشاعر الاكتئاب الشديدة والأرق وفقد الشهية، إلى جانب الإصابة بحالات الخوف والهلع والفزع، تظهر في صورة كوابيس وصعوبات بالنوم وآلام جسدية فعلية.

وقالت منظمة "هيومن رايتس وتش" إن قرار السلطات الإسرائيلية إجلاء أكثر من مليون شخص بإخلاء شمال غزة، وسط القصف المتواصل الذي حوّل أحياء برمتها إلى ركام، لكن بالنسبة إلى الكثير من كبار السن، فإن الإخلاء مستحيل. علماً أن أولئك الذين يهربون يواجهون صعوبات خاصة، بما في ذلك صعوبة الحصول على الأدوية.

وأشارت المنظمة في تقرير لها، إلى أن العقاب الجماعي الذي تفرضه إسرائيل على سكان غزة، عبر قطع الغذاء، والمياه، والكهرباء، والوقود، والمنع المتعمد لدخول المساعدات الإنسانية، هو جريمة حرب تزيد من صعوبة الوضع المزري أصلاً، بالنسبة إلى كبار السن العالقين داخل القطاع. كذلك فإن الحصار غير القانوني الذي تفرضه إسرائيل على غزة، كجزء من الفصل العنصري والاضطهاد، وهما جريمتان ضد الإنسانية ترتكبهما إسرائيل بحق الفلسطينيين، يضرّ بكبار السن كثيراً.

إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

بالوصول إلى الذين لا يتفقون/ ن معنا، تكمن قوّتنا الفعليّة

مبدأ التحرر من الأفكار التقليدية، يرتكز على إشراك الجميع في عملية صنع التغيير. وما من طريقةٍ أفضل لنشر هذه القيم غير أن نُظهر للناس كيف بإمكان الاحترام والتسامح والحرية والانفتاح، تحسين حياتهم/ نّ.

من هنا ينبثق رصيف22، من منبع المهمّات الصعبة وعدم المساومة على قيمنا.

Website by WhiteBeard