شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

اشترك/ ي وشارك/ ي!
تلك البدلة، ذاك الموعد

تلك البدلة، ذاك الموعد

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

مجاز نحن والتنوّع

السبت 25 نوفمبر 202301:24 م




نظر إلى المرآة. الملابس جاهرة، أو بالأحرى البدلة جاهزة. الشعر مصفوف كما ينبغي. الابتسامة مستعدة لكل مجاملة، وربطة العنق مستعدة لشنق كل كلام غير مرغوب فيه.

دخل غرفة الانتظار. الكل انتظر. تسربلوا بنفس البدلة، بنفس تسريحة الشعر، وبنفس مشنقة ربطة العنق، لكن الابتسامات اختلفت.

فتح أزرار بدلته. جلس على كرسي الانتظار. وضع محفظته بجانب قدميه. حملق في الحضور بشكل بانورامي، استغرب لما رأته عينيه، فالكل يتمرّن على الابتسامة والمجاملة، قد تكون هي مفتاح العبور. هذا وفق ما اشترطته المؤسسة على كل من يريد اجتياز المقابلة، دون إغفال الشروط الشكلية الأخرى من قبيل البدلة، ربطة العنق وتسريحة الشعر.

الوقت يمضي كالسلحفاة. الكل مستعد لهذه اللحظة. الوجوه مصفرّة، مرتجفة. الأيدي مرتبكة. العيون مترقبة، والقلوب تدق وتدق، ليس من فرط الهيام والغرام، بل من شدّة هول أبي الهول. أما هو فلم يكن خائفاً، بل حافظ على رباطة جأشه، وتذكر كلمات ونصائح كان يحفظها عن ظهر قلب، وكأنها تعويذات ضد الفشل.

الوقت يمضي كالسلحفاة. الكل مستعد لهذه اللحظة. الوجوه مصفرّة، مرتجفة. الأيدي مرتبكة. العيون مترقبة، والقلوب تدق وتدق، ليس من فرط الهيام والغرام، بل من شدّة هول أبي الهول... مجاز

أخيراً، خرج المترشح ما قبل الأخير، لم تظهر عليه خيبة الإخفاق، وجهه كان مليئاً بعبارات الزهو والفرح، كان متعطشاً ليسأله سرّ هذا الحبور.

‑ "الأسئلة سهلة.. أليس كذلك؟"

‑ "الأسئلة سهلة.. سهلة. لا تستدعي كل هذا الخوف"، أجابه المرشح بطريقة تنم عن ثقة بطولية، وكأنه فعلا هزم وأسقط هيبة أبي الهول.

‑ "ماذا عن الابتسامة؟"

‑ "الابتسامة. البدلة. ربطة العنق. مجرد مقدمات... هل فهمت؟ أنا لن أستفيض في الحديث معك. أتمنى لك حظاً سعيداً".

"أسئلة سهلة. لا تستدعي كل هذا الخوف. مجرد مقدمات". كلمات باتت تقتحم محميته المتفائلة، فما جدوى تلك النصائح الأفلاطونية والإنشائية؟ هل ستنفعه؟ ثم لماذا لم تَطُلْ مدة المقابلة مع هذا المترشّح؟ هل فعلاً الأسئلة سهلة؟

الآن، دقت ساعة الحسم. نادته السكرتيرة باسمه، بصوت أنثوي، دغدغ أذنيه بعد أن سافر خياله في رحلة الأسرار والعجائب.

‑ " نعم مادموازيل"

‑ " تفضل مسيو كمال. حظاً سعيداً" (هذه الأخيرة قالتها بفرنسية تذوب في أذنيه، وكأن هذا الحظ سيكون سعيداً فقط بالفرنسية)

‑ " مرسي مادموازيل"

ولج غرفة المدير، المكتب يغصّ بتحف من العهد الإغريقي القديم. أجساد عارية من التماثيل، كلها من صنف الرجال. لوحات تشكيلية قديمة سوريالية، وأخرى لأجساد ذكورية شبه عارية. خشب المكتب ساحر، أما الأفلام فتسافر بك لحقبة تاريخية تعود لبدايات القرن العشرين.

نهض المدير بكل تواضع من كرسيه الوثير، رحب به وكأنها معرفة قديمة بينهما. لم يصدق نفسه، أَكل هذا يصدر من هذا الشخص؟ ثم لماذا كل هذا الرعب المزعوم يا ترى؟ كل شيء يدل على السهولة: الترحاب، التواضع والابتسامة. ليس هذا فحسب، فالسيد المدير "المحترم المبجل"، "أبو الهول"، لا يلبس سوى قميصاً صيفياً من النوع الشبابي، يظهر جزءاً من صدره المجعد، وسروالاً من الجينز الملتصق، مع حذاء رياضي أنيق ينم عن روح شبابية وهو في الخمسين من عمره.

‑ "تفضل.. تفضل.. تفضل.. مسيو كمال"، يقولها المدير وكأنه يستقبل زبوناً، وليس مترشحاً لوظيفة.

‑ "شكراً. شكراً"

‑ "هل تريد مشروباً... عصير مانجا... أناناس... قهوة... اطلب ما تريده، لا تخجل!"

‑ "لا. بارك الله فيك.. شكراً". قالها وهو يستغرب لما يقوله هذا المخلوق، (أهو فعلاً مدير هذه المؤسسة؟) سائلاً نفسه.  

‑ "اسمع يا مسيو كمال. أولاً اسمك جميل، وقد أعجبني كثيراً، وأنا شخصياً ارتحت لك، وأحببتك من أول دخلة دخلتها علي، لذا أنا سأتساهل معك فيما يخص الأسئلة".

‑ "أنا مستعد للأسئلة سيدي المدير". ( اسمك جميل. ارتحت لك. أحببتك من أول دخلة دخلتها علي. أنا غير مرتاح لهذا الشخص) متمتماً مع نفسه.

‑ " تفضل. عرفني بقدراتك الجسدية، عفواً قدراتك المهنية، وتجاربك العملية في الميدان".

في الوقت الذي كان يسرد كمال مؤهلاته ومهاراته المهنية والتقنية، نهض المدير من مكتبه، لم يكترث لإجاباته، بل شرع في معاينة شكل المترشح، تفاصيل جسده وطريقة أدائه في الكلام، وكأنه يبحث عن مؤهل واحد، عن شيء واحد فقط.

ترك المدير كرسيه الوثير. وقف أمام نافذة مكتبه العريضة، ذات الرؤية البانورامية، ثم استعد لشيء ما سيفصح عنه، قد تكون كلمة واحدة، أو كلمتين، أو أكثر: "نريدك أن تكون نجماً لأفلام إباحية"... مجاز

‑ "يكفي هذا مسيو كمال. أشكرك"

ثم جلس، واضعاً قلماً فخماً بين أصابع يديه، نظر إليه في تأمل، ثم استطرد:     

‑ "أنت شاب قوي، ورياضي، والأكثر من ذلك أنت وسيم، والبدلة وربطة العنق وتسريحة الشعر والابتسامة كانوا عند حسن تطلعاتي. الآلاف يتمنون هذه الفرصة، وأنت محظوظ. مبروك... لقد تم قبولك"

‑ "يعني مؤهلاتي كانت موفقة"

‑ "جداً"، ثم استطرد المدير: "الأجرة ستكون وفق المجهود الذي تبذله، إن زاد مجهودك، زادت أجرتك وامتيازاتك".

‑ "لم أفهم!"

‑ "اسمع... خذ هذه البطاقة، ستجد فيها العنوان ورقم الهاتف، يجب أن تكون في هذا المكان مساء يوم السبت، لتستلم وظيفتك".

نظر إلى البطاقة. العنوان: فندق النجوم، عند مفترق طريقَيْ الساحل ومارينا.

اندهش قليلاً، فالمكان لا يتوافق مع المهام الوظيفية، الأمر الذي جعله يسأل المدير في فضول جلي: "ولكن سيدي المدير، أنا قدمت طلبي لوظيفة مكلف بالزبائن بأحد فروعكم التجارية، أود أن أعرف ما علاقة ذلك بمكان الفندق، وبموعد مثل مساء السبت؟"

ترك المدير كرسيه الوثير. وقف أمام نافذة مكتبه العريضة، ذات الرؤية البانورامية، ثم استعد لشيء ما سيفصح عنه، قد تكون كلمة واحدة، أو كلمتين، أو أكثر: "نريدك أن تكون نجماً لأفلام إباحية".

إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

تنوّع منطقتنا مُدهش

لا ريب في أنّ التعددية الدينية والإثنية والجغرافية في منطقتنا العربية، والغرائب التي تكتنفها، قد أضفت عليها رومانسيةً مغريةً، مع ما يصاحبها من موجات "الاستشراق" والافتتان الغربي.

للأسف، قد سلبنا التطرف الديني والشقاق الأهلي رويداً رويداً، هذه الميزة، وأمسى تعدّدنا نقمةً. لكنّنا في رصيف22، نأمل أن نكون منبراً لكلّ المختلفين/ ات والخارجين/ ات عن القواعد السائدة.

Website by WhiteBeard