شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

ضمّ/ ي صوتك إلينا!
يوميات من غزة (8)...

يوميات من غزة (8)... "نعيش على البدائل حتى تنتهي هي أو ننتهي نحن"

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

عربات الكارو بديلاً من السيارات

إذا مررت في أي شارعٍ، في أي حي في قطاع غزة، ستنتبه، قبل أن تنتبه إلى البيوت المكوّمة على نفسها، إلى السيارات بكل أنواعها، من الفارهة المبالغ في أسعارها إلى الزهيدة الثمن، كلها في صف أو صفين، على يمين الشارع ويساره، فقدت معنى وجودها مع انعدام وجود الوقود.

ولكن العقل الغزّي حاضر بقوة في إيجاد البدائل، سترى عربات الكارو المجرورة بحيوان، محملّة بالركاب من النساء والرجال الذاهبين إلى السوق، أو العيادة، أو في زيارة من مكان إلى مكان، أو المحملة بالجرحى والشهداء في حال تأخر سيارات الإسعاف بسبب سوء الاتصال وتضرر الطرقات.

عربات الكارو حلّت بديلاً من السيارات، فلا ترى أحداً متأففاً أو ضجراً منها، يتعامل الناس هنا مع البدائل بشكل طبيعي أقرب إلى البديهي، وكأن عربة الكارو المجرورة بحمار أو حصان، قد كانت الوسيلة الوحيدة منذ الأزل.

الحطب بديلاً من الغاز

كذلك الحال مع الحطب البديل القديم، فقد حلّ سريعاً مكان الغاز، ومن الذي فرغت أنبوبة الغاز لديه، بدأ باستخدام الحطب أو الخشب أو حتى أوراق الكرتون، المهم نار تنضج طبخة أيّا كانت مما هو متوفر تطعم أفواه أطفال جوعى، كذلك استطاع أهل كل حارة أن يوفّروا فرن طين لمن لديه طحين ويريد أن يخبز قليلاً من أرغفة الخبز ليومه، سترى الأطفال يدورون في الشارع يبحثون عن الورق والكرتون أو أي شيء يشتعل كي يستخدموه في إنضاج قلاية بندورة أو علبة فول، والمحظوظ من لديه زيت وزعتر فيوفر جهداً في ذلك. 

العقل الغزّي حاضر بقوة في إيجاد البدائل، نرى عربات الكارو المجرورة بحيوان بديلاً عن السيارات، محملّة بالركاب من النساء والرجال، أو محملة بالجرحى والشهداء في حال تأخرت سيارات الإسعاف بسبب سوء الاتصال وتضرر الطرقات

أما إن كنت تملك مالاً كافياً، فستجد بسطات لبيع الحطب من أشجار البرتقال والليمون، ولن تضطر لإرسال أطفالك للبحث عن الخشب والورق، كذلك يمكن استخدام أوراق الدفاتر والكتب إن اضطررت لذلك.

بدائل الكهرباء

إن كانت تتوفر لديك طاقة شمسية فأنت ابن محظوظة، ستشحن هواتفك وبطاريات الإنترنت إن توفر، وستستطيع أن تضيء بيتك في عتمة كاملة تغرق فيها مدن القطاع بعد مغرب كل يوم. وربما – أقول ربما- تمكنت من الاحتفاظ ببعض الطعام في الثلاجة. 

إن كنت تمتلك مالاً كافياً، فستجد بسطات لبيع الحطب من أشجار البرتقال والليمون، ولن تضطر لإرسال أطفالك للبحث عن الخشب والورق لإشعال النار.

أما من دون طاقة شمسية، فأنت مُعدم، فقد خرَجت كل الأجهزة الكهربائية في بيتك عن الخدمة، وصارت بلا معنى، وعليك بالتالي أن تقف في طابور لدى من لديه ماتور خمسة كيلو لتشحن نصف شحنة، وهذا يكلفك انتظار ساعتين على أقل تقدير، أو أن تذهب إلى أماكن تعمل على مولدات ذات الطاقة العالية، لشحن بطارية أو موبايل، وبطابور طويل أيضاً.

ويمكن شحن موبايلك أو بطارية صغيرة من خلال شاحن سيارتك إن كنت تملك سيارة وما زالت بطاريتها تعمل.

أزمة الماء

لا بديل عن الماء إلا الماء، لذلك، إن كنت لا تستطيع إيصال الماء في حال ضخه للبيوت إلى البراميل على الأسطح، فستضطر كل العائلة للعمل معاً، بحمل الجرادل والطناجر وكل ما يمكن نقل الماء فيه من الأسفل إلى الشقق في الأعلى، وإذا لم يضخ الماء إلى البيوت بسبب نقص الوقود اللازم لذلك، فستضطر إلى الخروج والبحث عمن يمكنه نقل الماء لك على عربة كارو مقابل مبلغ مضاعف، أو أن تقف في طابور طويل في انتظار تعبئة غالون ماء للشرب، وفي الحقيقة هو ليس صالحاً لذلك، ولكن ستشربه على أية حال، وستشكر ربك على نعمة غالون الماء الذي تواطأ الجميع على أنه ماء حلو.

أزمات مرتبطة

أزمة انعدام الوقود أنتجت بدورها أزمة الكهرباء، وأزمة الكهرباء أنتجت أزمة الماء، وأزمة الماء أنتجت أمراضاً لا ندري ماهيتها، وكذلك أزمة الوقود الذي تحتاج إليه عربات البلدية أنتجت أزمة قمامة مكومة في منتصف الشوارع وعلى جانبيها ذات رائحة لعينة، تمر عربات الكارو مرتين في الأسبوع لرفع ما تستطيع. 

لا بديل عن الماء إلا الماء، لذلك، تضطر كل العائلة للعمل معاً، بحمل الجرادل والطناجر وكل ما يمكن نقل الماء فيه من الأسفل إلى الشقق في الأعلى، وفي الحقيقة هو ليس صالحاً للشرب، ولكن تواطأ الجميع على أنه كذلك

أزمات مرتبطة بعضها ببعض يعيشها أبناء غزة في يومياتهم إلى جانب الموت اليومي، هكذا حتى تنفد البدائل أو ننفد نحن. 


رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

WhatsApp Channel WhatsApp Channel


* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

ما زلنا في عين العاصفة، والمعركة في أوجها

كيف تقاس العدالة في المجتمعات؟ أبقدرة الأفراد على التعبير عن أنفسهم/ نّ، وعيش حياتهم/ نّ بحريّةٍ مطلقة، والتماس السلامة والأمن من طيف الأذى والعقاب المجحف؟

للأسف، أوضاع حقوق الإنسان اليوم لا تزال متردّيةً في منطقتنا، إذ تُكرّس على مزاج من يعتلي سدّة الحكم. إلّا أنّ الأمر متروك لنا لإحداث فارق، ومراكمة وعينا لحقوقنا.

Website by WhiteBeard