شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

اشترك/ ي وشارك/ ي!
يوميات من غزة (7)...

يوميات من غزة (7)... "حين يصبح لباس الصلاة الزي الموحّد للنازحات"

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

 حبيبتي لمار، أعرف أنك ستقرأين يوماً ما هذه اليوميات، لذا سأخبرك ما رأيت حينما خرجت للتجول قليلاً في محيط المستشفى بعد وصولنا بيوم، صارت الحياة حولنا تبدو أقرب إلى العادية، عربات تجرها حمير منهكة من الضرب بالسياط والصراخ: "حا، ولك حا"، يبيع عليها الباعة الجوالون خضاراً غزاوية طازجة، باذنجاناً وفلفلاً وبطاطا وبندورة، تلك هي الخضار الرئيسية التي يقوم عليها أكل الغزيين، خاصة في الأزمات، وأنت ربما لا تذكري يا حبيبتي كيف عشتِ في حرب 2014، قبل أن تذهبي إلى بلجيكا حيث سكنت قلبي منذ الكلمة الأولى ومنذ أول غمزة عين لماحة لك.

أين يختبئ الأطفال في الحرب؟

أذكر قصة أخبرتني بها أمك وقت الحرب حينما بحثَت عنك مطولاً في ظل انقطاع الكهرباء ولم تجدكِ، لم تترك مكاناً إلا وبحثت فيه، واقتربت من الجنون حتى اهتدت لأن تنظر تحت السرير، فوجدتكِ هناك تجلسين باسترخاء وعلى وجهك ابتسامة. 

الأطفال هنا أيضاً يختبئون كما يفعل كل أطفال العالم، إنما ليس للعب ولكن من القذائف، يضعون رؤوسهم بين كفوفهم الصغيرة ويضغطون بها على آذانهم بقوة ملفتة 

تقول لي أمكِ إنها حوقلت وبسملت حين رأتك، فالأطفال هنا أيضاً يختبئون كما يفعل كل أطفال العالم للعب، إنما ليس من أمهاتهم ولكن من شدة صوت القذائف أو من شظايا قد تصل إليهم داخل الغرف أو الممرات، يختبىء الأطفال هنا بين كفوفهم الصغيرة التي أراهم يضغطون بها -على رقتها وهشاشتها- على آذانهم بقوة ملفتة. 

بعض الصغار يلهون بأن ينفخوا القفازات الطبية ليصنعوا منها بالوناً صغيراً ثم "بوووم تراك" فرقعة كبيرة، يضحكوا هم وننتفض نحن الكبار من الخوف، ثم يعودون للنفخ مجدداً، ومجدداً "بوووم تراك" ومخي يتجاوب معها مرتجاً "بوووم تراك" أيضاً.

نوع ثوب الصلاة يكشف العائلات الغنية

في بداية النزوح إلى المستشفى كنت أرى نساء مع عوائلهن يحملن من الفراش ما خف منه وصلح لظروف كهذه، لا تُحضر العائلات هنا عادة فراشها الثمين، وإنما ما اهترأ أو قدم منه حتى يلقون به بعد انتهاء الحرب، اللباس الذي تتميز به نساء غزة من كافة الطبقات وعلى اختلاف المستويات الثقافية والاجتماعية والجمالية هو ثوب الصلاة، وهو رداء يتكون من قطعة واحدة أو قطعتين، وعادة ما يكون من قماش الديولين. 

بعض الصغار يلهون بنفخ القفازات الطبية ليصنعوا منها بالوناً صغيراً ثم "بوووم" فرقعة كبيرة، يضحكوا هم وننتفض نحن الكبار من الخوف.

الأساس في الغالب هو اللون الأسود تغطيه نقاط مختلفة الألوان أو رسوم صغيرة لزهور أو حيوانات، لكنك مع الوقت يا حبيبتي إن أمعنت النظر فستتمكنين من تخمين المستوى الاجتماعي لكل عائلة، إذ تظهر أثواب صلاة أكثر فخامة يغلب عليها قماش القطيفة أو الساتان، لكن الأكثر غرابة هو مشهد بعض النسوة النازحات بعيون يخطها الكحل ولا يغيب عنها، ووجوه تكسوها البودرة الرخيصة، لذا لا غرابة حينما تسمعين بعض الشباب يعلقون بسخرية: "لا تفتح الباب فالنساء في الداخل ينتفن الشعر بالخيط".

تذكرين يا لمار كيف اعتدتِ القول لي: "يا عمتي، أنت تدخلين غرفتك لخمس دقائق ثم تخرجين منها موديل، كيف تفعلين هذا؟"

أول استحمام بعد النزوح

هنا يا حبيبتي أنام واصحو بنفس الثوب لأكثر من أسبوع حتى تتاح لي زجاجة ماء من البئر لأغتسل فيها.

لن أنسى أول مرة دخلت فيها الحمام لأستحم بعد أسبوع من وصولنا المستشفى، يحسدنا الكثير على نزوحنا هنا بدلاً من مدارس الوكالة، لم تلتحقي بها حين كنت تعيشين هنا، هي مدارس تابعة لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين، -وسأحدثك ربما في رسالة أخرى كيف أصبحنا لاجئين في غزة-. المهم جميعنا التحق بهذه المدارس وكنا نتفاخر بها على أقراننا الذين يلتحقون بالمدارس الحكومية، عادة ما تمتاز مدارس الوكالة بالنظافة والترتيب وتوفير المرافق الصحية المهمة والضرورية، لكنها الآن تتساوى مع مدارس الحكومة في العبث والاكتظاظ وانعدام المرافق الصحية التي نُحسد عليها الآن. 

إن أمعنت النظر فستتمكنين من تخمين المستوى الاجتماعي لكل عائلة، إذ تظهر أثواب صلاة أكثر فخامة يغلب عليها قماش القطيفة أو الساتان، لكن الأكثر غرابة هو مشهد بعض النسوة النازحات بعيون يخطها الكحل ولا يغيب عنها، ولم لا؟ 

الحمام هنا نظيف وواسع وتتوفر فيه المياه غالب الوقت، ربما يسعفك الحظ أن تكون المياه ساخنة لكن هذا الحلم لم يتحقق لي، ظللت لبضع دقائق أتحسس المياه علها تدفأ بعد قليل، ربما تنكسر حدة البرودة فيها، وأنا التي أحب الاستحمام بالماء ساخناً قدر الإمكان، ما علينا، قلت لنفسي: حسنا يا فاتنة، تجربة جديدة بأكملها، مياه بحر للاستحمام، مياه بحر باردة للاستحمام، لا عليك، يكفي أن البحر يزوروني هنا أيضاً.

الدفقة الأولى التي نزلت فوق راسي خرجت معها شهقات متقطعة مني، أمسكت بالمشط بعد وضع الشامبو كي أسهل على نفسي تسريحه، أضع المشط محاولة تسريح شعري والدموع تطفر من عيني رغما عني، والله يا حبيبتي، لكنها اللحظات الوحيدة القليلة التي أسمح لنفسي فيها بالبكاء، والبكاء في هذه الأوقات عزيز وغالٍ وربما هو ترف يأتي ما بين ارتجاجين، لذا تركت الدموع تنزل مع الشعر الذي يأخذه المشط طريقه فيه، "معلش يا فاتنة، ستخرجين من هذا الكابوس عما قليل وترممين كل شيء، المهم ان تنجزي حمامك في أسرع وقت حتى لا يباغتك صوت قذيفة صاروخية قريبة يهتز لها جدار المبنى من جديد"، قلت لنفسي. 

ربما يسعفك الحظ أن تكون مياه الاستحمام ساخنة، لكن هذا الحلم لم يتحقق لي، ما علينا، قلت لنفسي: حسنا، تجربة جديدة، مياه بحر باردة للاستحمام

صببت لتراً من ماء البئر البارد على شعري لتخليصه ما أمكن من مياه البحر وخرجت كأنني نزعت جلداً تالفاً عن جسدي، تقرصني ملوحة مياه البحر في المناطق من جسدي التي لم تطلها قطرات زجاجة ماء البئر اليتيمة.

خرجت وأنا أنظر في مرآة الحمام لوجهي للمرة الأولى، المرأة في المرآة تشبهني إلى حد كبير ابتسمت في وجهي وقالت قبل أن أغلق الباب ورائي: معلش.

القهوة لتعديل مزاج الحرب

قلت لك سابقاً لا أريد أن أثقل عليك بكثرة الفواصل، فهي كثيرة وغير سارة في معظم الأحيان، وقد لا تعلمين أن جسدي يهتز مرات عدة، وأنا أكتب لك هذه الرسائل من صوت القذائف الذي يبدو أنه لا يستهدف غيرنا.

في أسبوعنا الأول كنا ننام إلى حد ما رغم القصف الذي كنا نسمعه بين الحين والآخر، لكنه كان بعيداً بعض الشيء، لذا كنت أستجيب كلما سمح الظرف لنداء أحد أبناء أو بنات عمومتك للنزول من الطابق الرابع إلى ساحة المستشفى لمشاهدة النازحين المتناثرين هناك جماعات جماعات. 

يقف حلاقان على باب المستشفى بأدواتهما البسيطة، والشباب ينتظرون دورهم، شباب أو عائلات يفترشون ملاءات خفيفة وبضع مخدات بين السيارات الواقفة أمام الباب، فهذه هي منازلهم المؤقتة أو الجديدة.

تمشين للخارج فتطالعك عربات القهوة والنسكافيه وطابور طويل يصطف أمام كل عربة، هذا الشعب مزاجه القهوة بكل أنواعها، فحتى في الحرب، يحب الغزاويون أن يبدأوا نهارهم بشكل جيد ومزاج طيب، حتى في الحرب يا لمار. 


رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

WhatsApp Channel WhatsApp Channel


* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

قد لا توافق على كل كلمة ننشرها…

لكن رصيف22، هو صوت الشعوب المضطهدة، وصوت الشجعان والمغامرين. لا نخاف من كشف الحقيقة، مهما كانت قبيحةً، أو قاسيةً، أو غير مريحة. ليست لدينا أي أجندات سياسية أو اقتصادية. نحن هنا لنكون صوتكم الحرّ.

قد لا توافق على كل كلمة ننشرها، ولكنك بضمّك صوتك إلينا، ستكون جزءاً من التغيير الذي ترغب في رؤيته في العالم.

في "ناس رصيف"، لن تستمتع بموقعنا من دون إعلانات فحسب، بل سيكون لصوتك ورأيك الأولوية في فعالياتنا، وفي ورش العمل التي ننظمها، وفي النقاشات مع فريق التحرير، وستتمكن من المساهمة في تشكيل رؤيتنا للتغيير ومهمتنا لتحدّي الوضع الحالي.

شاركنا رحلتنا من خلال انضمامك إلى "ناسنا"، لنواجه الرقابة والترهيب السياسي والديني والمجتمعي، ونخوض في القضايا التي لا يجرؤ أحد على الخوض فيها.

Website by WhiteBeard