شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

ساهم/ ي في صياغة المستقبل!

"أمال بلدنا بتنتج إيه؟!"... ما تكشفه رحلة البحث عن البدائل المحلية في مصر

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

حياة

الأحد 5 نوفمبر 202312:45 م

أمام مشاهد القصف والدمار والدماء التي اجتاحت شاشات التلفزيونات والهواتف في أيدي المصريين المنشغلين كغيرهم حول العالم بمتابعة الحرب الذي تشنها إسرائيل على قطاع غزة في أعقاب عملية طوفان الأقصى في السابع من أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، بدأ المصريون في البحث عن سبل لمساندة الفلسطينيين خلافاً للتظاهر وأشكال الاحتجاج السلمي المجرَّمة وفقاً للقوانين المصرية.

لذا عندما بدأت دعوات حول العالم لمقاطعة منتجات الشركات التي تدعم الجيش الإسرائيلي - وكثير منها له وكلاء يضمنون عمل علاماتها التجارية في مصر-، وجد المصريون في الاستجابة لتلك الدعوات حلاً. وعلى الرغم من بدأ حملة إعلامية مدعومة من اتحاد الصناعات المصري "تجمع لرجال الأعمال المصريين، انضم إليه إعلاميون ومؤثرون محسوبةن على السلطات والاجهزة الامنية لوقف حركة المقاطعة تحت شعار الحفاظ على الاقتصاد الوطني ومصالح العمالة؛ إلا أن هناك سؤال أكثر إلحاحاً هو الذي راج في رؤوس وعلى ألسنة المقاطعين بعيداً عن مطاعم الوجبات السريعة والسلع الترفيهية، وهو: من أين لنا بالبديل المصري المتمتع بالحد الأدنى من الجودة في يتصل بالسلع الأساسية؟ أو كما تساءل أحد مستخدمي شبكات التواصل الاجتماعي ساخراً: "لما كل المنتجات اللي متعودين عليها مقاطعة، أمال بلدنا بتنتج إيه؟".

هناك سؤال أكثر إلحاحاً هو الذي راج في رؤوس وعلى ألسنة المقاطعين بعيداً عن مطاعم الوجبات السريعة والسلع الترفيهية، وهو: من أين لنا بالبديل المصري المتمتع بالحد الأدنى من الجودة في يتصل بالسلع الأساسية؟ أو كما تساءل أحدهم ساخراً: "لما كل المنتجات اللي متعودين عليها مقاطعة، أمال بلدنا بتنتج إيه؟"

لماذا لا تحب مصر الصناعة؟

في لقاء بين الكاتب الصحفي سيد جبيل، والخبير الاقتصادي وأستاذ التمويل مدحت نافع، عبر يوتيوب، تحت عنوان: لماذا فشلت مصر التي بدأت نهضتها قبل 200 عاماً أن تكون دولة صناعية؟ طرح الاثنين الأسباب التي يريان أنها لأدت إلى "فشل" مصر في التحول إلى التصنيع عماداً للاقتصاد. من بين الاسباب التي يرياها، إن مصر "انتقلت انتقالاً هادئاً إلى التصنيع، لم تنجح معه في اجتذاب العمالة الزائدة من قطاع الزراعة إلى قطاع الصناعة بأجور متدنية شأن جميع البلدان المتقدمة، كما أن التجارب الصناعية التي مرت بمصر عادة ما كانت ترتبط بأفراد، وليس بمؤسسات وبالتالي لا تستمر بعد رحيل صاحب التجربة، ومن بعده نعيد اختراع العجلة في كل مرة".

مدحت نافع: "مصر دولة لا تحب الصناعة، ربما لأنها تفاضل العائد الصناعي بالعائد التجاري، وتحقيق المكاسب السريعة من دون جهد، في حين أن تفكير الدولة يجب أن يتجه نحو الاستدامة والتوطين"

ويسجل نافع في حديثه ما تتفق عليه بعض الدراسات الغربية حول مسار التصنيع في مصر، التي تجد أنه من بين الأسباب التي قوضت الصناعة المصرية، موجة التأميم التالية على حركة يوليو/ تموز 1952، فبحسب نافع: اضطر كبار الملاك الذين استحوذت الحكومة على ملكياتهم الزراعية، لسحب أموالهم وأرباحهم من الصناعات التي بدأوها وتهريبها للخارج أو اكتنازها تجنباً لتأميمها أيضاً، كما أنه لا بد للحكومة أن تعي أن النهضة الصناعية تقوم على القطاع الخاص، وعليها مساعدته وإتاحة المجال له وعدم مزاحمته، وهذا عكس ما حدث إبان الثورة.

وهناك أسباباً أدت إلى تقويض الصناعة المصرية تتعلق بسياسات الحكومات، ومن بينها: تشوهات الاقتصاد ثم محاولة إصلاحها بشكل جزئي -لاعتبارات اجتماعية وسياسية- يزيد التشوهات، ومن أمثال هذه التشوهات ملف الدعم، وأيضاً المحسوبية السياسية وتسليم الاقتصاد لأسرة الحاكم وبطانته وإصدار تشريعات تخدم ذلك، ما يتسبب في احتكار فئة محددة لبعض القطاعات الصناعية وتحكمها في الأسعار ما يخرج المنتجات من المنافسة المؤهلة للتصدير، أما الأمر الثالث فيتمثل في التركيز على القطاعات وليس الشركات، الأمر الذي قد يؤدي إلى ذهاب الدعم لشركات غير جادة لا تستحقه.

وقال مدحت نافع، إن "مصر دولة لا تحب الصناعة، ربما لأنها تفاضل العائد الصناعي بالعائد التجاري، أو العائد الصناعي بالريع، أي تحقيق المكاسب السريعة دون جهد، في حين أن تفكير الدولة يجب أن يتجه نحو الاستدامة والتوطين".

حتى بدايات التسعينيات كانت شركتا قها وإدفينا موردان رئيسيان للأغذية في مصر إذ كانتا توفران النسبة الغالبة من احتياجات السوق المحلي من الأغذية المحفوظة والمشروبات

هل تذكرون "قها" والمصرية للزيوت والصابون؟

بمناسبة أن غالبية المنتجات التي يبحث المصريون عن هويتها قبل شرائها في إطار المقاطعة، تنتمي لفئة الأغذية والمنظفات، فلا بد من الحديث عن شركتان مصريتان كانتا رائدتان في هذه الصناعات، ربما يتذكرهما الأباء والأجداد، لكن لا يعرفها الجيل الحالي رغم استمرار عملهما لكن إنتاجهما تراجع أمام اجتياح المنتجات الأجنبية المنافسة.

كانت شركة "قها" التي نشأت عام 1940 واتخذت اسمها من مدينة قها بمحافظة القليوبية، أول شركة متخصصة في مجال التعليب، حيث كانت تنتج الأغذية المحفوظة بأنواعها من خضروات وفواكه وأسماك ومشروبات، وفي عام 1962 تم تأميمها وضمها مع مجموعة مصانع أخرى تحت اسم "شركة النصر للأغذية المحفوظة- قها"، وكان لهذه الشركة دوراً رئيسياً في توفير الأغذية المعلبة للقوات المسلحة إبان حرب الاستنزاف وحرب أكتوبر 1973، وخلال فترة التسعينيات كانت شركتا قها وإدفينا موردان الرئيسيان للأغذية في مصر إذ كانتا توفران النسبة الغالبة من احتياجات السوق المحلي من الأغذية المحفوظة والمشروبات.


وفي عام 1991 خضعت الشركة لأحكام قانون قطاع الأعمال المصري رقم 203 لسنة 1991 وتم تغيير اسمها إلى "شركة قها للأغذية المحفوظة"، ومع تطبيق برنامج توسيع قاعدة الملكية أو ما عرف بالخصخصة في عهد الرئيس الراحل حسني مبارك، تم بيع 90% من أسهم الشركة لمجموعة شركات عوف عام 1999، إلا أن هذا المستثمر تعثر في سداد قيمة الشركة لعدة سنوات، ما أعادها مرة أخرى لملكية الدولة، لكنها لم تعد لسابق عهدها، إذ تدهور وضعها الاقتصادي بسبب قلة التمويل وعدم قدرتها على المنافسة مع شركات القطاع الخاص، خاصة أنها خسائرها وصلت إلى 50% من رأس المال.

في عام 1996، تم خصخصة الشركة المصرية للزيوت والصابون بطرح 51% من أسهمها في البورصة، ومنذ ذلك الحين تعاني الشركة من خسارات متتالية حتى تراجعت أرابحها خلال الربع الأول من العام المالي الجاري 2023/2024، بنسبة 85%

وفي عام 2020، أعادت الشركة القابضة للصناعات الغذائية التابعة لوزارة التموين والتجارة الداخلية، إحياء شركة "قها" ودمجها مع شركة إدفينا التي تعمل في نفس المجال، في مجمع واحد باسم "مجمع قها وإدفينا للصناعات الغذائية المتطورة" بمدينة السادات في محافظة المنوفية، على مساحة 120 فداناً، وباستثمارات تبلغ حوالي 10 مليارات جنيه مصري، ويضم المجمع عدة مصانع بينها: مصنع المرتكزات والمربى والصلصة، ومصنع الخضروات والفاكهة المجمدة والبقوليات، ومصنع الوجبات الجاهزة والعبوات المعدنية والعصائر، وتم افتتاح هذا المجمع في فبراير/ شباط 2023، لكن جميع المصانع لا تزال في طور الإنشاء، ولا تزال منتجات "قها" شحيحة الانتشار في السوق المصري، إذ لا تملك الشركة سوى 34 منفذ بيع فقط على مستوى محافظات الجمهورية، كما أنها تفتقر للدعاية عبر وسائل الإعلام الجماهيرية.

أما الشركة المصرية للزيوت والصابون، فتأسست عام 1938، باسم شركة مصر لصناعة وتجارة الزيوت، وخضعت هي الأخرى لقرار التأميم عام 1963، وفي عام 1967 أصبح اسمها شركة مصر للزيوت والصابون، كوحدة من وحدات القطاع العام المملوكة بالكامل للدولة، ثم أصبحت مملوكة للشركة القابضة للصناعات الغذائية التابعة لقطاع الأعمال العام عام 1991، وفي عام 1996، تم خصخصة الشركة بطرح51% من أسهمها في البورصة، ومنذ ذلك الحين تعاني الشركة من خسارات متتالية حتى تراجعت أرابحها خلال الربع الأول من العام المالي الجاري 2023/2024، بنسبة 85%، إذ حققت أرباحاً قبل الضرائب بلغت 75.25 ألف جنيه خلال الفترة من يوليو/ تموز، حتى نهاية أغسطس/ آب 2023، مقابل أرباح بقيمة 502 ألف جنيه خلال الفترة نفسها من العام المالي الماضي.

ومن بين منتجات هذه الشركة: زيت سارا، الممتاز، كورن أويل، وصابون سارا، ياسمين، فلورا، أمورة، إضافة للجلسرين، والعلف الحيواني، لكن غالبية هذه العلامات التجارية ليست منتشرة في السوق المصري وغير معروفة لدى المصريين، خاصة أن الشركة ليس لها سوى 6 منافذ بالجمهورية.

مصر خلال الـ 60 سنة الأخيرة لم يكن لها هوية اقتصادية محددة، فبعد أن كانت اشتراكية في عهد جمال عبد الناصر، انتقلت للانفتاح في عهد السادات ثم الرأس مالية والاقتصاد المختلط حالياً، وبالتالي ليس لنا هيكل اقتصادي واضح وراسخ، ما جعلنا فريسة للصدمات الاقتصادية

يعلق أستاذ الاقتصاد بجامعة الأزهر، صلاح الدين فهمي، على تراجع تواجد هذه الشركات بالسوق المصري، قائلاً، إن ذلك يرجع للفكر الاقتصادي الذي أديرت به الدولة منذ ستينات القرن الماضي، فعندما أممت الدولة الكثير من المصانع لم تتابع تطويرها بفكر يساعد على استمرار نجاحها، بل سلمتها للعمال يديرونها بخبراتهم، في إطار الاشتراكية ، ولم تهتم بدعم هذه المصانع من تحديث الماكينات وزيادة الإنتاج، وتم استنزاف الموارد في دفع الرواتب والأرباح، والنتيجة كانت منتجات قليلة الجودة ثم تهالك المصانع، ولم يكن هناك بد أمام الحكومة من الخصخصة، ولم يحدث هذا مع قها ومصر للزيوت والصابون فقط، بل مع الكثير من الشركات مثل: النصر للسيارات، وصناعة الغزل والنسيج، وغيرها.

وأضاف لرصيف22، أن مصر خلال الـ 60 سنة الأخيرة لم يكن لها هوية اقتصادية محددة، فبعد أن كانت اشتراكية في عهد جمال عبد الناصر، انتقلت للانفتاح في عهد السادات ثم الرأس مالية والاقتصاد المختلط حالياً، وبالتالي ليس لنا هيكل اقتصادي واضح وراسخ، ما جعلنا فريسة للصدمات الاقتصادية التي تدق على رؤوسنا منذ نحو عقد، فلم تكد الدولة تفيق من تبعات ثورة الخامس والعشرين من يناير 2011، حتى جاءت جائحة كورونا، ولم تكاد تنتهي حتى جاءت الحرب الروسية الأوكرانية ومن بعدها الحرب الفلسطينية الإسرائيلية، وكلها أحداث صدرت مشكلات اقتصادية لمصر كونها في الأساس بلداً غير مستقل اقتصادية ويعتمد على الاستيراد في كل مقومات الحياة، بداية من الغذاء وحتى الصناعات الثقيلة.

ما جدوى المقاطعة في بلد لا يصنع؟!

على عكس دعوات المواطنين، يرى خبراء الاقتصاد أن المقاطعة ليست حلاً مؤثراً في القضية الفلسطينية، بل قد يكون لها تأثير عكسي على الاقتصاد المصري الذي يعاني في الأساس.

المقاطعة حتى تؤتي ثمارها لا بد أن يكون هناك تضامن بين أكثر من دولة، وتكون طويلة الأمد، مع دعم المنتج المحلي ليكون أكثر جودة وبسعر تنافسي

يقول الخبير الاقتصادي ورئيس المنتدى المصري للدراسات الاقتصادية، رشاد عبده، إن فكرة المقاطعة لتصويب ضربة للعدو من ناحية الاقتصاد جيدة في ذاتها، لكن قبل تطبيقها لا بد من البحث عن إجابة عدد من الأسئلة: هل الشركة التي تقاطعها لها فرع في مصر أم أن هناك مستثمر مصري يستغل اسمها التجاري فقط؟، هل السلعة رئيسية ولا يمكن الاستغناء عنها أم لا؟ قائلاً: " لازم تعرف إنك أكبر دولة مستهلكة في العالم، أكلك وشربك وحياتك كلها مستوردة من الخارج، يعني مثلا إحنا بنستورد قمح كتير أوي، هنقدر نقول للعيش لأ؟، فكرة المقاطعة العمياء دي هتجيب خراب على مصر".

وأضاف عبده لرصيف22، أن المقاطعة حتى تؤتي ثمارها لا بد أن يكون هناك تضامن بين أكثر من دولة، وتكون طويلة الأمد، مع دعم المنتج المحلي ليكون أكثر جودة وبسعر تنافسي: "ماينفعش المنتج المحلي يستغل الفرصة ويرفع السعر"، مشيراً إلى أن فكرة المقاطعة يمكن الاستفادة منها كفرصة للشركات قليلة الانتشار لتطوير قدراتها وكسب ثقة المواطنين.

أما صلاح الدين فهمي، فيرى أنه من الصعب الحديث عن المقاطعة دون وجود البديل المحلي: "مانقدرش نتكلم عن المقاطعة واحنا ماعندناش صناعة، لو لقينا بديل لبعض المنتجات فيه منتجات أخرى مالهاش بدائل محلية بداية من السجائر والقهوة سريعة التحضير، وحتى الصناعات الثقيلة والهواتف المحمولة والتطبيقات الإلكترونية"، مؤكداً أن الدرس المستفاد من هذه الموجة الداعية للمقاطعة فقط، أن نكون مستعدين لمثل هذه الفرص: "لو نقدر نقول إننا ممكن نستفيد من قابلية الشعب لدعم المنتج المحلي، يبقى نحاول ندعم الصناعة المحلية ونوفر بدائل عالية الجودة".


رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

WhatsApp Channel WhatsApp Channel
Website by WhiteBeard