وداعاً للمشبِّك… ورش دمياط "مغلقة" حتى خفض الأسعار

الجمعة 25 مارس 202211:00 ص

"لا مخرج إلا بالاستثمار والتصنيع والتصدير". هذا هو ملخص نصائح خبراء الاقتصاد والمال لمواجهة الأزمة الاقتصادية العاصفة التي تمر بها مصر، والتي دفعت البنك المركزي إلى استباق موعد اجتماع لجنة السياسات المالية، وعقد اجتماع استثنائي، الإثنين 21 مارس/ آذار، قرر خلاله رفع الفائدة 100 نقطة أساس (1%) وترك الجنيه لحركة السوق وخفض قيمته نحو 16% وسط أزمة سيولة تعانيها البلاد.

هذه النصائح ليست جديدة، ويكررها خبراء الاقتصاد مع كل أزمة خانقة تستولد ضغوطاً على الخزانة العامة للدولة والاحتياطي الأجنبي، وتنعكس سريعاً على أوضاع المواطنين. وفي كل مرة، يضرب الاقتصاديون المثل بالنهضة التصنيعية التي تلت حركة الجيش في يوليو 1952. ويتذكر المنصفون منهم النهضة التصنيعية التي شهدتها بدايات القرن، كما ظلت محافظة دمياط الواقعة شمال شرقي العاصمة على ساحل البحر المتوسط وعلى رأس أحد فرعي مصب النيل، حاضرة باعتبارها نموذجاً يحتذى به في خلق الفرص والتصنيع والتصدير، بعدما ظلت عقوداً طويلة عاصمة صناعة الأثاث ومنتجات الألبان والحلويات وتصديرها إلى الخارج. وكل هذا من خلال ورش ومصانع صغيرة تملكها أُسر تتوارثها من دون أن تعتمد على الدولة في التمويل.

وتعد دمياط من أكثر محافظات مصر إسهاماً في الناتج القومي وإدخال العملة الصعبة من خلال التصدير، بحسب بيانات وزارة التخطيط والتنمية الاقتصادية.

ظلت محافظة دمياط الواقعة شمال شرقي العاصمة على ساحل البحر المتوسط وعلى رأس أحد فرعي مصب النيل، حاضرة باعتبارها نموذجاً يحتذى به في خلق الفرص والتصنيع والتصدير، لكن الحال تغير خلال العقد الأخير

أين الخامات؟

شهدت أسعار المواد الخام المستخدمة في صناعة الحلويات والأثاث زيادة كبيرة سبقت قرارات البنك المركزي الأخيرة والحرب الروسية على أوكرانيا، ودفعت عدداً من أصحاب الورش للتوقف عن العمل بسبب عجزهم عن الحصول على الخامات الأولية بأسعار تجاري خططهم للتسعير والبيع، وهذا ما دفع بعضهم إلى رفع شعار "مغلق لحين خفض أسعار الخامات".

وجاءت الحرب الروسية على أوكرانيا لترفع أسعار الأخشاب والدقيق، وتلتها أزمة الدولار التي أثرت في توفير قطع غيار الماكينات وغيرها من وسائل الإنتاج.

حلويات العزوني تفقد العمالة

ورث محمد العزوني مهنة صناعة وبيع الحلويات عن والده الذي أسس المصنع والمتجر المملوك للأسرة في ستينيات القرن الماضي، مستنداً إلى سمعة طيبة جعلت المصطافين يبحثون عنه كل عام ليشتروا الحلويات من الكافيتريا الصغيرة التي بدأ فيها تجارته.

يواجه العزوني الآن تهديد التخلي عن ذلك الميراث العائلي من النجاح والسمعة الطيبة، بعد أن اضطر إلى التخلي عن 50% من العمالة بسبب تراجع المبيعات وغلاء الخامات. يقول لرصيف22: "الصناعات جميعها تأثرت بموجة الغلاء. فقد زادت أسعار القمح والزيوت، وهما من المواد الأساسية في صناعة الحلوى".

ويواصل: "توارثت المهنة أباً عن جد، وبدأنا النشاط بالكافتيريا إلى أن تحولت إلى مصنع ثم محل شهير، ولكن مع جائحة فيروس كورونا أضطرت الأسرة لوقف التصنيع والاكتفاء بالبيع. ثم أتت الأزمات الاخيرة ليصير البيع مهدداً أيضاً".

بحسب العزوني، شهدت أسعار خامات الحلويات في دمياط زيادة بنسبة 100%. يقول: "على سبيل المثال، زاد ثمن كيلو السكر من 10 جنيهات إلى 13 (من 0.54 سنت إلى 0.71) وكذلك تضاعف سعر الدقيق والزيت عدة مرات خلال الأشهر الثلاثة الأخيرة. ونظراً لأن الزيت والدقيق من الخامات الأساسية في الصناعة، أدى ذلك لزيادة أسعار الحلويات 15%. للمثال، يباع كيلو المشبك بـ 35 جنيهاً بدلاً من 25، وكان سعره قبل التعويم الأول 15 جنيهاً للنوع الفاخر. وتسببت زيادة الأسعار في تراجع المبيعات، خاصة أن الحلويات سلعة غير أساسية للمواطنين. ومع الزيادة الأخيرة، بات لدى العاملين في المهنة خوف من أن سلعتنا لم يعد لها زبون وأن بضائعنا ستتلف".

وتوقف العزوني عن شراء الخامات أو ضخ بضائع جديدة في متجره بعدما صار الإقبال شبه معدوم.

تاجر الحلويات الذي اعتاد النجاح والشهرة، قرر الاقتداء بالعمال الذين تركوا العمل لديه وبحث عن مهنة أخرى "لكن محاولاتي باءت بالفشل. فأنا لا أجيد أي مهنة أخرى غير التي ورثتها عن أبي وجدي"

ويردف: "خلال جائحة كورونا تقلص حجم العمالة لدينا 50%". العزوني نفسه قرر الاقتداء بالعمال الذين تركوا العمل لديه وبحث عن مهنة أخرى "لكن محاولاتي باءت بالفشل. فأنا لا أجيد أي مهنة أخرى غير التي ورثتها عن أبي وجدي".

يعلق شريف بدوي، العضو في مجلس إدارة الغرفة التجارية بمحافظة دمياط، مؤكداً ما قاله صاحب محل الحلويات: "شهد العام الأخير زيادة في أسعار مستلزمات الإنتاج المستخدمة في المخبوزات الحرة 50% تقريباً، وهذا ما أدى إلى زيادة أسعار المنتجات على المواطنين الذين يعانون من ارتدادات الغلاء، وفضلوا توجيه أموالهم للأساسيات، وعلى رأسها الغذاء والدواء".

إلا أن بدوي يتوقع أن يكون لخفض قيمة الجنيه في مقابل الدولار عائد إيجابي على حركة الصناعة في دمياط، خاصة صناعة المخبوزات بعد ارتفاع أسعار الخبز غير المدعوم، الذي يعتمد عليه قطاع كبير من المصريين المحرومين من حيازة البطاقات التموينية.

ويشير إلى رغبة بعض أصحاب المخابز الحرة في غلق مخابزهم، خاصة مع ارتفاع تكاليف الإنتاج، مطالباً الجهات المعنية بمراعاة المواطن البسيط وفرض الرقابة المشددة على الأسعار.

"كيلو" اللبن رفاهية

أما قطاع الألبان الذي طالما تفوقت فيه دمياط من بين المحافظات المصرية، فهو يعاني أيضاً على الرغم من أنه لا يعتمد على مواد خام مستوردة.

يدير إبراهيم الصباغ البالغ من العمر 32 عاماً أحد معامل الجبن في دمياط (مصنع صغير). يقول لرصيف22: "زاد كيلو اللبن خلال الشهور الأخيرة من 9 جنيهات إلى 10 جنيهات ونصف" (يبلغ سعره في القاهرة 18 جنيهاً بعد تخفيض الجنيه وكان يبلغ قبلذاك 16 جنيهاً). وبحسب الصباغ: "مع كل زيادة في المادة الخام، تزداد باقي المنتجات المصنعة، فيباع الآن كيلو الجبن الأبيض الجديد  للمستهلك النهائي بسعر يراوح بين 30 و 35 جنيهاً، أما الجبن القديم الذي تتميز به دمياط فيباع الكيلو منه بـ60 جنيهاً، أي ما يعادل 3.27 دولار". ويتابع: "لم أفكر في تصفية النشاط رغم زيادة الأسعار، لأن هذه المهنة توارثناها أباً عن جد منذ أكثر من 90 عاماً ولا نعرف أي مهنة أخرى".

ووفق الصباغ، كان التصدير منفذاً مهماً للكسب بالنسبة للمصانع والورش والمعامل الصغيرة إلى أن سيطرت الاحتكارات على فرص التصدير، وقبلذاك، على شراء المواد الخام بأسعار تمنع الورش الصغيرة من مواصلة العمل.

يطالب الصباغ بتفعيل دور شعبة منتجات الألبان بالغرفة التجارية، و"عدم قصرها على أشخاص أو محتكرين"، مضيفاً: "عائلتنا كانت من أولى العائلات التي عملت في هذا المجال على يد الجد الأكبر محمد الصباغ، الذي بدأ المشوار بمعمل تحت بير السلم إلى أن تطور الأمر حتى استطعنا تصدير منتجاتنا إلى السعودية والإمارات، كما صدرنا إلى تركيا على يد الإبن محمود الصباغ، لتنتقل صناعتنا من معمل تحت بير السلم إلى التصنيع المنزلي، ثم قمنا بافتتاح مصنع صغير فمصنع أكبر بالإضافة إلى افتتاح المحالّ، وكنا نصل إلى تصنيع ثلاثة أطنان يومياً من الألبان ونصدر معظم الإنتاج. اليوم نصل إلى نصف طن بصعوبة".

ووفقاً لنادي الشناوي، وهو مربي ماشية، لم يؤثر ارتفاع أسعار الأعلاف بصورة كبيرة على أسعار الألبان داخل المحافظة، لكن من المنتظر أن يتغير الحال. ويتوقع محمد محمود*، صاحب أحد محالّ الألبان الكبرى في دمياط، رفعاً وشيكاً لأسعار منتجات الألبان يتجاوز الزيادة المعتادة عشية شهر رمضان.

الأخشاب أندر من الذهب

أما صناعة الأثاث فتعاني أيضاً لأسباب متعددة. فمن عام 2106 إلى عام 2022، اضطرت عدة ورش إلى الإغلاق وتسريح العمالة على الرغم من كون هذه الصناعة كانت تقود حركة التصدير في دمياط.

يقول محمد الحطاب، العضو في الجمعية التعاونية للموبيليا، لرصيف22: "بعد أن قضيت عمري في تصنيع الأثاث، لم أعد قادراً على البقاء في هذا المجال إذ إني أصبحت مديناً، وضاقت بي السبل وتركت التصنيع لأعمل منظماً في أحد معارض الأثاث كي أتمكن من سداد ديوني وتوفير النفقات الضرورية، بعدما تجاوزت الستين وأدركت أن العمل في التصنيع لم يعد مجدياً". 

لم يتوقف الحطاب عن متابعة أحوال الصناعة بحكم عضويته في الجمعية. يقول: "فوجئنا بارتفاع جديد في أسعار الأخشاب والأبلكاش (نوع أخشاب يستخدم في صناعة غرف النوم) رغم عدم استيراد منتجات جديدة بدعوى اندلاع الحرب في أوكرانيا". لكنه لا يجد مبرراً لارتفاع الأسعار  في ظل توقف استيراد الخامات منذ بعض الوقت. ويضيف: "اللي هيشتري خامات بالأسعار دي هيتسجن لأنه مش هيقدر يسدد، خصوصاً لو صاحب ورشة مش مصنع كبير أو مصنع تابع لمؤسسة في الدولة". 

ويطالب الحطاب بتدخل الدولة لوقف استيراد الموبيليات من الخارج حتى تستطيع الصناعة الوطنية البقاء.

وبرأي الحطاب، زادت أسعار مستلزمات إنتاج الأثاث 14% بعد التعويم الجديد، لأن "جميع الخامات تستورد من الخارج". ويوضح: "على سبيل المثال، برميل التنر المستخدم في الدهانات أصبح سعره 300 جنيه، أي ما يعادل 16.34 دولار، ومتر الأبلكاش وصل إلى 210 بدلاً من 160 جنيهاً، أما خشب الزان فارتفع سعر المتر منه إلى 9000 جنيه. وزان الشجر كان المتر منه بـ5700 جنيه وبات بـ8200، فيما ارتفع سعر متر السويد من 5700 إلى 1100 جنيه... وهناك تكلفة التصنيع وهامش الربح".

وكشف محمد عبده مسلم، العضو في المكتب التنفيذي للاتحاد الديمقراطي للعمال، وفي الجمعية الإنتاجية لصناعة الأثاث، عن تراجع سوق الأثاث إلى حد كبير نتيجة زيادة أسعار الخامات بسبب الحرب في أوكرانيا، خاصة أن الخامات المستخدمة في الصناعة مستوردة من الخارج بنسبة 70% . إلا أنه يؤكد أن تلك القفزة حدثت قبل الحرب بعدة أيام. علماً أن مصر تستورد الأخشاب من أوكرانيا ورومانيا، أما الأبلكاش فمن روسيا.

 ويوضح مسلم أن ورشاً كثيرة اغلقت أبوابها قبل الزيادة الأخيرة نتيجة احتكارات المستوردين، ويضيف: "مع الزيادة الأخيرة، من كانوا يسعون لتجاوز الأزمة لن يستمروا، خاصة مع ارتفاع تكاليف الإنتاج بصورة لا تستطيع الكيانات الصغيرة من أصحاب الورش مواجهتها".

ويؤكد سلامة الجحر، رئيس شعبة الأثاث بالغرفة التجارية في محافظة دمياط، أن تأثير الزيادة الأخيرة شمل كل مصنعي الأثاث. ويضيف: "جزء من أسعار الخامات تأثر بقرار البنك المركزي الخاص بالاعتمادات إذ تعطل الاستيراد فترات طويلة وزادت تكلفته، ثم زادت التكلفة مجدداً بعد تسعير الدولار بمبلغ أكبر من المبلغ الذي جرى الاستيراد على أساسه، خاصة مع تعطل الشحنات وتراكم الأرضيات (مبلغ يدفعه المستوردون بدل كل ليلة تبيتها بضائعهم في المنافذ الجمركية) كون معظم الأخشاب مستوردة من روسيا وأوكرانيا.

ويختم: "كل هذا أثر بشكل سلبي في صناعة الأثاث التي تشهد ركوداً مع تراجع القدرات الشرائية للمواطنين. وهذه الزيادات تزيد من معدلات الركود".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard