شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

ادعم/ ي الصحافة الحرّة!
السلطان عبد الحميد الثاني... شعارات كثيرة ضد الصهيونية يخالفها الواقع

السلطان عبد الحميد الثاني... شعارات كثيرة ضد الصهيونية يخالفها الواقع

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

سياسة نحن والتاريخ

الثلاثاء 31 أكتوبر 202304:37 م

مفاوضات مضنية حول إنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين، جمعت بين السلطان العثماني عبد الحميد الثاني (1842-1918)، وزعيم المنظمة الصهيونية المجري ثيودور هرتزل، حاول فيها الطرفان المراوغة وخديعة الآخر. وبالرغم من وضوح هرتزل، وتحديد هدفه بصرامة وإلحاح، فإن موقف عبد الحميد كان مرتبكاً؛ أعجبته الإغراءات والعروض، وخشي من التورط في بيع فلسطين رسمياً.

خلافاً لما ذهبت إليه مصادر تاريخية كثيرة، من أن عبد الحميد كان صاحب موقف صامد وصلب ضد الصهيونية، فإن كتابات أخرى عرضت تفاصيل دقيقةً كشفت عن الوجه الخفيّ للسلطان العثماني، ومدى تورطه في تسهيل سيطرة اليهود على أرض فلسطين.

هالة مقدسة أحاطت بسلاطين الدولة العثمانية، منعت من تقديم قراءة جديدة وناقدة للتاريخ العثماني، لأنها تعرض صاحبها لهجوم غريب، إذ حذّر المصري وليد فكري، في كتابه "الجريمة العثمانية"، من التفكير "في نقد الدولة العثمانية وسلاطينها، وإلا وجدت نفسك هدفاً للاتهام في دينك ونياتك وأغراضك"؛ ويشير بذلك إلى جماعات الإسلام السياسي وطريقتها في الانحياز الأعمى إلى العثمانيين.

وعي السلطان بالأزمة

كان عهده مثمراً للنشاط الصهيوني. إلى هذه الرؤية تذهب المؤرخة الأردنية فدوى نصيرات، في كتابها "دور السلطان عبد الحميد الثاني في تسهيل السيطرة الصهيونية على فلسطين 1876-1909"، مسجلةً التناقض الكبير بين فرمانته الرنانة ضد الصهيونية وما فعله لخدمتها واقعياً.

وبحسب أحمد نوري النعيمي، في كتابه "اليهود والدولة العثمانية"، فإن وجهاء العرب التمسوا من الحكومة في إسطنبول "منع اليهود من الهجرة إلى فلسطين ومنعهم من شراء الأراضي في القدس".

ثلاثة فرمانات تستند إليها نصيرات في تأكيدها وعي عبد الحميد بخطورة قضية فلسطين، صدرت عام 1891، الأول والثاني يفسران رفضه لعدم قبول اليهود في الممالك العثمانية، إذ إن هجرتهم ستطرح فكرة تشكيل حكومة يهودية مستقبلاً تحت الحماية الأوروبية. أما الفرمان الثالث فتحدث عن إمكانية تسلل اليهود إلى فلسطين إذا سُمح لهم بالإقامة في أي جزء من الإمبراطورية العثمانية.

سمح السلطان عبد الحميد بالتفاوض مع الصهاينة بسبب "القروض المالية والدعاية الإعلامية التي يمكن أن يكسب من خلالها الرأي العام الأوروبي تجاه المسألة الأرمنية"

التعليمات الواردة في فرماناته، "تشير إلى الوعي الكامل للسلطان عبد الحميد الثاني بالهدف الحقيقي من هجرة اليهود"، وبرغم ذلك فإنها ظلت "من الناحية العملية حبراً على ورق"، لأن السلطات العثمانية في العام نفسه، "قبلت طلبات الهجرة لليهود من كل الجنسيات، وأقام اليهودي بشكل غير فرماني"، وفقاً لما جاء في كتاب نصيرات "دور السلطان عبد الحميد الثاني".

يرى عبد العزيز الشناوي، في كتابه "الدولة العثمانية دولة إسلامية مفترى عليها، ج2"، أن نقطة ضعف عبد الحميد أنه "أصدر فرمانات جزئيةً لصالح اليهود، وأذِن لهم بمقتضاها بشراء بعض المساحات المحدودة من الأرض الفلسطينية"، التي بدورها شكلت "سنداً قوياً في يد الصهيونية للتوسع في شراء مزيد من الأراضي الفلسطينية سواء بطرق مشروعة أو غير مشروعة".

مفاوضات هرتزل

وبرغم وعيه بالأزمة، دخل السلطان عبد الحميد في مفاوضات استمرت 6 سنوات، بين عامي 1896 و1902، زار فيها هرتزل إسطنبول 5 مرات، اثنتان منها على نفقة السلطان بحسب نصيرات.

في كتابه "اليهود والدولة العثمانية"، ذكر النعيمي أن هرتزل حاول "التأثير على عبد الحميد بغية استيطان اليهود في فلسطين، ولا سيما أن الدولة العثمانية كانت تعاني من مشاكل مالية متعددة".

هذه المفاوضات، توسط فيها السياسي النمساوي فيليب نيولنسكي، صديق الطرفين، وتحدث إلى السلطان بشأن مشروع هرتزل "محاولاً إقناعه بأن الاقتصاد العثماني لن يتعافى أبداً من دون المساعدة المالية من اليهود"، وفي الوقت نفسه، "زوّد هرتزل بتقرير عن الوضع المالي العام للدولة العثمانية"، وأكد له "أن بيع فلسطين أمر غير ممكن، لكن ضمانها كدولة تابعة ممكن، كما رتّب لقاءات هرتزل مع كبار رجال الدولة العثمانية"؛ وفقاً لكتاب نصيرات المشار إليه.

في مفاوضاته، طرح هرتزل عرضاً شمل "تقديم 20 مليون ليرة عثمانية لتخليص الدولة العثمانية من الدين العام، منها مليونان من أجل فسطين و18 مليوناً من أجل تخليص الدولة العثمانية من التبعية المالية الأوروبية"، وطلب منه الصدر الأعظم خليل رفعت بك، ضرورة دعم الصحف لسياسات الدولة العثمانية، واستجاب هرتزل فـ"كرّس الصحافة اليهودية بعموميتها في أوروبا لمصلحة الدولة العثمانية، وبخاصة في المسألة الأرمنية"، وفقاً لما ذكرته نصيرات في كتابها.

وتعتقد نصيرات، أن السلطان سمح بهذه المفاوضات بسبب "القروض المالية والدعاية الإعلامية التي يمكن أن يكسب من خلالها الرأي العام الأوروبي تجاه المسألة الأرمنية".

وبحسب المؤرخ الفلسطيني صبري جريس، في كتابه "تاريخ الصهيونية، ج1"، فإن المفاوض الصهيوني في أول زيارة له "اضطر إلى إجراء محادثات مع بعض الوزراء فقط، دون فائدة، بعد أن دفع مبالغ طائلةً لرشوتهم".

أبدى عبد الحميد تعاطفاً مع مساعي هرتزل، مخبراً إياه "أن الدولة العثمانية تستطيع أن تستقبل اليهود على شرط أن لا يقيموا معاً، ويجب أن يُفرّقوا في أماكن مناسبة تحددها لهم الحكومة"

بعدها تلقّى هرتزل رسالةً شفويةً من السلطان عبر نيولنسكي، في 19حزيران/ يونيو 1896، قال فيها: "إذا كان السيد هرتزل صديقك بقدر ما أنت صديقي، فانصحه بألا يتخذ أي خطوة أخرى في هذا الموضوع. لا أستطيع أن أبيع ولو قدماً واحدة من البلاد لأنها ليست ملكاً لي بل لشعبي"، كما تنقل نصيرات.

الرد العثماني الحازم شهد تراجعاً بعد 6 أيام فقط، إذا طلب عبد الحميد في 26 حزيران/ يونيو، من الوسيط النمساوي، ترتيب لقاء مع هرتزل، مُبدياً تعاطفاً مع مساعيه، مخبراً إياه بحسب نصيرات، "أن الدولة العثمانية تستطيع أن تستقبل اليهود على شرط أن لا يقيموا معاً، ويجب أن يُفرّقوا في أماكن مناسبة تحددها لهم الحكومة".

معارضاً التنازلات الجزئية، ألحّ هرتزل في الحصول على ميثاق قانوني سلطاني يمنح اليهود الحق في إقامة وطنهم القومي في فلسطين. وبواسطة نيولنسكي، أخبر عبد الحميد مفاوضه في 1896، بأنه "مستعد للدخول في مفاوضات مقابل 20 مليوناً، وعلى دفعات، وبحسب ما يقدّمون سوف يناقش الهجرة اليهودية إلى فلسطين، ومقابل الدولة التابعة في ما بعد، وأن التفاصيل سيتم بحثها لاحقاً في مفاوضات إسطنبول"، ورأت نصيرات هذه الخطوة مناورةً عثمانيةً، لكنها صبّت في صالح اليهود.

النصيحة العثمانية لليهود

خريف 1898، زار القيصر الألماني فيلهلم الثاني، إسطنبول، وزار فلسطين، وهناك قصده هرتزل ليكون وسيطاً لدى السلطان، وألقى أمامه خطاباً في إحدى المستعمرات الصهيونية، ووفقاً لنصيرات، فإن هرتزل الذي شعر بفائدة جهوده كتب معلقاً على زيارته لفلسطين: "لو كان لدى الحكومة العثمانية بُعد نظر لوضعوا حداً لنشاطي وتحركاتي، فالأمر بسيط إذ كان يجب طردي من البلاد".

توفي نيولنسكي، ووجد هرتزل في الرحالة المجري أرمينيوس فامبري، وسيطاً جديداً، ووافق السلطان على مقابلة هرتزل بوصفه صحافياً، وناقشا تصفية الديون وتوطين اليهود، وبحسب نصيرات فإنه "بعد اللقاء تلقّى هرتزل هديةً من السلطان تحتوي على قلم وخاتم تعبيراً عن الصداقة".

انتهت المفاوضات بنصيحة عثمانية، وهي بحسب نصيرات، على لسان السلطان: "ادخلوا هذه البلاد كرجال مال، وكونوا أصدقاء. بعد ذلك يمكنكم أن تفعلوا ما تشاؤون"، لكنها كانت مرفوضةً من هرتزل الباحث عن وثيقة قانونية صريحة، إلى أن توفي في 16 أيار/ مايو 1904.

رغبات لم تجد نقطة التقاء

بحثاً عن المساندة الإعلامية والمالية، انخرط عبد الحميد في مفاوضات هرتزل، ولأن السلطان امتنع عن منح أي تعهد أو وعد بالوثيقة القانونية المطلوبة، فشل هرتزل في ضمان التمويل المناسب لطلبات الجانب العثماني.

ووفقاً لصبري جريس، فإن "إمكانات المنظمة الصهيونية المالية خلال عهد هرتزل على الأقل، كانت محدودةً جداً، ووجدت نفسها في حالة عجز مالي أكثر من مرة". ورأت نصيرات أن المفاوض الصهيوني كان "يأمل في الحصول على هذا الدعم في حال حصوله على التعهد من السلطان".

نتج عن هذه المفاوضات، "إصدار فرمانات جزئية لصالح اليهود، فأذن لهم بشراء أقسام معينة من فلسطين"؛ بحسب ما ذكره كتاب نصيرات، وتمكن هرتزل من أن "يجعل من فلسطين مسألةً سياسيةً وإعلاميةً تشغل بال الرأي العام الأوروبي". أما عدم وضوح موقف عبد الحميد، فأسهم في تقليل "حماسة رجال المال اليهود، ولم يساعدوه على جمع المال اللازم، وهو ما أدى إلى فشل المفاوضات".

وثيقة أبو الشامات

"اضطررت إلى ترك الخلافة"؛ هكذا جاء على لسان عبد الحميد في رسالة بعث بها إلى صوفيّ اسمه محمود أفندي أبو الشامات. ظهرت الرسالة عام 1972، ويخبره فيها أن رؤساء جمعية الاتحاد الذين عزلوه "أصرّوا عليّ بأن أصادق على تأسيس وطن قومي لليهود في الأرض المقدسة فلسطين، وبرغم إصرارهم لم أقبل بصورة قطعية هذا التكليف".

انتهت المفاوضات بنصيحة عثمانية على لسان السلطان: "ادخلوا هذه البلاد كرجال مال، وكونوا أصدقاء. بعد ذلك يمكنكم أن تفعلوا ما تشاؤون"، لكنها كانت مرفوضةً من هرتزل.

خلافاً لمن يعدّ الرسالة "الدليل الدامغ على براءة السلطان"، فإن نصيرات أثارت شكوكاً عدة حول صحتها، بدايةً من مغزى تأخّر ظهورها، وتأريخها بـ22 أيلول/ سبتمبر 1329 هـ، دون أن يُستبدل أيلول بنظيره من الشهور الهجرية، وهو المعمول به في الشؤون العامة للدولة، إلى جانب غياب طبيعة العلاقة بين السلطان والشيخ، إن وُجدت أصلاً.

لشعورها بالريبة، ساقت نصيرات أسئلةً مهمةً عدة منها: "هل هناك ذكر لمراسلات الشيخ أبو الشامات مع السلطان في أي مراجع أخرى كُتبت عن أبو الشامات نفسه، وهو من كبار شيوخ الصوفية في دمشق آنذاك؟ لماذا لم يعرف أحد بتلك المراسلات حتى من قِبل أقرب مقرّبي الشيخ، ويؤكدها بشكل أو بآخر؟ ثم لماذا يسكت الشيخ أبو الشامات نفسه على هذا السفر التاريخي، ولا يدافع عن سمعة أحد كبار مريديه، أي السلطان نفسه؟". وتعليقاً على وفاة السلطان قبل الشيخ، ذكرت: "هناك خمس سنوات كاملة بين وفاة السلطان والشيخ أبو الشامات، وتالياً كان حرياً بالشيخ أن ينشر الرسالة/ الوثيقة دفاعاً عن عبد الحميد، وحتى يبرأ بذمته إلى التاريخ، وهي الأمانة التي أوكلها له السلطان".

ورأت نصيرات أن رسالة السلطان أعطت انطباعاً بأن عزله كان نتيجة وقوفه أمام بيع فلسطين، لكن "مسار الأحداث بعد عزله لا يؤكد هذا الزعم"، وأن المنظمات الصهيونية لم تحاول "مقابلة السلاطين، حتى رغم ضعفهم، الذين جاؤوا بعد عبد الحميد، ولم يجددوا العرض عليهم".

أما لو كانت الرسالة صحيحةً، فهي من وجهة نظر نصيرات، محاولة لـ"تسوية حساباته التاريخية مع خصومه السياسيين، وتسديد ضربة قاصمة لهم تحت الحزام في محكمة التاريخ"، ثم "تبرئة نفسه وسياساته وحكمه من مسألة التفريط والتساهل بأرض فلسطين".

مستثمرةً التنازلات الجزئية، حققت الصهيونية مكاسب عدة على الأرض، وبحسب نصيرات فقد "ازدادت أعدادهم عام 1908 إلى 80 ألفاً أي حوالي ثلاثة أضعاف ما كان عليه عددهم في عام 1882، حيث كان عدد اليهود لا يتعدى 24 ألفاً، وبهذا ازدادت نسبتهم من 5% إلى 11%"؛ و"حصلوا على ما مساحته 400 ألف دونم من الأرض من مجموع مساحة البلاد البالغة 27 مليون دونم، وأنشأوا 68 مستعمرةً زراعيةً". وبخصوص المدن "لم يعد اليهود يتمركزون في القدس والخليل وصفد وطبريا كما كان عليه الحال عام 1882 فحسب، وإنما انتشروا أيضاً في مدن الساحل يافا وحيفا".

وذكر المؤرخ العراقي قيس العزاوي، أنه اتضحت له "سذاجة الدعوات التقديسية العربية لمواقف السلطان عبد الحميد الثاني إزاء هجرة اليهود إلى فلسطين، والادّعاء بأنه وقف حائلاً دون هذه الهجرة، ورفض بإصرار العروض الصهيونية كافة".

إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

ثورتنا على الموروث القديم

الإعلام التقليديّ محكومٌ بالعادات الرثّة والأعراف الاجتماعيّة القامعة للحريّات، لكنّ اطمئنّ/ ي، فنحن في رصيف22 نقف مع كلّ إنسانٍ حتى يتمتع بحقوقه كاملةً.

Website by WhiteBeard